المستقبل العراقي / حليم الاعرجي
لا احد في وسعه ان ينكر حقيقة أن جذور ما يسمى بـ “الإرهاب العالمي المعاصر” ظهرت ونمت في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين السوفيتي والأميركي، حين قامت الولايات المتحدة الأميركية بدعم “المجاهدين الأفغان” ذوي الأصول الوهابية ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان وبالتأكيد فان بعض فصائل هؤلاء “المجاهدين” التي كانت مدعومة بالولايات المتحدّة الأميركية أصبحت لاحقا أدوات تم تدريبها وتمويلها من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لتصبح ضمن شبكة أسامة بن لادن وهذه حقائق ثابتة، لا سبيل لإنكارها او عدم الاعتراف بها وقد استمرت العلاقة بين المخابرات الأميركية وهذه الفصائل، حتى بعد ان تدخلت الولايات المتحدة الأميركية مباشرة في احداث أفغانستان وأطاحت بحكومة طالبان لتؤسس وضعا بلغة الغموض ويخضع لصناعة الفوضى الخلاقة ولتتسع دائرته بحيث تشمل باكستان ومناطق أخرى في العالم وهنا لابد من ان نتساءل: ترى هل بدات فلسفة الحرب على الارهاب وكينونتها ، مع الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ام ان له بداية اخرى وضعت ما حصل في أفغانستان في صياغة فكرية تنظيمية وفي اطار محدد ووفق آليات عملية تنفذه على الأرض..؟
البعض يحاول ان يثبت تاريخ البدء بشن الحرب على الارهاب على خلفية ما حدث في أيلول سبتمبر 2001 في حين أن الواقع يقول إن الحرب علـــى الإرهاب وتوفير أرضيتها الفكرية ومنطلقاتها السياسية وآفـــاق اهدافها المرحلية والستراتيجية ، بدأت قبل احداث أيلول باثني عشر عاما … اي منذ عام 1990 حيث كان العالم يشهد انحلال وتداعي الكتلة الشرقية وظهور بوادر السقوط السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة في تلك الظروف الغامضة ووسط تلك التحولات المخيفة اجتمعت نخبة من الناشطين في مجال دعم اسرائيل واحلال السلام وانهاء الصراع العربي الاسرائيلي ينتمون الى عدة دول اوروبية وأميركية واسترالية وآسيوية وافريقية في مؤتمر عالمي عقد في القدس في فلسطين المحتلة لدراسة “الارهاب في العالم” وكيفية مواجهة هذا الارهاب ومحاولة وضع تعريف شامل وواضح لكلمة إرهاب والافعال او الحوادث او الوقائع التي توصف بـ”الإرهاب” وعرف المؤتمر فيما بعد بـ”مؤتمر القدس” حول الإرهاب العالمي.
واذا اردنا ان نفهم طبيعة هذا المؤتمر وغاياته ونواياه ومراميه فلابد من ان نعرف منظم هذا المؤتمر الواقف خلفه والداعي إليه.
كانت فكرة المؤتمر قد طرحت من قبل بنيامين نتيناهو الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء الإسرائيلي ويلعب الآن دورا كبيرا من خلال موقعه كرئيس للوزراء في الوقت الحاضر في رسم مستقبل إسرائيل على الصعيد الاقليمي في قضيتي حل القضية الفلسطينية وفق مشروع الدولتين، وموضوع الملف النووي الإيراني الذي تعتقد إسرائيل انه يشكل عليها خطورة، بسبب كونه يتجاوز احد أهم الخطوط الحمراء للإستراتيجية الاسرائيلية التي تتعدى مفاهيمها الأمنية حدود إسرائيل إلى كامل الحدود الاقليمية لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها.
