هادي الدعمي
يذكر لنا التاريخ الحديث والقديم، ان هناك لكل زمان رجال يصنعون المواقف، وهم القادرون على أثبات الأسس لبناء الشعوب، كما أفرزت لنا الحياة يوما بعد اخر، ان هناك فشل للبعض في أداء واجباتهم، ولم يقدموا شيئاً مع توفر الظروف والمساحات لهم، فالبلد بحاجة الى رجال أقوياء يتحملون مسؤولية البناء، والانتقال بالبلد إلى شاطئ الامان.
إن خير ما تقوم به دولة لشعبها، وأعظم ما يقوم عليه منهج تعليمي، وأفضل ما تتعاون عليه أدوات التوجيه كلها من صحافة وإذاعة، ومسجد ومدرسة، هو صناعة هذه الرجولة، وتربية هذا الطراز من الرجال.
إن رجلاً واحداً قد يساوي مئة، واخر قد يوازي ألفاً، ورجلاً قد يزن شعباً بأسره، وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة.
يعد بألف من رجال زمانه… لكنه في الألمعية واحد.
الأمة اليوم بحاجة إلى رجال يحملون الدين وهمه، ويسعون جادين لخدمته وأوطانهم شعارهم «من المؤمنين رجال… » فهي بحاجة اليوم لمن يتربون على عظائم الأمور ومكارم الأخلاق، صفوفهم منتظمة، حريصون على الوحدة والائتلاف وليس الفرقة والخلاف، يعلمون أن الغضب لله، لا يعني الجور وتجاوز الحد الشرعي في إنكار المنكر.
هكذا ولدت لنا الدنيا رجال يصنعون المواقف، وخير مثال لنا الفيلسوف الإنساني والمفكر الإسلامي، الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره الشريف) ظاهرة متميزة ونادرة في مسار الحركات التحررية المعاصرة، حيث انطلق من رحاب النجف الأشرف، عاصمة العلم والعلماء، وحوزتها العلمية المباركة حصن الأمة المنيع، إلى ساحة مناقشة النظريات العالمية والتاريخية، قبل أن ينخرط في مجال المواجهة السياسية مع الديكتاتورية، غير آبه ببطش السلطة آنذاك ليخاطب، فئات الشعب بمقولته الشهيرة “أنا معك يا أخي وولدي السني، بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعي” فيختط بدمه الزاكي طريقا للأجيال، ولتتجسد إرادة الباري عز وجل، في أن تتزامن ذكرى استشهاده الأليمة مع انهيار الديكتاتورية. فكان عزيز العراق نموذجا اخر من ذلك الخط الذي أنبثق من النجف مرجعياً، وهو يرسخ مقولته التي كان يرددها دائماً “المرجعية دين ندين لله به” كان واثقاً صلباً في إتخاذ القرارات المصيرية، وحكيماً في التعاطي مع الملفات الشائكة، ومنصفاً في حواره ومفاوضاته مع الآخرين.
له دور محوري في تحقيق العديد من الإنجازات الكبرى، في مدة قياسية بمساعدة إخوانه وشركائه، كإجراء الانتخابات وصياغة الدستور والاستفتاء عليه، وتشكيل الحكومة المؤقتة والانتقالية والدائمة، وإنهاء التوتر الطائفي، والعمل على إخراج العراق من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، وإنهاء الوصاية الدولية على العراق، ومسألة تسوية الديون وجدولتها، في نادي باريس وجدولة انسحاب القوات الأمريكية، ملتزماً بثلاثية (القيم / المرجعية العليا / المشروع الوطني). فكان نموذجا ملتزماً بالقيم الإنسانية والإسلامية والوطنية، وكان مطيعاً لتوجيهات وإرشادات وتوصيات المرجعية الدينية العليا، وثابتاً متبصراً في المشروع الوطني، لبناء دولة مستقلة ومستقرة، وقوية ومزدهرة وعادلة.
قائداً مميزاً حمل سمات استثنائية، في ظرف حساس وعصيب من تاريخ العراق الحديث، وكان جديراً بحمل الأمانة وتحمل المسؤولية، عقب استشهاد شهيد المحراب الخالد (قده).