غازي المشعل
تصفح اي فيديو على اليوتيوب وستطالعك الغرائب والعجائب، بدءاً من مونتاج المقدمة الذي يتقنه هذه الايام من هبَّ ودب بفضل تقنيات اجهزة الموبايل الحديثة، وتسابق الشركات على اضافة مزايا وتطبيقات متطورة، الى العناوين الى المحتويات التي تنبؤك ان نهاية العالم ستحلّ بعد ثوانٍ!
اليوتيوب اصبح اليوم تجارة، ودجاجة تبيض ذهباً وتدر دولارات خضراء.. ولا يهم المحتوى ولا يهم ان كانت لديك خبرة او اطلاع واسع في اي مجال، وما عليك الا ايجاد عناوين غريبة وفنطازية تجر المشاهد من ذقنه لتجبره على مشاهدة الفيديو، ومع قليل من التوسل، ورحمة لوالديكم وساعدوني وما عندي معيل وصلوا على النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ومع دغدغة العواطف واثارة بعض المذهبيات.. ومع الكليشة الجاهزة التي صدّعت رؤوسنا: قبل المشاهدة فعّل زر الجرس وضع لايك وانشر الفديو وابعثه لاصدقائك ولا تنسَ التعليق.. وكلها اوامر واجبة التنفيذ.. وبعدها يبدأ الفيديو بمقدمات حنقبازية ولغة سنسكريتية كلغة الدكتور أبو علي الشيباني تماماً.. وما ينبغي ان يقال في نصف دقيقة سيمتد غصباً عليك وعلى اللي خلفوك الى عشر دقائق او اكثر.. وهاك بعضاً من عناوين اليوتيوب اليوم: نادر جداً جداً، اتحداك ما تضحك واتحداك ما تبكي، شاهد قبل الحذف، فديو صادم، اكثر من ١٨ عاماً (لا يهم ان كان سبعة عشر عاماً و١١ شهراً!)، قل هذا الدعاء وستشفى فوراً او سيصب عليك الرزق صباً.. خلصنا عمرنا واحنا ما نعرف نعمل الجاجيك! والى اخره من وسائل جر المغفلين الى المشاهدة.
لقد اصبح اليوتيوب اليوم يعج بالاف النقاد والخبراء من الرياضيين والفنيين والطباخين والعشّابين وقارئي الكف ومفسري الاحلام، والخطّابات ومدربي اللياقة والتخسيس ومعلمات الرقص الشرقي ووصفات طبخ الثريد والباميا والشلّكين والبقلاوة وزنود الست وخدود الحجية، وكلها اتحداك واتحداك وشاهد للاخير، كما اصبح اليوتيوب ايضاً مكاناً لكل من فقد او طُرد من عمله في هذه القناة الفضائية او تلك ليعيد ويجتر ما قاله قبل عشرة اعوام! ولم لا؟ مادام الكل يقبض اذا تخطى عدداً معيناً من المشتركين او المتصفحين او لايك او تعليق لله يا محسنين..
في مصر الشقيقة اعلن قبل ايام عن فرض ضريبة جديدة تطال اليوتيوبرية بعد ان وصلت ايرادات بعضهم الى ملايين الدولارات بفضل الاشتراكات والتعليقات والسبسكرايب مهما كان محتوى الفديو وتفاهته.. واذا علمنا ان العملة المصرية متدهورة حالها حال اغلب بلداننا التعبانة فان العجب سيزول عندما يتهافت الالاف ليصبحوا يوتيوبرز محترفون حتى اصبحت ثروة احد هؤلاء تسعة ملايين دولار.. وقد قرات ان عدداً ليس بالقليل من الاشخاص فشلوا باختصاصاتهم العملية كالاطباء والصيادلة والرياضيين واتجهوا الى اليوتيوب فحققوا ارباحاً هائلة لان القضية لا تحتاج الى عيادة واجهزة ومراجعين بل هي فقط اضغط زر التسجيل وقل اي شيء.. وستربح! واليوتيوب وهو يرحب بكل من يرفع فيديو على منصاته فانه لا يدقق كثيراً ولا يمنع الا الفيديوهات التي فيها لقطات جنسية او اباحية فاضحة، واحياناً تحذف بعض مشاهد القتل والعنف وتحجب المواقع التي تعود لمنظمات تصنف على انها ارهابية او متطرفة، وما عداها فيا مرحباً.. مادام اليوتيوب يقبض من الاعلانات بالملايين، والناشر يقبض من اليوتيوب بالالاف.. ويا بخت من نفّع واستنفع..