محمد صادق الحسيني
من يُريد أن يفهم لغز (أمريكا) ولماذا الان تحشد كل ما لديها لوقف انهيار الكيان ، عليه أن يعود قليلاً إلى الوراء. إلى اللحظة التي رست فيها أول سفينة على الشاطئ الأمريكي، قادمة من الشاطئ الآخر للاطلنطي.
لحظتها كانت (أمريكا) مجرد كيان جغرافي، قارة مترامية الأطراف، مترامية السكون، هادئة وعذراء، غنية إلى أقصى حد، وممتلئة إلى حد الشبع.
تسكنها قبائل شديدة الشبه بقبائل العرب، قبائل كل قبيلة لها زعيم، وكل زعيم له شارة، وهم يتكلمون لغة واحدة ولهجات شتى، ولهم فنونهم وأدبهم، ويزاولون التجارة ويمارسون الطب، ولهم عادات وتقاليد، ويُقدّسون الشجاعة ويتقبّلون الموت برحابة صدر، ويُحبّون الورد والزهور، ويعيشون في أمان واطمئنان.
هكذا كانت قارة (أمريكا) لحظة رست أول سفينة قادمة من الشاطئ الآخر تحمل على ظهرها عصبة من حثالة قارة (أوربا)، قراصنة بحثاً عن ضحايا غافلين، قراصنة هاربين من أحكام قضائية، ومجرمين خارجين على القانون، وأفاكين سئموا الحياة في الأرض القديمة التي أجدبت، وجاءوا يضربون في المجهول عن حياة أفضل ومستقبل مضمون!
ومع هؤلاء كان هناك عدد من المبشرين الدجالين المتاجرين بالدين جاءوا يصرخون في البرية: أعدوا طريق الرب مهدوا سبله مستقيمة!!!
وكان الجميع على ظهر السفينة مسلحين من الرأس حتى أخمص القدم، خناجر ومطاوي وبنادق ومسدسات ومدافع، حتى أصحاب القداسة كانوا مسلحين بالأناجيل والصلبان والمسدسات، ولم لا؟!
لقد جاءوا في مهمة في سبيل الرب، في سبيل الرب سيفعلون أي شيء وكل شيء، وهم بالتأكيد فعلوا ذلك، لم يتوانوا ولم يتهاونوا.
على معابد من سموهم
“الهنود الحمر ”
أقاموا كنائسهم، وعلى أشلاء الملايين من سكان البلاد الأصليين شيدوا أديرتهم، واختلطت أنغام الأورغن وتراتيل صلاة عيد القداس بصياح الجرحى من الهنود الحمر، وأنّات الذين حصدهم الرصاص بالألوف، وداست عليهم حوافر الخيل بلا رحمة!!
المهم أنهُ لحظة رست السفينة على الشاطئ الأمريكي لم يكن على ظهرها من الحضارة إلا المسدس والإنجيل.
ومن هذه اللحظة وإلى الأبد سيلعب كل أداة منهما دوراً مهماً ومؤثراً في حياة أمريكا!
وسيكون المسدس في المقدمة و”الإنجيل”بعد ذلك، ولكن كل منهما سيكمل مهمة الآخر، وسيكون التعاون بينهما على أكمل وجه!
تلك كانت البداية، ولكن النهاية جاءت أفضل مما كان يرجو هؤلاء القراصنة، اذ تم ذبح الهنود الحمر عن بكرة أبيهم، حتى الذين ألقوا السلاح وعقدوا المعاهدات معهم، انقضوا عليهم وذبحوهم بعد ذلك، فلم يكن هؤلاء المهاجرون البيض ينشدون السلام، ولكنهم كانوا يريدون الأرض ونهب خيراتها!.
وعيك_ بصيرتك