خالد جهاد
ندرك جميعاً وجود أزمة على صعيد تمويل المشاريع والأعمال الفنية والثقافية والأدبية بشكلٍ عام والراقي منها بشكلٍ خاص، والذي يحمل مضموناً أو يناقش قضايا المجتمع والإنسان بشكلٍ واقعي، واعي، سلس، ومميز يساهم في الارتقاء بذائقة وفكر المتلقي وتوسيع مداركه، كما يسلط الضوء على ما يعيشه دون افتعال أو مبالغة أو متاجرة من خلال تقديمه للفكرة أو الحالة مغلفةً بشحنةٍ عاطفية إنسانية تمس وجدانه فعلياً وتجعله يصدقها ويتماهى معها دون استدرار عواطفه ودموعه..وفي ظل اكتساح الأعمال ذات المضمون السطحي والهابط والتجاري والمسف والمبتذل والمنقول والمكرر (دون تعميم) وتسيدها للمشهد رغبةً في تحقيق الكسب المادي السريع واستثماراً لحالة الجوع إلى الشهرة التي باتت ملحوظة بشكلٍ لا يحتاج إلى مناقشته، بات الكثير من المنتجين ورؤوس الأموال وبعض الباحثين عن الظهور الإعلامي بتمويل بعض هذه الأعمال طمعاً في المردود المادي والشهرة خاصةً على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة تجتذب بدورها المعلنين وتساهم في نشر (أعمالهم) بصورة أكبر والدوران في حلقة مفرغة من التدني، فيما يصاب الكثير من الأسماء الراقية والمحترمة والمرموقة بالإحباط بين أجيال قدمت مسيرةً هامة، وأجيالٍ تحاول أن تحذو حذوها من المتواجدين أو الصاعدين الذين يقدمون نتاجهم بشكلٍ انتقائي ومدروس لإدراكها بحقيقة الوضع الحالي ومدى صعوبة مجاراته لتعارضه مع ما قدمته أو تحلم بتقديمه، وتناقضه مع رؤيتها وفكرها ونظرتها للحياة وقيمها التي تحملها، فتأبى أن تنساق خلف هذه الموجة رغم صعوبة هذا القرار وتبعاته القاسية عليها من كل النواحي..لذا يكون الحل الأخير في معظم بلادنا والذي يبدو مغرياً (في بعض الأحيان) هو البحث عن تمويل غربي لهذه المشاريع والأعمال، فنجد على سبيل المثال في الحقل السينمائي عدداً من المؤسسات الإعلامية والثقافية التي تقوم بالمساهمة في إنتاج أفلام سينمائية من فلسطين ولبنان وسوريا وتونس والجزائر والمغرب والعراق والتي تتركز في أوروبا وبشكلٍ خاص في فرنسا وألمانيا من خلال مؤسسات وقنوات تليفزيونية شهيرة تقوم بعرض هذه الأعمال على شاشاتها بعد صدورها، كما تمول أيضاً بشكلٍ مماثل أعمالاً فنية من دول أخرى في افريقيا أو آسيا أو أوروبا الشرقية، وتأتي المشاركة بعدها بشكلٍ أقل من إيطاليا وسويسرا ودول أوروبية أو غربية أخرى مثل هولندا أو كندا، وأحياناً تشترك عدة مؤسسات من عدة دول في تمويل عمل واحد ليس لضخامته بل لمحدودية الميزانية المخصصة ولكثرة الطلبات القادمة من دولنا ودول أخرى قصدتهم بحثاً عن التمويل، وتأتي هذه المساهمات (المدروسة) بعد دراسة مستفيضة لمشروع العمل والقيام بأكثر من تعديل ومراجعة له على مدار أشهر وسنوات بين أخذ ورد ورفض وقبول.. ولكن بشروط..
ولا يحتاج الكثيرون سوى لمتابعة هذه الأعمال لفهم مضمونها وفهم سبب تمويل هذه المؤسسات لها حتى بشهادة فنانين عرب مقيمين في باريس أو برلين على سبيل المثال، كتصريحات المغني الجزائري الشهير رشيد طه (والذي رحل عام ٢٠١٨) مهاجماً في إحدى اطلالاته الأخيرة على إحدى وسائل الإعلام الفرنسية طريقة ظهور العرب في الإعلام الفرنسي قائلاً أن الإعلام لا يذكرنا إلا للحديث عن الإرهاب وطبق الكسكسي! والذي أثار ضجةً في حينها تناقلتها الصحافة الفرنسية..