المحامي عمار مهدي العطية
وانا أمر بالسيارة في العشار الفارغ وأم البروم تحديداً قبل ساعة اليوم العاشر من المحرم يوم استشهاد الإمام الحسين السبط عليه السلام وأهل بيته وصحبه الأوفياء… مرت بذهني ذكريات مثل هذا اليوم وأيام محرم في بصرة الأمس الهادئة الوادعة المحبة.. منذ الطفولة وإلى عقود مضت..
يوم كانت حسينية العطية في العشار المؤسسة سنة 1913 اكبر الحسينيات في المدينة تضم في جنباتها الواسعة اكثر من الف ويتناوب على المنبر أشهر قراء ذلك الزمان من الحجار إلى ابن جسام خطيب ثورة العشرين في خطاب أدبي تاريخي وبحث منوع لا ينطوي على سباب او اثارة بل ثقافة مختلفة المشارب والانواع… في ظهيرة العاشر من المحرم وبعد قراءة المقال تنزل من طابقها العلوي أربعون صينية برنج يحمل كل واحدة ثلاثة او أربعة رجال محملة بالزر واللحم وهو رقم كبير جدا قياسا لتلك الأيام، لتقدم غداء الحضور…. هدمت سنة 65 لشق شارع الكويت…
يوم كانت آخر محاضرة لشيخ الاعتدال الوائلي المرحوم سنة 1970 في ساحة ام البروم محاضرة شيقة لا زالت في الذهن موضوعها الإنسان كيف يخلق من التراب وإليه يعود…
يوم كانت البصرة بكل أديانها وطوائفها تشارك بشكل واخر في استذكار فاجعة الطف…
يوم كان المسلمون السنة يغطون الراديو بغطاء طيلة الأيام العشرة ولا يشغلونه احتراما وحزنا على الفاجعة ورمزها الكبير… يوم كانت الهريسة لا تطبخ الا في بيت العبايجي السنة.. والجوامع تضج بالمناقب النبوية والتهليلات حزنا وترحما واستذكارا للإمام والمصيبة الكربلائية..
يو م كان بيت باش أعيان السنة أعرق أسر البصرة يوزعون المبالغ النقدية على فلاحيهم في مختلف املاكهم لإقامة التعزية الحسينية سنويا..
يوم كان المسيحيون بكل طوائفهم يمتنعون عن الأفراح والأعراس شهري محرم وصفر تضامنا وتشاركا مع حزن المسلمين واحتراما وتقديرا للذكرى وصاحبها..
يوم كان أبناء حنا الشيخ رفولي وجبورى المسيحيون يدعمون إقامة التعازي بعاشوراء ويحضرون مجالس العزاء..
يوم كان موكب شباب العشار اكبر موكب للطم لا ينتظم الا بحضور الاخوين ادور والبير طليا في المقدمة وهم عرايا الصدور بأجسامهم الضخمة… بقي المرحوم البير طليا ابو جمال اذا حلف يحلف بالقران لحين وفاته… وهو العشاري المسيحي… اي ألفة هذه؟
يوم كانت والدتي رحمها الله بكل آذان، تقيم مجلسا نسائيا للعزاء ليالي المحرم بدارنا بمعقل.. كان اول من يحضر خالتنا العزيزة المرحومة ام مؤيد محمد داغر السنية رحمها الله الف رحمة ثم ام فهمي زوجة المرحوم عبود توما المسيحية وصديقة الوالدة مكروهي الارمنية…
يوم كان أبناء نات تاجر الساعات الأشهر في العشار وهم من الهندوس! يلبسون السواد ويخرجون معنا إلى المواكب في العشار مشاركة بالعزاء…. سمى نات أبناؤه بأسماء عربية صباح وصلاح…الى ان مات في الكويت كان يبكي عندما يرد ذكر البصرة…
يوم كان صندوق الحسين الذي يتبرع احد اصحاب المحال في أسواق العشار بحمله والتنقل به على اصحاب المحلات ليضعوا فيه تبرعهم.. كان الأغلب من المسلمين يضع عشرة فلوس او خمسة وعشرين فلسا الا ابو ميساك الفيتر الأرمني فقد كان يضع درهم! خمسون فلسا عن طيب خاطر….
يوم كان الصابئة يطأطئون رؤوسهم ويهزوها عندما يستمعون إلى المقتل.. حزنا وتالماً..
يوم كانت تفرش أرض أسواق العشار بالحصران ويتناوب القراء. على القراءة في موكب كل مهنة بعد الأخرى القصابين ثم البزازين ثم الخياطين وهكذا حتى لا تؤثر على الناس او البيع والشراء.
يوم كان موكب الأنصار الذين يذهبون إلى كربلاء للزيارة يقوده صمد المظفر وسلمان الرحماني…
يوم كانت الألفة والمحبة والصفاء والاحترام.. هي محددات العلاقة بين الجميع..
يوم كنا لا نفرق بين دين واخر ومذهب واخر…
هكذا كانت مدينتي.. هكذا عشنا أخوة.. وبقينا.. وسنبقى حتى النهاية….
ذكريات مرت بذهني وهي غيض من فيض، وأنا أغادر العشار واترحم على ذلك الزمان وأهله… أين كنا… وأين أصبحنا؟