منهل عبد الأمير المرشدي
بعض الأمثال تضرب ولا تقاس، وبعض الأقوال تقال ولا تعني من تقال لهم، وبعض الأصوات لا تدل على أصحابها، وبعض التكشيرات لا تعرفها لا انت ولا من كان قبلك او بعدك ان كانت فرحة ام غضب وابتسامة ام التنبؤ بشر مستطير. يقال، والعهدة على القائل، ان شيخا كبير السن ذو هيبة ووقار كان فريضة عشائرية يحتكم له الناس جلس ذات يوم أمام مضيفه حزيناً يبكي فرآه ولده الصغير وهو الذكر الوحيد من ذريته البنات فسأله عن سبب البكاء، فأجاب الاب إني ابكي على هذا المضيف وزهوه وسنينه الجميلة وآخرته، فأيامي تقترب من نهايتها وتعرف ذريتي اخواتك الكبيرات وسيندثر هذا المضيف من بعد ولا يبقى له ذكر ولا تاريخ، فمن يفرض للناس ويحل مشاكلهم. كان الابن صغيراً لكنه كبير العقل فأجاب والده انا لها يا ابي، فقال الاب وهل تعرف كيف تفرض بين الناس وتحل مشاكلهم وعلى سبيل المثال إذا جاءك مجنونان متخاصمان فماذا تفعل؟ قال الابن اضع بعض من عقلي على عقل كل منهما فيكون عقليهما اكبر من عقلي ويصبح لكل منهما نسبة من تعقل واحل الخلاف. سأله والده واذا كان الخصام بين عاقل ومجنون، فأجاب اضع بعض من عقلي على عقل المجنون فيصبحان عاقلين واحل المشكلة، فقال له اذا كانا المتخاصمان عاقلين؟ فأجاب العقلاء لا يتخاصمون يا ابي واذا تخاصما لا يحتاجا وسيطا لحل مشاكلهم من دون اي حوادث تذكر. ضحك الاب وفرح لأنه اطمأن لمستقبل مضيفه وابنه وعرف حكمته. نحن اليوم نعيش أشد الاوقات حراجا من عمر وتجربة العراق كدولة وحضارة وتاريخ. الحدث العراقي المنتظر قد يغير ايقاع الحياة والمستقبل.. قد يغير كل شيء لدينا؛ فنحن اليوم اما ان نكون او لا نكون، لذلك لابد من ولادة وعي عقلائي.
حياتنا ومشاكلنا ومعاناتنا تكمن في التفاصيل الصغيرة تلك التي قد لا تذكر ولا تعلن ولا تكشف وغير المرئية والمهملة التي لا احد يتوقف عندها وقد يعتبرها البعض لا قيمة لها في حين ان هذه التفاصيل الصغيرة اذا جمعتها ستكتشف انها تشكل المباديء الاساسية والجذور الحقيقية لكل ما يطفح على السطح من احداث اجتماعية واخلاقية وسياسية. ولأننا نعيش في عالم مفتوح على مصراعيه وليس كما كان سابقا نعيش في جدران واحدة وتقاليد ثابته وأصبح الخروج منها يشكل خلاصا لأنها تفسد حياة الناس. هناك افكار كثيرة وصالحة لقيادة المجتمع لكننا بحاجة الى ان يتصدى العقلاء من خلال جهاز تنفيذي ونخبة واعية تتحدى هذا التشرذم والضياع ولو من خلال صراع شاق لعله يسمح في نهاية المطاف لانتصار عقلاء القوم بصبرهم وحكمتهم والتصرف في حل مشاكل البلاد وتلبية ما يريد العباد بعيدا ان الخلافات والاختلافات وبما يمنح العراق فرصة العودة ليكون حاضرا في دوره الريادي وبما يستحقه ارثا وتأريخا وعقول وثروات.

التعليقات معطلة