فارس الطالب
لما يجري حولنا في هذه اللحظات الفارقة والتي نرى فيها قطرا عربيا صغيرا يجري تدميره وأفتراسه بشراسة متناهية لم نرى مثيلا لها من قبل .
أقول كل هذا الجحيم من القتل وأراقة الدماء والدمار الشامل والإبادة الجماعية الهمجية والوحشية التي تتعرض لها غزة وشعبها المدني الأعزل وبما يستحيل على أي مجتمع أنساني في العامل تحمله أو الصمود في وجه تبعاته وتداعياته . ومع ذلك فانه ما يزال هناك من يرونه أمرا لا مفر منه وانه الضريبة التي يتعين على الفلسطينيين أن يدفعوها لتحرير أراضيهم .
وأن المقاومة المسلحة بالطريقة التي تصرفت بها أخيرا عندما أطلقت طوفانها هي الطريق الذي لا بديل له اذا ما كان لفلسطين أن تتحرر وتحصل على حقها في تقرير المصير .
ولو لم يكن الثمن المدفوع في ما فعلته حماس هو كل هذه الشلالات من ألدماء وكل هذا الخراب الذي لم يترك مبنى واحدا فيها على حاله وقطع عن المدينة كل أسباب الحياة . لهان ألامر ولكان لهذا المنطق ما يبرره . ولكن ما جرى لغزة وما يزال يجري وسوف يجري ينطق بهول الكارثة أو الفاجعة الأنسانية التي تعيشها هذه المدينة المنكوبة مع نفسها . وبأننا أمام إرهاب دولة عنصرية تجاوز كل الحدود التي يمكن للعقل أن يتصورها أو يقبلها . وأن ( نتن ياهو ) الذي يدير هذه المجزرة البشرية الرهيبة من تل أبيب أصبح نسخة جديدة من ( هولاكو ) .
وأن غزة مهددة بالضياع والدمار التام على ايدي هؤلاء التتار الجدد . وهو دمار يتجاوز بكثير حدود ما يمكن لأي نضال مسلح أن يتحمله لأنه لن يكون تحريرا لأرض محتلة . وأنما أنتحارا لشعب سيما وأن الفلسطينيين يقفون وحدهم دون ظهير عربي أو أقليمي أو دولي يحميهم في حرب إسرائيل الحالية عليهم .
وأسال من يرون في هذا الدمار الشامل الثمن الذي يجب دفعه لكي تتحرر فلسطين وأن ما حدث كان الخيار الوحيد أمام المقاومة وأنها كانت مجبرة عليه ولا حيلة لها فيه . .
هل لو كنتم في مكان أهل غزة يقتل الإسرائيليون لكم زوجاتكم وأباءكم وأبناءكم وأهلكم وأصدقاءكم وجيرانكم ومعارفكم بهذه الوحشية المتناهية وبكل هذا الدم البارد . ويدمروا لكم مساكنكم فوق رؤسكم بلا رحمة لتجلسوا بعدها في العراء أو في خيام ممزقة بلا ماء أو غذاء أو دواء أو مأوى أو ثياب تستر أجسادكم ؟ وتعجزون عن دفن موتاكم وتجبرون على تركهم يتعفنون ويتحللون أو تلقون بهم في مقابر جماعية مع غيرهم .
ماذا كنتم ستقولون وقتها وقد دمروا لأبنائكم مدارسهم وجامعاتهم ؟ وقطععوا عنكم موارد دخلكم وجعلوكم تفقدون أعمالكم وسدوا كل منافذ النجاة من هذا الجحيم في وجوهكم ولم يعد لكم حاضر أو مستقبل .
ولتتحولوا بفعل هذه النكبة التي لم تكن واردة لكم على بال إلى بقايا مجتمع انساني لا يصلح لمواصلة الحياة . حيث لا يكترث بماساتكم أحد ولا يتحرك من أجلكم أحد . فهل كنتم ستدافعون وقتها عن من جلب لكم كل هذا الوبال والخراب كما تفعلون الأن وأنتم تنعمون بحياتكم الطبيعية دون أن يكون هناك ما يكدرها أو يعكر صفوها ؟
هذه ليست دعوة للأستسلام أو الأنهزام أو القبول باستمرار الأحتلال الإسرائيلي لفلسطين .
ابدا ابدا . . ولا يمكن أن يكون هذا هو قصدي مطلقا . وأنما كان يمكن ان يكون الأسلوب مختلفا في مقاومة الأحتلال الإسرائيلي بقدر أتساع الساحة الدولية كلها لأعمال المقاومة الفلسطينية المسلحة . وهو ما كان يمكن أن يحرم إسرائيل من الأحساس بالأمن والأمان في كل مكان في العالم . ويضعها أمام تهديد دائم ومستمر . ويرهق أجهزتها الأمنية فوق ما يمكن لأحد أن يتصوره .
هذا إلى جانب أعمال المقاومة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة نفسها . وهو ما كان يمكن أن يحرك أهتماما دوليا أكبر بالقضية الفلسطينية وحافزا للمجتمع الدولي على الأسراع بحلها .
وهذه الأستراتيجية ببعديها الداخلي والخارجي كان يمكن أن تقدم البديل الأنسب لهذا الذي نعيشه مع غزة هذه الأيام . هذا اذا كان هناك من يحسب ويخطط ويعرف طريقه إلى ما يريده بلا مجازفات تصل إلى حد الأنتحار..