“بين الحق والباطل أربعة أصابع”..
الإمام علي “عليه السلام”
العراق الخارج من ظلام مرحلة قصصها وأحداثها لا تصدق انتهت باحتلال لا يصدق, وشعب يخرج من أتون تجارب تستهدف منظومة القيم هو شعب يمكن أن تتوقع له كل ما لا يخطر على بال, ويمكن أن يكون حقلا للدراسات النفسية والاجتماعية ولمختلف المدارس البحثية التي تجد في مثل الحالة العراقية مادة دسمة للدراسة والتحليل وجمع العينات التي سيكون من نماذجها شباب ولدوا في السجون وآباؤهم شهداء, وآخرون اتخذوا لأنفسهم حفرا وطوامير اختيارية اختبأوا فيها عشرات السنين من دون سجان، تفاديا للوقوع في مقاصل الإعدام, أو حفلات الموت الجماعي، فيما عرف بالمقابر الجماعية التي ما يزال البعض من فرط سذاجته ولؤمه تنطلي عليه أكذوبة قتل الإيرانيين, مثلما ما يزال للأكذوبة رواد يستعذبون الكذب كما يستعذبه الشعر (أكذبه أعذبه)، وحديث السجناء والسجينات التي يراد لها أن تكون شعارا تمويهيا لمن جمعوا في احتجاجات تحركها ضغائن يحن لها صاحب الإثم كما يحن مدمن الخمرة لساقيها على قول الشاعر:
إذا ما مت فادفني إلى أصل كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فأنني
أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
يا أهل العراق ويا أحرار العالم (سجناء وسجينات)، مفتعلو الاحتجاجات هم “الإرهابيون والإرهابيات التكفيريون” الذين احترفوا أغرب وأقذر مهنة في تاريخ الإجرام, ذلك هو قتل الأبرياء ذبحا بالسكين أو بالمنشار الكهربائي, أو حرقا بالنار, أو رميا في الأنهار والبحيرات، ما أزعج أسماكها, أو رميا من شاهق أو تعذيبا حتى الموت مع صيحات “الله أكبر” التي أصبحت ظاهرة صوتية مقززة فقدت معناها الذي وضعت له حيث كانت كلمة “الله أكبر” مشروعا للحياة, وتخليصا للناس من الجبابرة والطواغيت, ونشيدا للمحبة والتآخي والمساواة, وعنوانا للتواضع, حيث لا كبير إلا الله الخالق المصور السلام المؤمن المهيمن المتعال, وهؤلاء الأجلاف الجهلة حولوها إلى موت وفناء ودمار وخراب وكراهية ورعب, وأحقاد تتوارث, وأعراض تنتهك, ودماء تستباح, ومال ينهب, وأملاك تسلب, وأيتام تهمل, وأرامل ترغم, وشيوخ وعجائز لا تحترم, وكرامات تسحق, وسيادة تمحق, ونفوس بريئة تزهق.
وما حدث في الحويجة بتحريض نزق في مسجد بالفتنة أخترق وبالباطل من القول أسترق, ما جعل نفوس المغفلين تحترق فتهجم على سيطرة من أبناء الجيش العراقي على بعد مائة متر من المسجد يؤمنون الحماية للمصلين ولأبناء المدينة, ومنتسبو السيطرة هم من أبناء مدينة حويجة هجم عليهم بصورة مباغتة ما يقرب من ثلاثمائة من الحمقى قتلوا جنديا وأصابوا ضابطين وكلهم من أبناء بلدة حويجة, فكان لسان حالهم وإخوانهم من أبناء الجيش العراقي ومن أسرهم ولسان حالهم كما قال الشاعر:
قومي هم قتلوا أميم أخي.. فلئن رميت يصيبني سهمي
ولئن عفوت لأعفون جلالا
وهذا القول هو الدراية التي صرح بها قائد القوات البرية في الجيش العراقي من على بعض الفضائيات. وتبقى الأخبار الأخرى التي تناقلتها بعض الفضائيات، لاسيما تلك التي عرفت بالتحريض المستهدف لوحدة العراقيين التي انتصر لها بعض رؤساء العشائر من الانبار ونينوى وصلاح الدين وبعض الوطنيين المخلصين من أبناء هذه المدن العراقية المعروفة بأصالتها والتي حاولت المجموعات الإرهابية طمس معالم الأصالة فيها وجعلها تابعة لمجموعة ما يسمى زورا “الأمراء” الذين عرفوا بالجهل واختطاف العناوين الكبيرة من التراث دونما معرفة بمضامينها ودونما قدرة على ترجمة معانيها المرتبطة بالعبودية الخالصة لله ونبذ الجبروت والفرقة وإتباع سياسة العدل بالرعية, والإحسان لعامة الناس “لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى”.
