الدكتور ليث شبر
كتبتُ منذ أكثر من عقد أن النفط قد يحمينا لعشر سنوات، لكنه لن يمنحنا مستقبلًا. كنتُ أرى بوضوح أن العالم يتغير بسرعة، وأن التكنولوجيا صارت هي الثروة الحقيقية التي تُحدد مصائر الدول. وها نحن اليوم نرى شركات مثل آبل ومايكروسوفت وأمازون وغوغل وقد تجاوزت ميزانياتها موازنات دول نفطية كاملة، بينها العراق. آبل وحدها تُحقق أكثر من 385 مليار دولار سنويًا، وأمازون 575 مليارًا، ومايكروسوفت 245 مليارًا، وغوغل 307 مليارات، بينما العراق بموازنته لا يتعدى 152 مليارًا، يذهب أغلبها للرواتب والاستهلاك.
هذا الواقع يُثبت أن الفارق لم يعد في حجم الاحتياطيات النفطية، بل في حجم العقول التي تُنتج وتبتكر. العراق لا يفتقر إلى العقول، لكنه يفتقر إلى القرار الذي يجعل التكنولوجيا قلب مشروع الدولة. نحن بحاجة إلى أن نتحول من دولة ريعية إلى دولة ذكية، من حسابات البرميل إلى حسابات الابتكار، من انتظار الريع إلى إنتاج المعرفة.
في رؤيتنا لـ الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة لا نتحدث عن مضاعفة الموازنة الحالية وحسب، بل عن قفزة تجعل موازنة العراق تصل إلى تريليون دولار سنويًا، نصفها من الإنتاج العلمي والتكنولوجي، والعراق يمتلك كل الأدوات لتجعله لاعبا رئيسيا في هذا المضمار، والنصف الآخر من النفط والزراعة والصناعة والسياحة وكل مايمكن استثماره في الدولة الذكية.
هذه ليست خيالات؛ بل معادلة حقيقية ممكنة إذا أُعيد توجيه العقل العراقي ليكون جسرًا نحو المستقبل لا عبئًا يثقل الحاضر.
التكنولوجيا ليست قطاعًا يُضاف على الهامش، بل هي الوعاء الذي يُعيد تشكيل كل القطاعات: من الطاقة إلى التعليم، من الزراعة إلى الإدارة. وإذا لم نضعها في قلب مشروع الدولة اليوم، فإن العقود المقبلة ستفاجئنا بصدمة تُطيح بما تبقى من استقرارنا.
لقد كتبنا هذا المشروع منذ سنوات ونقوم بتحديثه دائما، لأننا نعرف أن الزمن لا ينتظر المترددين. الخيار أمام العراق واضح: إما أن يكون لاعبًا في المستقبل، أو أن يظل عالقًا في ماضٍ يستهلك نفسه حتى آخر برميل.