سما حسن
مثل أمٍّ تلطم طفلها في الليل، وسط العتمة، وفي الصباح تستيقظ في لهفةٍ لترى أثر اللطمة على وجهه، فتراه يغطّ في نومه، مثل ملاك بريء… هكذا كنت في عمق مدينتي الصغيرة، بعد توقُّف العدوان، وإعلان وقف إطلاق النار. بلهفةٍ كنت أريد أن أرى وجه المدينة، وكنت أريد أن أطمئن على ذاكرة السنين التي قاربت على نصف قرن؛ أنّها لا تزال كما هي. وهكذا كنت أنسلُّ من بيتي نحو ذلك العمق المحبَّب الذي أحفظه، مثل راحة يدي، أريد أن أنظر فيه، وأطمئن، مثل الأم التي تريد أن تتأكَّد أنّها ليست قاسية القلب، وأنّ طفلها سوف يتحمَّل لطمتها، وسوف يستيقظ، وقد نسي كلَّ شيء، ويبدأ باللعب والمناغاة حولها، وهي تمارس أعمال البيت.
مثل هذه الأم، كنت أرى مدينتي الحبيبة على قلبي، وهي تعود، بعدما كانت في ما يشبه غيبوبة الموت. كانت تفتح عينيها، ببطء ثقيل، بانحدار الشابَّات من القرى المحيطة بها وهنَّ بكامل زينتهن، يدلفن إلى أبواب محلاتٍ ضيِّقة تبيع الملابس والعطور وأدوات الزينة، وقد فتحت أبوابها على استحياء، لكنّ توافد الشابَّات، المتَّشحات بالسواد المتضاحكات بخفوت، شجَّع الأبواب؛ لكي تصبح مشرَعة، ولكي يدلف منها هذا الجمال الذي تألَّم، وخاف، على مدار الأيام السابقة، ووقفن طويلاً ينتقين ألوان طلاء أظافر لإحداهن، وأحمر شفاه، ويمكنك أن تستنتج أنّها عروسٌ، قد حان موعد زفافها.
لا تجعل العجب يأخذك بعيداً، وأنت ترى الحياة تولد بعد الموت، في مدينتي الصغيرة، التي شهدت مجازر، على مرِّ التاريخ. ولأجل ذلك جبت أحد شوارعها التاريخية، شارع جلال. لا أدري لماذا أطلق عليه هذا الاسم، وربما كان الاسم الأول، أو الأخير، لشهيد مصري على أرضها، مثلما أطلقت أسماء شهداء مصريين على شوارع ومدارس في المدينة، مثل مدرسة مصطفى حافظ، وهو عقيد في الجيش المصري، قضى فترة عمله منذ العام 1951 في غزة، وكبَّد العدو خسائر فادحة، ونشر الرعب في قلوبهم، بعمليات رجاله؛ حتى اغتيل بارتطام لغم بسيارته، في 1956 في غزة أيضاً.
توزّع الباعة الجائلون على الطرقات وتقاطعاتها، ينادون على بضائع قاربت أن تفسد، ويُنبئك منظرها بذلك، لكنّك تشعر بالشفقة على أصحابها الفقراء، ولا تملك سوى أن تلبِّي دعوتهم، وبعضهم كان ينادي على بضاعته، وهو يترنَّم بأغنيةٍ نسَّق كلماتها، في أثناء وقفته تحت أشعة الشمس، تتغنَّى كلماتها بالبطولة والصمود. وحين تتأمَّل هذا الكائن منتصب القامة المتصبِّب عرقاً، والمنهك فقراً، تُقرِّر أنّ هذه الأغنية التلقائية تعنيه وحده، فقط، وتفكّر أن تغنّي معه؛ لكي يبقى هنا.

التعليقات معطلة