مرض غريب

لا يمر يوم من دون أن تقرأ خبرا عن إنجاز عشرات المشاريع، أو وضع حجر الأساس لمئات المشاريع أو التعاقد على آلاف المشاريع. ومع أن هذه الأخبار مما يحدث عنها المسؤولون وتنقلها الجرايد ووسائل الإعلام، إلا أنها والحق يقال، موضع سعادة للمواطن، فهي توفر فرص عامل للعاطلين وتحل أزمة السكن، وتنهض بالزراعة، والصناعة، والتربية، والثقافة، والخدمات، والحياة المعاشية، غير أن الشهور والأعوام تنصرم، والبلد الذي خربته المصالح السياسية والدكتاتورية والحروب والعنتريات التي ما قلت ذبابة على ما هو عليه، طفل يحبو فنحن أرض السواء والنخيل والأنهار والعلماء والمفكرين والحضارة ما زلنا نستورد قلم الرصاص والدشداشة واليشماغ والموطا والجزر المسلفن، ندفع كل عام ميلادي أطنان الدولارات الصعبة على استيراداتنا التي وصلت حتى إلى الجاجيك والمكحلة ولا نقبض درهما واحدا من صادراتنا لأنه باستثناء النفط – ليس لدينا ما نصدره إلى الخارج غير الشفافية والديمقراطية والفدرالية والحكومات المحلية والأصابع البنفسجية.

ومثل هذه البضائع لا يسأل عنها أحد خارج البلاد ولا يقبلها ولذلك بقيت مكدسة في مخازننا المبردة!

غريب هذا المرض الذي أصاب العراق وجعله يشتري عبوات الماء من الدول الصحراوية، هل هو مرض عضوي ونستأصله بعملية جراحية أو جرثومي فنعالجه بالأمصال والمضادات ؟!

هل هو مرض نفسي ونحيله إلى مستشفى الأمراض النفسية ونكتشف العقدة ونجد الحل؟ هل أصابتنا عين حسود لم يصل على النبي؛ فنقرأ المعوذتين ونزور مراقد الصالحين وأضرحة الأولياء ونتداوى بأدعية الدراويش والسادة والشيوخ؟!.

لا أحد يعرف العلة أو يشخصها، ظاهر أمرنا وحالنا يقول إننا بخير وصحة وعافية لا نعاني من التايفوئيد، ولا الزهايمر، ولا الحمى القلاعية، ولا أنفلونزا الطيور، أو الخنازير، ولا الشيخوخة، ولا الخرف، ولا الهذيان.

أما في الباطن فحالنا يرثى لها، معدمون مسحوقون متخلفون مظلومون، عندما كانت حدودنا موصدة بسبب الحصار والبند السابع، وحين انتهى الحصار، وولت أيامه السود تفتحت حدودنا على مصاريعها، حتى أصبحنا من غير حدود، نستقبل وفود الإرهاب، وأصابع الديناميت، وأتباع الزرقاوي، والبطالة، والرشوة، والفساد على حد سواء.

أما وقد أصبحت مشكلتنا مستعصية ولم يوفق طبيب ولا مختبر إلى معرفة الداء، فلم يبق أمام الجميع، علماء، وجهلاء سياسيين، وأميين إلا الإيمان بان (الجن) الصالح.

استقر في رؤوسنا وسكن أجسامنا ولا سبيل إلى الخلاص منه وطرده إلا بالعين الحمراء والضرب بالعصا الغليظة حتى أصبح اليوم الذي يمر علينا من دون عبوة او مداهمة او تصريح او لاصقة أو تهديد، غريبا على أيامنا المتشابهة كأسنان المشط ومع ذلك لم يخرج ابن الطالح كما لو كان واحدا من أهل الدار!!.