عبد الهادي الدراجي
كمال العارف هو أن يتبرّأ من المال والمنال ، وإذا أردت أن تفديه بكلّ ما في هذه الدُّنيا والآخرة من أجل أن تكتسب صداقته ، كان هذا الأمر أقلّ ما يمكن أن تفعله تجاهه  ( ابو يزيد البسطامي ) : 
تأملت اليوم كثيراً حينما حصل نقاش معي حول السياسة والدين وهل ان ماهو ديني يمكن ان يتداخل ويؤثر سياسيا بحسب الوصف التعريفي لما هو ( دين ) آخذاً بنظر الأعتبار ان ماهو سياسي لانقاش فيه اذا تم حسابه على ان السياسية هي : علاقة الحاكم بالمحكوم لتنظيم امورهم داخلياً وخارجياً ، هنا تتأكد أحقية المجتمعات الدينية بالمشاركة الفاعلة في هذا التنظيم والمساهمة فيه. 
غرضي من هذه المقدمة والتي سبقها نقاش معرفي في منهج السير والسلوك العرفاني في دائرة الإسلام وهل أن هذا السير المعرفي يمكن ان يكون عامل من عوامل الدفع بأتجاه تشذيب وترتيب الوضع السياسي بحيث أنك تُحسن أدارة ملكك للشيء لا ان يملكك الشيء فتكون أسير نزواتك وشهواتك واستبدادك  !!! تكشف لنا السيرة العلوية اهمية العرفان في بعده السياسي وانه عامل من عوامل التغذية الأخلاقية لكل ماهو سياسي وحاكم فعن ابن عباس قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟،فقلت: لا قيمة لها، فقال (عليه السلام): لهي أحب إليَّ من إمرتكم إلا أقيم بها حقاً أو أدفع بها باطلاً. 
في اشارة واضحة لمدخلية العامل العرفاني كموجه ومربي لتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم ، ففي التقعيد المعرفي يُنظر الى هذا التأسيس العلوي على أنه بيان لأهمية الدين في بعده السياسي الحاكم بشرط أقامة العدل وأحقاقه ، بمعنى « « إن مجتمعا يطمح الى عدالة اجتماعية نموذجية سيسعى دون هوادة الى أعادة النظر في قوانينه ومؤسساته العمومية حتى تساهم احسن مساهمة ممكنة في إقامة نظام تعاون اجتماعي منصف « على عبارة جون رولز. وهنا تبدوا لنا ان القيمة الأخلاقية ( للعرفان ) في بعده السياسي قيمة كبيرة وذات نسق عالي في التشذيب للنفس السياسية دون الولوج الى مشتهيات وملتهيات الحكم ، فعن صادق أهل البيت عليه السلام مانصه  : الزهد مفتاح باب الآخرة، والبراءة من النار، وهو تركك كل شئ يشغلك عن الله، من غير تأسف على فوتها، ولا اعجاب في تركها، ولا انتظار فرج منها، ولا طلب محمدة عليها، ولا عوض منها، بل ترى فوتها راحة وكونها آفة، وتكون أبدا هاربا من الآفة، معتصما بالراحة ). هنا وهنا فقط ينبغي الأخذ بالعوامل الذوقية والمعرفية في نفس السياسي وإن كان منشغلاً بما فيها < مكاسبها ، تنافسها ، ادراتها ، اموالها ، مصالحها ، آفاتها الفردية والمجتمعية ، مشتهايتها ملذاتها ، وهكذا كل ذلك يمكن كبح جماحه بتشذيب النفس وتنقيتها في بعدها العرفاني وزهدها النفسي الذي يكفل نجاح المتصدي للإنشغال بأمور الناس والعيش معهم وفيهم وبينهم كما كان يفعل السلف الصالح حينما حكموا والزموا انفسهم بأشد الالتزامات خوفاً من الله وعدالةً مع الناس والمجتمع يقول علي عليه السلام ( والله، لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك؟! فقلت: اغرب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى ).

التعليقات معطلة