محمد عبد الجبار الشبوط
(2)
الدولة في الاسلام
وعند الحديث عن الدولة في الاسلام يجب ان نلاحظ ان الاسلام (واعني تحديدا القران و ماثبت سندا ومتنا وعقلا وعلما من احاديث المعصومين) وبخاصة القران لم يستخدم مصطلح الدولة الاسلامية ولم يدعُ الى اقامتها بهذا المصطلح، ولم يتعرض لهذه التفاصيل.  وان كان دعا الى اقامة الدين، كما في قوله تعالى:»أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ». (الشورى ١٣). واقامة الدين تعني تطبيق كل ما يعتبر من الدين وفي هذا تدخل امور، لكن تخرج منه امور ايضا. فما لا يعتبر من الدين بدلالة معتمدة لا يدخل في هذا الامر بطبيعة الحال. 
كما استخدم مصطلح «التمكين» كما في قوله تعالى:»الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ * وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ». (الحج 41)
وتفريعا على ذلك نقول ايضا ان القران لم يتحدث عن «شكل الدولة»، بالمعنى الذي ذكرناه قبل قليل، ولم يتطرق الى التوصيفات الايديولوجية والسياسية التي نعرفها الان. 
ولم يرد مصطلح الدولة او الدولة الاسلامية في «صحيفة المدينة» التي كتبها الرسول عند وصوله الى يثرب، رغم انها ثبتت واقرت سلطة الرسول في المدينة باعتباره حاكمها الاعلى كما ورد فيه:»وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.» وهذا النص يتوافق مع قاعدة دستورية ثبتها القران الكريم في العديد من اياته مثل قوله:»وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ * وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ* وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا.» (النساء 83). كما تردد الامر باطاعة الله ورسوله كثيرا في الايات القرانية الكريمة مثل قوله تعالى: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ * فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ * وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا * وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ». (النور 54)  وجعل القران طاعة الرسول دليل الايمان وشرطه: «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.» (النساء 65). لكن التطور السياسي للعرب، والذي تزامن مع بعثة النبي محمد ونزول القران، والذي حقق لهم «سلطان محمد» كما قال احد الصحابة، والسلطان يقتضي وجود السلطنة، اي الدولة حتى وان بمقاييس ذلك الزمان، جعل من البديهي ان يحافظ المسلمون على «سلطان محمد» اي دولته، بعد وفاته، وان كانوا اختلفوا عمن يتولى «الامر» اي الحكم من بعده، فانقسموا بشكل اساسي الى قسمين اعتقد الاول منهما باحقية الامام علي، فيما قبل الاخرون بترتيب الخلفاء الراشدين الاربعة (او الخمسة). ومن الضروري ان نلاحظ هنا ان الشخص الذي كان يعتقد باولويته في تولي الحكم، عنيت الامام علي عليه السلام، جعل من استمرار الدولة  وبقائها ومصلحتها هدفه الاول وتعايش مع فترة تولي غيره الحكم، رغم شعوره بالاسى لابعاده عن حقه، كما يرى، وقال كلمته المشهورة حينما عزموا على بيعة عثمان:»لقد علمتم أنى أحق بها من غيري، ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا على خاصة، التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه.»(شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ٦ – الصفحة ١٦٦) وكان قبل ذلك قال لعمر حين استشاره بالخروج لغزو الروم:»إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ ، فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ ، لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ . لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْه ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِحْرَباً ، واحْفِزْ مَعَه أَهْلَ الْبَلَاءِ والنَّصِيحَةِ ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّه فَذَاكَ مَا تُحِبُّ ، وإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى ، كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ ومَثَابَةً لِلْمُسْلِمين».(نهج البلاغة، الخطبة ١٣٤)، وكذلك ما قال له وقد استشاره في الخروج لقتال الفرس:»ومَكَانُ الْقَيِّمِ بِالأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُه ويَضُمُّه : فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وذَهَبَ ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِه أَبَداً . والْعَرَبُ الْيَوْمَ ، وإِنْ كَانُوا قَلِيلًا ، فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالإِسْلَامِ ، عَزِيزُونَ بِالِاجْتِمَاعِ ! فَكُنْ قُطْباً ، واسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ ، وأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِه الأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وأَقْطَارِهَا ، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ . إِنَّ الأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا : هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوه اسْتَرَحْتُمْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ وطَمَعِهِمْ فِيكَ». (نهج البلاغة، الخطبة ١٤٦).
وحين واصل المسلمون دولتهم على امتداد دولة الرسول في المدينة لاحظوا متغيرات الزمان والمكان واجروا طبقا لذلك التغييرات التي تتطلبها تلك المتغيرات، بما في ذلك اتساع الرقعة الجغرافية وزيادة عددة نفوسها وتعاظم مواردها المالية. ومع ان «الدولة الاسلامية» او «دولة المسلمين» ظلت تطبق الشريعة الاسلامية من حيث المبدأ الا ان ذلك لم يمنع من انحراف النظام السياسي على يد  معاوية بن ابي سفيان عن المبادئ الاساسية التي جاء بها القران مثل استخلاف الانسان والشورى والعدل وغير ذلك،  وحول الخلافة الى ملك وراثي عضوض، هذا اذا أغضضنا النظر عن ملاحظات الامام علي الاساسية على نظام الحكم. 
الاسس القيمية للدولة لم يحدد القران  شكل الدولة، ونظامها السياسي، لان الدولة شأن بشري، دنيوي، وليس شأنا دينيا الهيا، بمعنى ان القران اباح للمسلمين اقامة دولتهم، دولة المسلمين، وترك لهم حرية التصرف في شكلها، ونظامها، وحكومتها وغير ذلك من التفاصيل المتعلقة بنظم الامر. لكنه في مقابل ذلك تحدث باسهاب عن الاسس والمبادئ التي يجب على المسلمين الاخذ بها ومراعاتها في الحكم والادارة. ولا نجد هذه الاسس والتعاليم في القران وحده، انما نجدها ايضا في احاديث الرسول وائمة مختلف المذاهب، وبخاصة ما كتبه الامام على مثل عهده الى مالك الاشتر. 

التعليقات معطلة