عادل عبد الحق
 شهدت معظم دول العالم في السنوات والعقود المنصرمة الكثير من التغييرات السياسية في الانظمة الحاكمة، وكان من الطبيعي ان ترافق تلك الحركات التغييرية بعض الفوضى لحين تثبيت النظام الجديد اقدامه في السلطة وتعود الامور الى طبيعتها دون فوضى.
غير أن حجم الفوضى وتأثيرها يعتمد بشكل اساسي على طبيعة المجتمعات ومدى تنظيمها لنفسها قبل انقيادها لتعليمات النظام الحاكم، فترى الدول التي شهدت فوضى متفاوتة بحسب تنظيمها، وتفاوت ثقافتها، وتعليمها ونمط حياتها.
بدوره، فإن النظام الحاكم في العراق شُمل بالتغيير بعد ما يقارب الاربعة عقود من الظلم والاستبداد والحرمان، لكن الفوضى التي رافقت التغيير كانت مفزعة ومخيفة. فالفساد الاداري والمالي وعدم الالتزام  بالقوانين، وعدم الحفاظ على المال العام والخاص، وكثرة المشاكل الاجتماعية، كل هذه المشكلات ليس لها علاقة مباشرة بالنظام، إلا أنها مرتبطة في الوقت ذاته بالتنظيم، أي بتنظيم المجتمع لنفسه.
يروى ان احد المعارضين لنظام حكم دولته -وكان من اكبر واشد المعارضين في تلك الدولة- ان سائقه في ساعة متأخرة من الليل اجتاز اشارة المرور الحمراء ولم يتوقف، فانتبه إليه رجل المعارضة وأنبّه على ذلك وأمره بالرجوع والوقوف حتى تشتعل الاشارة الخضراء والمرور حينها، وهو الأمر الذي أثار استغراب السائق ودفعه إلى القول: «انت من اشد المعارضين هنا وتلومني على عدم الالتزام بالإشارة الحمراء بهذا الوقت المتأخر حيث لا يوجد محاسب او رقيب»، وسرعان ما رد عليه المعارض قائلاً: «نحن معارضين للنظام وليس للنُظُم وعلينا بتنظيم انفسنا».
على هذا الأساس، فإن اردنا ان نكون في مصاف المجتمعات المتقدمة علينا ان ننظِّم انفسنا اولاً؛ وهذا التنظيم يبدأ من الفرد نفسه ومن العائلة والزقاق والحي والمدينة، وأيضاً من الالتزام بالقوانين الموضوعة، وهذا كله ليس بغريب على المجتمع العراقي الذي يتمتع بكل شيء موجود في اي مجتمع آخر وكذلك يتمتع بأمور لا تحتويها مجتمعات اخرى كثيرة ما يجعله مميز جداً، فالتنوع الثقافي والعشائري والديني والفكري يجعله مجتمعاً مترابطاً وقوياً قادراً على ان ينهض بنفسه دون الاتكال على غيره او أخذ تجربة الاخرين.
لنكن يداً بيد، ولنلتزم بالقوانين، ولا نكتفي بإلقاء اللوم على النظام والحكومة، فما نراه يجب ان يشمله التغيير، وتغييرنا يبدأ بتنظيم أمورنا وأنفسنا.. الإنسانية والمساعدة فيما بيننا من صلب واصل نُظم المجتمعات (نحن اهلاً لها).

التعليقات معطلة