محمد قاسم
في زحمة الحياة، حيث تختلط الأوجاع بالآمال، ويصبح الإنسان في سباق مع الزمن بحثًا عن راحة تسكن روحه أو يد تمتد إليه بالشفاء، نادرًا ما نلتقي بمن يجمع بين براعة اليد ودفء القلب. نادرًا ما نجد طبيبًا لا يرى في المريض مجرد حالة سريرية، بل إنسانًا بكل ما يحمل من خوف وألم. والأكثر ندرةً أن يكون هذا الطبيب صديقًا، بل رفيق درب، وأبًا روحانيًا لمجتمع بأكمله. هو الأستاذ الدكتور مخلد حميد الساعدي، ذلك الرجل الذي لم تمنعه المسؤولية الجسيمة كمدير لمستشفى الإمام علي (عليه السلام) – الجوادر – من أن يظل ذلك الإنسان القريب، السهل الجانب، الذي تلتقي عنده النخوة الطبية بالصداقة الصادقة.
إنه ابن المدينة المجاهدة، تلك المدينة التي عُرفت برحمها الوالد الذي احتضن القامات، فأنجبت من العظماء ما يفوق الحصر. إنها المدينة التي غرست فيه منذ نعومة أظفاره أن العطاء لا يُقاس بالمنصب، بل بمدى ما تتركه في قلوب الناس من أثر. والدكتور مخلد هو خيرُ شهيد على هذا الإرث العظيم. فكلما عاد من عناء يومه الطويل في أروقة المستشفى، منهكًا بعد مسيرة حافلة بالعطاء، لا يجد الوقت ليرتاح، بل يمد يده لخدمة المجتمع الذي هو جزء منه، بل هو واحد من رموزه البارزين. لا يتأخر، لا يتلكأ، لأنه يعلم أن رسالته لا تنتهي عند باب المستشفى، بل هي أسلوب حياة. لقد حجز الدكتور مخلد مقعده في مقدمة الأسطر التاريخية لهذه المدينة، ليس بفعل الصخب أو الدعاية، بل بفعل تراكمات العطاء الصامت، والمواقف التي لا تُنسى، والابتسامة التي لا تغيب عن وجهه حتى في لحظات الإرهاق. إنه من أولئك الذين إذا دخلوا إلى القلب، استوطنوه، وإذا سئل عنهم الناس، لم يجدوا في وصفه إلا كلمات الحب والاحترام. إن لقب «صديقي» الذي أطلقه عليه الناس لم يأت من فراغ. فهو ذلك الصديق الذي تستشيره في أصعب لحظات الخوف على مريض عزيز، فتطمئن لنظرة عينيه الحكيمتين. هو الصديق الذي تثق بحكمته قبل خبرته الطبية. هو الرمز الذي يجمع شمل المجتمع، ويشعره بأن هناك من يحمل همومه بكل أمانة.
في زمن قل فيه الإخلاص، وندر فيه من يضع الإنسان فوق كل اعتبار، يبقى الأستاذ الدكتور مخلد حميد الساعدي نموذجًا مشرفًا للطبيب الإنسان، وللصديق الوفي، وللرمز الذي يُحتذى به. فطوبى لمدينة أنجبت مثله، وطوبى لمجتمع يظلله بعطائه.
دمتَ لنا طبيبًا، وصديقًا، واخ طيب القلب