المهم ان فكرة نتيناهو تلقفها شقيقه الذي يحمل معهد “جونوثان نتيناهو” اسمه وكان عقيدا في الجيش الإسرائيلي وتم قتله على يد إحدى الفصائل الفلسطينية فأسس شقيقه معهدا متخصصا بالأبحاث والدراسات الإستراتيجية احياءً لذكراه وقد تبنى هذا المعهد ما وصفه بـ “الارهاب” في اشارة واضحة للمقاومة الفلسطينية على اساس انها من وجهة نظره ارهابا ، ولذلك عمل على مدى اكثر من عقدين من الزمن بالتهيئة والاعداد لاعمال تدخل في هذا الاطار وقد توجه عمله هذا بـ”المؤتمر العالمي” للإرهاب حيث قام المؤتمر من خلال توصياته بوضع الايديلوجية لما يسمى ” الحرب على الارهاب ” ثم قام بتأسيس منظمة وجعل مقرها في روسيا لمحاربة الارهاب وتوفير الدعم المالي واللوجستي لها.
لقد شكل ذلك حافزا قويا للبروفسور فيليب بول من جامعة سان فرانسيسكو الاميركية لاعداد دراسة مفصلة مدعومة بالوثائق عن حركة الإرهاب العالمي للفترة من 1968 ـ 1978 وقد لاقت هذه الدراسة إعجابا وقبولا من قبل الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ولعبت الدراسة دورا كبيرا في اعادة النظر بالخطط الأميركية، بتجديد قواعدها وحيثياتها، واسسها وارستها على نوع معين من الشرعية السياسية.
لقـــد تضافرت النتائج المتحققة من المؤتمــر العالمي للارهاب الذي عقـــد في القــدس مــع دراسة البروفيسور فيليب بول، لتوجد أسسا جديدة في السياسة الاميركية في اطار العمل ضد الارهاب وكان ابرز تلك الاسس واشدها اثارة تبني الولايات المتحدة الأميركية أسلوب إقامة العلاقات المباشرة مع الحركات والتيارات المتطرفة في العالم، وتوثيق العلاقات المباشرة مع الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية… حتى وصل الامر درجة قيام تحالفات تنطوي على قدر كبير من التعاون المباشر وغير المباشر في أجواء شهدت نشاطات غير محدودة لوكالة المخابرات الأميركية CIA لإيجاد أسس وقواعد التعاون في إطار من السرية وكان من بواكير هذه الجهود إيجاد “جيش” من ” المجاهدين”.
لقد حلت عبارة ” الارهاب ” على نطاق واسع منذ ان جرى استخدامها من قبل مؤتمر الإرهاب العالمي محل عبارة “العنف” قد اشتد الحوار والنقاش على هذا التوصيف الذي ظل عاما بعيدا عن التحديد حيث كان انصار توصيف العنف يؤكدون ان لهذا التوصيف عمقا تاريخيا في حياة البشر وقد استخدم للاشارة الى الاعمال المجردة من قيم الرأفة والرحمة والانسانية وهو توصيف ينطبق على الفعل شكلا وموضوعا اما ” الارهاب ” فلا يتحقق ذلك التطابق بين المضمون والتوصيف اذ ليس شرطا ان يكون الارهاب مقترنا بالعمل الفعلي، فقد ترهب إنسانا وتخيفه بالتهديد والتلويح وبهذا المعنى يصبح الإرهاب “تخويفا”.
