محمد عبد الجبار الشبوط
تتضمن هذه المقالة تأملات في ايتين من ايات القران الكريم هما:،
الاية الاولى: «وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا * وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (يونس 19) مكية
الاية الثانية: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ». (البقرة 213) مدنية
الواضح ابتداء ان هاتين الايتين تتحدثان عن مرحلتين في تاريخ البشرية هما: مرحلة «الامة الواحدة»، ومرحلة «الاختلاف»، وما صاحبهما من بعثة الانبياء قبل او بعد الاختلاف بين الناس على خلاف في اجتهادات المفسرين. 
وربط بعض المفسرين بين الايتين فتصور ان بعثة الانبياء جاءت بعد وبسبب اختلاف الناس، ما يعني انه لم يكن هناك انبياء في مرحلة الامة الواحدة.  وهذا ماعليه عامة المفسرين، امثال صاحب الميزان وغيره. قال في الميزان: «الآية تبين السبب في تشريع أصل الدين و تكليف النوع الإنساني به، و سبب وقوع الاختلاف فيه ببيان: أن الإنسان – و هو نوع مفطور على الاجتماع و التعاون – كان في أول اجتماعه أمة واحدة، ثم ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيوية، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة، و المشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين، و شفعت بالتبشير و الإنذار: بالثواب و العقاب، و أصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيين، و إرسال المرسلين…» واورد الايات التالية على انها في صعيد واحد: «إلى ذلك يشير تعالى بقوله: «و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا:» يونس – 19، و قوله تعالى: «و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك و لذلك خلقهم:» هود – 119، و قوله تعالى في الآية المبحوث عنها: «ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه». وقال ان «ظهور هذا الاختلاف هو الذي استدعى التشريع»، اي بعثة الانبياء لقوله»لذلك شرع الله سبحانه ما شرعه من الشرائع و القوانين». ولازم هذا الكلام ان الاختلاف الذي حصل بين الناس بعد تعقد الحياة الاجتماعية وتضارب مصالح الناس في المجتمع هو سبب الحاجة الى بعثة الانبياء وارسال الشرائع معهم لغرض رفع هذا الاختلاف «الفطري» بين الناس، ولازمه انها مرت على البشرية فترة من الزمن، اقلها من ادم الى نوح، لم يكن فيها هناك حاجة الى الانبياء.وهذا يوقعنا في تناقض لاننا نعرف ان الشائع ان ادم هو اول النبيين (ان لم نقل انه اول البشر)، ولكنه سيكون نبيا قبل ان يوجد الناس، وقبل ان يوجد الاختلاف بينهم، فيأتي النبي لرفع الاختلاف بين الناس.
 وقال في تفسير الاية الثانية «و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا»: قد تقدم في تفسير قوله تعالى: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و ما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم:» البقرة: – 213 أن الآية تكشف عن نوعين من الاختلاف بين الناس.
أحدهما: الاختلاف من حيث المعاش و هو الذي يرجع إلى الدعاوي و ينقسم به الناس إلى مدع و مدعى عليه و ظالم و مظلوم و متعد و متعدى عليه و آخذ بحقه و ضائع حقه، و هذا هو الذي رفعه الله سبحانه بوضع الدين و بعث النبيين و إنزال الكتاب معهم ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، و يعلمهم معارف الدين و يواجههم بالإنذار و التبشير.
و ثانيهما: الاختلاف في نفس الدين و ما تضمنه الكتاب الإلهي من المعارف الحقة من الأصول و الفروع، و قد صرح القرآن في مواضع من آياته أن هذا النوع من الاختلاف ينتهي إلى علماء الكتاب بغيا بينهم، و ليس مما يقتضيه طباع الإنسان كالقسم الأول، و بذلك ينقسم الطريق إلى طريقي الهداية و الضلال فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق.» انتهى كلامه
لكن هناك وجهة نظر اخرى مغايرة عبر عنها مفسر اخر،  هو محمد تقي النقوي في كتابه «ضياء الفرقان في تفسير القران» الصادر سنة ١٤٣٦ هجرية، حيث يرى ان هذا الربط لا ضرورة له، حيث لا ملازمة بين الايتين. 
فالاية الاولى تتحدث فعلا عن بعثة انبياء في مرحلة الوحدة، لكن  الاية الاخرى تتحدث عن مرحلتين في تاريخ البشرية وهما مرحلة الوحدة ومرحلة الاختلاف. 
الاية الاولى تقول انه حينما كان الناس امة واحدة بعث الله الانبياء. 
والاية الثانية تقول ان الناس كانوا امة واحدة فاختلفوا. ولا تربط الاية بين اختلاف الناس وبعثة الأنبياء. وقال ان الفاء في قوله تعالى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ» «لا تفيد التأخير» «ولا دلالة منها على وجود الناس قبل الحجة»، اي قبل بعثة الانبياء. ورأى ان الاية المبحوثة تدل على «اتصال البعثة بالناس ولازم ذلك انه لم يكن زمان خاليا عن الحجة»، اي الانبياء، «وعلى هذا يكون وجود الناس بمنزلة الاصل والحجة بمنزلة الفرع ولا يلزم الفصل» بمعنى «ان وجود الناس ملازم لوجود النبي المبعوث اليهم اتماما للحجة». (ج ٢ ص ٣٨٧). ولازم هذا الكلام وجود عدد من الانبياء اكثر مما ورد ذكرهم في القران. وهذا رأي صحيح يشير اليه القران بقوله: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ». (غافر 78)
 وهذا الرأي مطابق للقواعد العقائدية الاسلامية من ذلك ما روي عن عليّ(عليه السلام)، قال: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً, أو خائفاً مغموراً, لئلا تبطل حجج الله وبيّناته). 
ومعه فالقول بأنّ ((الأرض قد خلت في بعض من الأوقات من حجّة)) باطل؛ لأنّه خلاف الضرورة والأخبار المتواترة. 
وعليه، فالثابت قرانيا ثلاثة امور هي:
اولا، ان الناس كانوا، في زمان ما ومكان ما،  امة واحدة. ولربما لم يكن عدد افراد هذه الامة الواحدة في حينه كبيرا. 
ثانيا، ان ظهور الانبياء كان مصاحبا لظهور «الامة الانسانية الواحدة» وملازما لها. فلم تخلو جماعة بشرية من نبي بين ظهرانيها.
ثالثا، ان الاختلاف في الالسن والالوان ظهر بعد ذلك بزمن. «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ» (الروم 22)
اما اين سكنت هذه الامة الواحدة فهذا امر لا يتحدث عنه القران الكريم، انما متروك للعلم للبحث فيه. والمبدأ ان اقدم جماعة بشرية يعثر عليها العلم ستكون هي الناس المشار اليهم بانهم كانوا «امة واحدة»، وقد تكون هذه الجماعة البشرية في افريقيا او الشرق الاوسط او غيرهما من مناطق العالم. 
ومتى وجدت هذه «الامة الواحدة» فامر لا يعني القران الكريم انما على العلم ان يبت فيه. ولسنا ملزمين بما تذكره التوراة من تواريخ وازمنة، فلسنا نعلم ماهو الالهي من نصوص ومعلومات التوراة وما هو بشري، ولا ماهو مذكور في الالواح السومرية الا ما اثبته العلم. فالثابت ايضا ان يد التحريف البشرية طالت التوراة الاصلية في كثير او قليل. الامر الملزم الوحيد في هذه الامور التفصيلية هو ما يثبته العلم. والقران لم يتعرض اصلا للامور التفصيلية من زمان ومكان. 

التعليقات معطلة