هذه ليبيا وهذه خرائبها. من يتجول فيها اليوم سيشاهد آثار التخريب بأم عينه، ويشاهد ما فعلته العبقرية العربية المتخصصة في هندسة التدمير والتفجير والنسف والخسف والعنف. فإذا كانت نسبة الأراضي المتصحرة فيها بحدود 95% تقريباً، فقد اقتربت الآن من 100%.
رحل القذافي عام 2011، وتوجهت أنظار الشعب نحو العيش في واحات الأمن والأمان، ونحو إرساء قواعد العدل والإنصاف، والتحرر التام من تراكمات الماضي، فإذا البلاد تنزلق نحو الهاوية وتدخل في مواجهات دامية لا نهاية لها، وإذا الناس حيارى في دوامات الأزمات والاضطرابات والاشتباكات اليومية المقلقة. بدت ليبيا بعد أربعة أعوام غارقة في الفوضى، ومهددة أكثر من أي وقت مضى بالانهيار الشامل، ففي ظل جمود العملية السياسية، وظهور عشرات المليشيات المتناحرة مع بعضها البعض وسط تنامي الفكر التكفيري المتطرف. فقدت الدولة هيبتها، وتعمقت الخلافات المزمنة بين شرق البلاد وغربها، وتقطعت الروابط بالمناطق الجنوبية، في الوقت الذي ضعفت فيه المؤسسة العسكرية، وأصبحت أسيرة الصراع القائم بين الميليشيات، وبات الجيش منشغلا بالتوتر بين الجزء الشرقي والغربي من البلاد ما يكلفه الكثير من الطاقة والجهد. أما الوظائف الأخرى للدولة، مثل التعليم وتوفير الخدمات الصحية فهي مهملة بشكل كبير. ونظرا للتطور الراهن في ليبيا فلا يمكن تحميل الظروف الخارجية مسؤولية التطورات في البلاد، على الأقل حاليا، فالليبيون يدمرون بلدهم الآن بمعاول المليشيات المصنوعة في قطر. قال لهم أمير قطر: (لا تسلموا السلاح حتى تطمئنوا على ثورتكم). كان الأمير القطري واثقاً من ولاء تلك المليشيات المسلحة للدوحة أكثر من ولائها لبلدها، وواثقاً من قدرة الحملات الإعلامية المكثفة لشبكة الجزيرة على تحويل أولئك الثوار إلى فئران مذعورة، وكائنات تخريبية مشفرة بأوهام الثورة المضادة. قال لهم أمير الخطر (القطر): أن عودة استقرار البلاد والسلام سيقتلهم. ومنذ ذلك الحين- ورغم الإعلان عن انتهاء الحرب- و(الثوار) يتأبطون سلاحهم ويطاردون شبح الطمأنينة، ولم يترددوا في تهجير مدن وقرى بأسرها، واجتياح مدن وقرى أخرى، وفرض قوانين العزل والإقصاء ولجان للنزاهة، واعتقال عشرات الآلاف من المواطنين، واغتيال النشطاء والحقوقيين وضباط وأفراد الجيش والشرطة، وإحراق المطارات وتدميرها، وتعطيل الصادرات النفطية، وحرق خزانات الوقود والموانئ، ولازالت حروب المليشيات الليبية المذعورة مستمرة من دون توقف. لا يهم مدى دقة وواقعية نظرية المؤامرة، ولكن المؤكد أنه ليس هناك بشر أسوياء يمكن أن يفعلوا ما يفعله الليبيون بوطنهم وأهلهم. وأن هؤلاء المتحاربون بالفعل يعانون من تشوهات عقلية مزمنة لن تفتك بهم وحدهم بل بليبيا بأسرها. ومن المؤسف أن يدرك الليبيون أنهم وبلدهم هم مجرد ضحايا لمليشيات تكفيرية مسلحة.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين