سعدية مفرح
أثار قرار منصّة تويتر إغلاق حساب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فيها إثر اقتحام أنصاره مبنى الكونغرس في واشنطن، تساؤلاتٍ اجتاحت مستخدمي «تويتر» وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي في العالم كله بشأن أحقية هذه المنصات في مثل هذه القرارات التي لا تُراجع، فترامب أحد أشهر مستخدمي «تويتر» ومن أهمهم، بل لعله ساهم بتغريداته المثيرة دائما في إعادة تنشيط هذه المنصّة التي عانت من التراجع بعد ظهور منصّات أخرى. ولم يشفع له ذلك، ولا عدد متابعيه الذي كان يزيد على الثمانية والثمانين مليوناً، من أن تتخذ إدارة «تويتر» ذلك القرار الحاسم والسريع والمفاجئ بإغلاق حسابه نهائيا، ما حرمه من التواصل مع جمهوره عبر الوسيلة المفضلة لديه.
لقد أعاد الأمر كله إلى الأذهان قوة هذه المنصّات التواصلية على مستخدميها وسيطرتها التامة عليهم، فهي مجانية متاحة للجميع، وفقا لشروطٍ يوافق عليها كل مستخدم بمجرد انضمامه لها، ولكن الشروط تبدو أحيانا غامضةً، ويمكن تفسيرها بتفسيراتٍ كثيرة، وهي تفسيراتٌ تحتفظ بمرجعيتها وحق تفسيرها النهائي، تلك المنصات وحدها ما يجعل سلطاتها مطلقةً فعلا على مستخدميها، وهو ما يثير القلق لدى الجميع، ويجعلنا نتساءل مجدّدا؛ ما هي المعايير الحقيقية الواضحة التي تستند إليها إدارة «تويتر» وغيره من المنصّات، لإغلاق أي حسابٍ فيها؟ وكيف يمكننا الوثوق بها في ظل رصد حالاتٍ متشابهةٍ في التغريد والتدوين لشخصياتٍ مختلفة، تعاملت معها تلك المنصات بقرارات مختلفة؟
إغلاق حسابات ترامب، في كل وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها، بهذا الشكل السريع، وبما يبدو وكأنه أمر متفق عليه من الشركات المختلفة المالكة تلك المنصّات، وهذا أمر نادر أساسا، وبلا مراجعة أو أمر قضائي، أو حق للشكوى، أثبت لنا أننا أمام ديكتاتورياتٍ شموليةٍ وغير تقليديةٍ في تطبيق سلطاتها علينا، نحن المستخدمين. خصوصا في ظل الحاجة الماسّة لاستخدام معظم الناس هذه المنصات في الوقت الحاضر، لأنها أصبحت بديلا سهلا ومجانيا ومتوفرا للجميع، للتعبير عن رأيه، وإيصال رسائله وأفكاره إلى الآخرين. ولعل هذا يفسّر بعض التعاطف الذي حظي به ترامب من المختلفين معه في الولايات المتحدة والعالم كله، بعد إغلاق حساباته، فهو ليس تعاطفا مع سياساته، ولا مع أفكاره، ولا مع تصرّفاته الأخيرة، ولا حتى توافقا مع ما كان يكتبه في «تويتر» مثلا، بل كان تعبيرا عن القلق الحقيقي تجاه التوجه الديكتاتوري لدى القائمين على تلك المنصّات التواصلية، وطريقة تحكّمها في مستخدميها الذين وجدوا فيها حريتهم الكاملة تقريبا عندما اكتشفوها.