لقد كانت د وافع المؤتمر بالتمسك بهذا التوصيف معروفة رغم انه لم يتطرق اليها بالتصريح او التلميح فهو اراد ان يوصف العمل الفدائي الفلسطيني حصرا بوصف يستمده من القرآن الكريم وكان كل شيء يوحي بان هناك مخاضا اسرائيليا اميركيا ليس طبيعيا ويراد له ان يلعب دورا بارزا ومؤثرا على المستوى العالمي في كبح جماح المسلمين العرب وغير العرب الذين بدءوا يتحركون على مختلف المستويات باستخدام النفط وأمور ستراتيجية أخرى في التأثير على الرأي العام العالمي، حيث كان لهم مكان الصدارة في حركة عدم الانحياز مجموعة الـ” 77 ” والوحدة الافريقية وفي اميركا اللاتينية وفي آسيا ويملكون صنع القرار في منظمة الاوبك ولديهم منظمة خاصة بهم تعني بشؤون التنسيق والمشاريع المشتركة وهي منظمة “اوابك” وكان بهم التأثير الفعال في المنظمة الدولية وصدور قرار الجمعية للأمم المتحدة بإدانة إسرائيل بجريمة “العنصرية” كان انتصارا باهرا للقضية الفلسطينية فكان لابد من رد يسقط كل ذلك ويظهر الطرف الآخر ” ارهابيا ” ليست له قضية عادلة ، ليس له موقف انساني وكان لهم ما ارادوا … اذا وجدوا العينات التي تستجيب لهم وتجسد ما ارادوه برداء اسلامي كاذب .
لقد حل ” الخطر الاسلامي ” محل ” الخطر الشيوعي ” واذا كانت اسرائيل واميركا قد فسرا معنى “الخطر الشيوعي” بالتحليل والنقاش والاستناد على المعطيات القائمة على الارض فأنهما كانا عاجزين عن فعل ذلك مع ما وصفاه بـ “الخطر الاسلامي” وكان لابد من ان يستندا على معطيات واقعية قائمة على الأرض من هنا جاء دور الاسلمة فكرا وسلوكا وبالاعتماد على ” تفكير” الآخر ومعاقبته بالقتل عن طريق الذبح “الحلال”.
وبحسب ما يذكره الدكتور نور علي الاكاديمي والسياسي الباكستاني، باشرت واشنطن باتخاذ خطوات فعالة وعملية في هذا المجال لاستثمار الغزو السوفيتي لأفغانستان بالسعي إلى تنظيم الكثير من الراغبين بالجهاد ضد السوفيت وربطهم بوكالة المخابرات الأميركية من حيث النقاط التالية:
1 ـ التمويل وتتكفل به الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص والسعودية كعامل مساعد تحول فيما بعد إلى ممول أساسي ووحيد.
2 ـ التدريب والتأهيل اللوجستي والايديلوجي والتركيز على قاعدة “التكفير ” وان لا حياة ولا وجود للكافر وان قاتل الكافر في الجنة ويشارك الرسول محمد “ص” في أكله وصحبته ..
لقد تجاوزت الولايات المتحدة الاميركية كل التصورات والتوقعات في استغلال الشعور الديني السائد لدى الشعب الافغاني بشكل خاص والشباب المسلم في باقي الدول الإسلامية وبشكل محدد في السعودية ومصر وشمال افريقيا وتوظيف كل ذلك في خلق مقاومة للنظام الشيوعي الكافر وبادرت أميركا الى طبع كتيب صغير باللغة الأفغانية يشرح مضامين وأهمية الجهاد في الإسلام بلغة بسيطة.
كان اسامة بن لادن احد اهم الشخصيات المحورية في هذه العملية وهو أسامة ابن الشيخ محمد بن لادن، مؤسس إمبراطورية المقاولات والانشاءات التي سيطرت على معظم المشاريع في السعودية بدعم حكومي مثل: شبكات الطرق والمطارات وقد انتقل نشاطه في المقاولات إلى الاردن والكويت والامارات وغيرها .. وكان يتمتع بصداقات وعلاقات عائلية وطيدة مع عائلات أميركية كبرى كعائلة بوش الأب والابن.. وكان على علاقة حميمة بهنري كيسنجر وشخصيات أميركية كثيرة.