فالرواية حول أحداث الحويجة كانت ملفقة وكاذبة, الغرض منها التحريض وزرع الفتنة التي أصبح لها سوق رائج في الاحتجاجات المفتعلة لأن أساسها على جرف هار, إن لم ينهار على أهله بالدنيا فلهم في الآخرة خزي وعذاب لما اقترفوه من كذب وافتراء, فالسجناء الذين يطالبون بهم هم إرهابيون تكفيريون قتلة حكم عليهم القضاء وكذلك السجينات هن من هذا الصنف الذي يجب أن يقام عليه القصاص “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”، فمن يرفض القصاص بحق هؤلاء إنما هو راد على الله ورسوله.
نحن لا نقول بعدم وجود مساوئ وأخطاء في طريقة التعامل مع عموم السجناء في العراق, مع وجود قضاة لا يمتلكون القدرة والاستقامة لتطبيق قضاء نزيه ومنصف, كل هذا موجود وهو من تراكمات انعدام منظومة القيم التي أريد لها أن تتآكل وقد حدث شيء من ذلك, وما بعض شرائح المتجمعين في الاحتجاجات المفتعلة إلا من ذلك الصنف الذي تآكلت لديه القيم, وهذا المستوى موجود اليوم في مختلف القطاعات منها السياسية والاجتماعية ومنها الثقافية, وإلقاء نظرة سريعة على بعض ما يكتب نكتشف بسهولة كما غير قليل ممن تآكلت عنده القيم فأصبحت الكتابة عنده مجرد تسطير كلمات وحشو معلومات متناقضة لا تخلص منها بمفهوم ولا تعثر لها على مصداق.
وهكذا الكلمات التي وجهت للمتجمعين في الحويجة تناست الدماء البريئة التي أهدرت من منتسبي الجيش العراقي ومن أبناء الحويجة نفسها, وراحت تلك الكلمات تسعر نار الفتنة, وتجعل من المعتدى عليه المظلوم جلادا ومن المعتدي الظالم الملطخة يداه بالدماء مظلوما، وهي معايير محيرة تنم عن ضياع كبير للقيم التي يتحدث بها من أراد توجيه الكلمات للمتظاهرين بدون مبرر في الحويجة. وهنا لابد أن نقول على قاعدة “أصدع بما تؤمر” لا يوجد جيش في العالم يعتدى عليه بهذه الطريقة الغوغائية ويسكت, وقد تكررت هذه الحوادث في الفلوجة وفي الموصل وفي أماكن أخرى, ومن يريد من أهل الخير والوطنية الإصلاح ورأب الفتنة، فما عليه إلا أن يقف مع الحق “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”، يعني اذا كان ظالما اردعه عن الظلم ولا تقف الى جانبه، وإن كان مظلوما قف الى جانبه, واليوم نرى أن الجيش العراقي يُظلم، وهناك من يزيف الحقائق ويقلب المعلومات حتى تضيع الحقيقة, وهناك من يتلقف هذه الأخبار من خارج الحدود ليجعل منها موضوعا للتحريض وعزل العراق بالطائفية وكراهيتها من أجل إضعافه وإعاقة مسيرته نحو الإصلاح والبناء, وإذا كنا قد تكلمنا كثيرا عن أخطاء الحكومة, فأننا نرى أن ما يصنع للعراق من مكائد خارجية وأدواتها داخلية هي أكبر وأخطر بكثير من أخطاء الحكومة. وقلنا مرات ومرات ونؤكد هنا: أن أخطاء الحكومة يمكن معالجتها والشاهد على ذلك صندوق الانتخابات, بينما مخططات الخارج وأدواته من الداخل المستسلمة لذل شهواتها وخزين أحقادها المتراكمة عبر مسيرة متضمخة بالانحراف والارتهان للخارج, لذلك على كل عراقي غيور أن يقف موقفا وطنيا واعيا مع الجيش العراقي ومع الوطن العراقي في هذه المرحلة.