محمد عبد الجبار الشبوط
الجزء الثاني
«وَلَّمَا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.»
لم يطلب موسى من الله الرؤية البصرية ولا الرؤية القلبية، فامرهما محسوم بالنسبة لموسى باعتباره نبيا. لكنه طلب «تجلي» الله، بمعنى انفتاحه بابعاده المطلقة على عالم الشهادة بابعاده النسبية المعروفة، وهذا غير ممكن بمعنى انه يؤدي الى انهيار عالم الشهادة كما حصل للجبل.
ويمكن ان نفهم من ذلك ان احضار الناس بصورة عامة عند حضره الله سيكون بغير الابعاد المادية الاربعة لعالم الشهادة بما في ذلك الانسان. وسيكون «احضار» اعمال الانسان بهذه الصيغة ايضا او كما يقول القران:»وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا: اقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا». انه احضار على شكل «كتاب»، او سجل اشبه بالسجل الاليكتروني، يعرض فيها صور الاعمال باربعة ابعاد فتبدو «مجسمة» امامه. وهذا يقودنا الى فكرة اخرى يذكرها القران وهي «رؤية الاعمال».
رؤية الاعمال في عالم الغيب
ويتصل باحضار الاعمال موضوع اخر، كما قلنا، هو «رؤية الاعمال» الواردة في قوله تعالى: «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ؛ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا (٨- يَرَهُ.» (الزلزلة ٦ وفي «رؤية الاعمال» رأيان ذكرهما صاحب الميزان:»و إراءتهم أعمالهم إراءتهم جزاء أعمالهم بالحلول فيه، أو مشاهدتهم نفس أعمالهم بناء على تجسم الأعمال.» والرأي الثاني اقرب الى النص انما بتوجيه اخر. ف»تجسم الاعمال» تعني قدرة الانسان وقد انتقل الى عالم اخر هو عالم الغيب، على رؤية صورة لاعماله في عالم الشهادة باربعة ابعاد، يعني صورتها كما حصلت في عالم الشهادة، سواء كانت
اعماله صالحة او غير صالحة، كبيرة ام صغيرة. والصورة ذات الابعاد الاربعة لابد ان تكون صورة مجسمة للرائي.
و كلمة «الذرة» الواردة في الاية تعبير مجازي لتأكيد صغر العمل حيث كان الاعتقاد ان «الذرة» هي ،(atomos) « اصغر شيء في الوجود، حيث ان كلمة «الذرة» مشتقة من الكلمة اليونانية «أتوموس وتعني «غير القابل للتقسيم» أو «الجزء الأصغر».
في الفلسفة اليونانية القديمة، كان الفلاسفة يعتقدون أن الذرة هي أصغر وحدة من المادة والتي لا يمكن تقسيمها أو تجزئتها. كان هذا الاعتقاد يأتي من فكرة أن المادة لا يمكن الانتهاء من تقسيمها حتى النهاية، وأن هناك شيئًا لا يمكن تجزئته وهو الذرة.
وقد تطورت فكرة الذرة في العصور اللاحقة وخصوصاً في عصر الكيمياء الحديثة والفيزياء، حيث تم اكتشاف أن الذرة ليست فعلاً اصغر شيء غير قابل للتجزئة، وإنما تتألف من جزيئات أصغر مثل البروتونات والنيوترونات والإلكترونات.
يعتقد أن الجزيئات الأصغر في الذرة (مثل ، string theory و في الفيزياء النظرية ونظرية الأوتار البروتونات والنيوترونات والإلكترونات) يمكن أن تكون مكونة من جزيئات أصغر منها تسمى الأوتار.
وفقًا لهذه النظرية، الأوتار هي كيانات صغيرة ومرنة تتراوح طولها في حدود الطول البلانك، وهو أصغر 35 متر.
-^ وحدة ممكنة في الفيزياء النظرية، يمكن أن تتراوح بين 10 تعتقد هذه النظرية أن الأوتار تهتز وتتراكب بأشكال ووضعيات مختلفة لإنشاء الجزيئات المختلفة.
وتختلف الترددات والأوضاع الاهتزازية للأوتار، مما يؤدي إلى تنوع الجسيمات وخواصها المختلفة. مع ملاحظة أن نظرية الأوتار ليست نظرية رسمية ومثبتة علميًا بشكل كامل حتى الآن. الا إنها واحدة من النظريات المحتملة التي تهدف إلى تفسير عالمنا وطبيعته. ولا يستبعد بناء على ذلك امكانية الانسان ان يرى الصورة الاصلية لاعماله المؤلفة من اوتار كانت لا ترى بالعين المجردة في عالم الشهادة لصغرها المتناهي. وهذا التأويل يدل، ان صح، على امكانية الانسان وقد انتقل الى عالم ذي ابعاد مختلفة، هو عالم الغيب، على رؤية صور الاشياء ذات الابعاد الاربعة (وهو مايبدو انها صور مجسمة كما احتمل صاحب الميزان) كما كانت في عالم الشهادة، اي في الماضي بالنسبة لعالم الغيب الروحاني الذي نجهل ابعاده. المرأة والرجل والقران يؤكد من ناحية اخرى ان الله سوف يقيم اعمال الانسان على اساس طبيعة العمل لنفسه وليس على اساس جنس القائم بالعمل من ذكر او انثى. «فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ، بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ؛ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ( تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأنَْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللهَِّ، وَاللهَُّ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (ال عمران 195 وقيل في سبب نزول الاية ان زوجة الرسول أم سلمة قالت له: يا رسول الله، تُذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر؟ فنزلت هذه الاية. وهذا يؤكد ان صحت الرواية ما قاله السيد محمد باقر الصدر من ان نزول القران كان عبارة عن حوار مباشر بين الجماعة المسلمة التي انشأها الرسول في مكة ثم هاجرت الى يثرب لاقامة الدولة الاسلامية من جهة، وبين الله الذي كان يواكب سير هذه الجماعة عن طريق الرسول (ص)، وان كان المفهوم ان ما يسمى اسباب النزول لا يقصر معنى الاية على سبب النزول التاريخي، فالعبرة ليس بخصوص السبب وانما بعموم المعنى، كما يقولون.