كان الشيخ أسامة من غلاة الوهابية دينا ولذا كان مقربا جدا من العائلة المالكة في السعودية وقد دخل عالم “الجهاد” بدفع وتأييد وتحريض من صديقه بوش الابن.لقد بدأت قرارات وتوصيات مؤتمر “الإرهاب” العالمي في القدس يؤتي ثماره فقد بدأت عمليات “غسل الدماغ” تتواصل في باكستان وافغانستان والسعودية وأخذت النجاحات التي حققها “المجاهدون” ضد السوفيت تصغي عليهم هالة من الفخر الممزوج بـ ” ثقة ” بالنفس تتعزز كل يوم وبدا الاعلام الاميركي والغربي والاسرائيلي يخلق من ذلك اساطير ماطرة بـ “مخاوف” يفصح عنها هنا او هناك إلى أن رفع الغطاء عما يجري في الخفاء عند إنهاء الاحتلال السوفيتي وانبثق نظام طالبان بتشجيع وتأييد اميركي “مقصود”.
لقد كانت الرؤية المحددة للإستراتيجية التي حددها المؤتمر، هي العمل على ايجاد مصادر التهديد والخطر من خلال خلق بؤر تفرز ظواهر مظاهر يمكن استثمارها في الترويج للحرب على الإرهاب منها:
1 ـ استغلال العمليات التي تستهدف الطائرات وامن النقل الجوي بالخطف او الإسقاط او التفجير.
2 ـ استغلال عمليات احتجاز المدنيين وخصوصا في المدارس والمعاهد العلمية والتربوية .
3 ـ استغلال عمليات استخدام اساليب واسلحة ووسائل الدمار الشامل.
4 ـ استغلال عمليات التفخيخ والذبح ضد المدنيين وجاءت في أسس هذه الستراتيجية تأكيدات بضرورة ان تستخدم كافة الوسائل الإعلامية لتسليط الضوء على هذه الممارسات لزيادة كراهية الناس لها ورفضهم التعاطي او التعاطف مع مرتكبيها بصرف النظر عن المستهدف… والآن من هم مهندسو ومنظمو ومعدو هذا المؤتمر ولماذا اجرى التعتيم عليه وطمس معالمه؟.
حسب وثائق فيليب بول ، فان الحاضرين يفصحون بوضوح عن اهمية ومكانة هذا المؤتمر الذي مهد الطريق لإعلان اميركا “الحرب على الارهاب” وهم :
1 ـ مناحيم بيغى رئيس منظمة اراغون ورئيس وزراء لعدة دورات.
2 ـ بنزيون نتنياهو بروفسور في جامعة كورنيل.
3 – شيمون بيريز زعيم حزب العمل الاسرائيلي.
4 ـ الجنرال حاييم هيروتز رئيس مخابرات اسرائيل في حينها .
5 ـ الواء ماييراميت رئيس مخابرات اسرائيل سابقا .
6 ـ العقيد هارون ياريف رئيس مخابرات سابقا.
7 ـ اللاوء سلومو كازيت رئيس مخابرات سابق.
8 ـ بول جونسون رئيس تحرير جريدة “نيو ستيتسمان” الاميركية.
9 ـ سيرهيو فريزر نائب عن حزب المحافظين البريطاني .
10 ـ ريتشارد باليبس بروفيسور متخصص بالشؤون الروسية ومستشارا لدى الرئيس ريغان.
11 ـ ري كلــن نائــب رئيــس وكالة المخابرات المركــــــزية الاميركية سابقا.
12 ـ اللواء جورج كيفان قائد القوة الجوية الأميركية .
13 ـ جــــــورج بــــوش ” الأب” رئيس المخابرات الأميركية سابقا ورئيس الولايات المتحدة لاحقا ووالد الرئيـــس الســابق جورج بوش الابن.وهنا نتساءل .. ترى كيف تغير التوجه في التثقيف والإعداد النفسي من مجاهدة الكفار السوفيت الى “مجاهدة” الكفار الأميركيين وكانت البداية أحداث أيلول “سبتمبر” وهذا ما سنتحدث عنه في حلقة جديدة من هذا الموضوع.