فيصل الياسري 
كان هواة الكتابة شعرا ونثرا وتعليقا حتى وقت قريب يرسلون ما تجود به أقلامهم النامية إلى الصحف والمجلات، وينتظرون بتلهف لأيام وأسابيع لعلها تنشر لهم بضعة أسطر في بريد القراء، فيقتنون الصحيفة ويتباهون بما نُشر لهم فيها أمام معارفهم. وكانت مصادر المعرفة والثقافة هي الكلمة المطبوعة على الورق، وكان من المناظر المألوفة في عصر ما قبل الإنترنت أن ترى العديد من الشباب يحملون معهم كتابا غير مدرسي كدلالة على اهتمامهم الثقافي حتى وإن لم يقرأوا ذلك الكتاب الذي يحملونه معهم أينما ذهبوا. وأعرف شابا بقي يحمل كتابا معينا لأشهر وأشهر حتى اسمر غلافه من تعرق يديه، لم يفتحه إلا مرة واحدة ليضع بعض الخطوط بصورة اعتباطية وعشوائية تحت سطر هنا وسطر هناك ليثبت لمن يفتح الكتاب أنه لم يقرأه فحسب بل ودرسه بتعمق وأشار على بعض مقاطعه المهمة! وفي فترة ما قبل عصر الإنترنت كان الإنسان يتعامل مع الثقافة والمعرفة باحتكاك مباشر وتفاعلي بين المتلقي والأكاديمي والمتخصص والناقد والباحث في معادلة متطورة تمنح التعلم روحا لا تجدها في هذه الشاشة الصغيرة العجيبة التي تكاد أرنبة أنفك أن ترتطم بها وأنت تبحلق في ما يظهر عليها لساعات وساعات. لقد جاء الإنترنت ليُساوي بين الجميع، المثقف والأمي، الذكي والغبي، المتحضر والمتخلف، الموهوب والقاصر، المعلم والمتعلم، وقد يسر لهم جميعا الوصول إلى الشبكة العنكبوتية التي تربط كل سكان الكرة الأرضية، يتحاورون، ويتبادلون الأفكار، والآراء الراقية والهابطة، وينتقدون من هم أرقى منهم ومن هم أدنى منهم، من خلال مواقع تواصل إلكترونية لا يمكن تحجيمها ولا ردع من يمارس من خلالها أنشطته الفكرية والأخلاقية والمزاجية والذوقية! الإنترنت أسقط الحواجز، بين الجاهل والعالم، وألغى الكثير من حدود الاحترام واللياقة وآداب التخاطب والأمانة الفكرية والنزاهة، وفتح الأبواب مشرعة أمام السرقات الأدبية وصار من السهولة نقل فقرة أو جملة من موضوع منشور، وإلصاقها في مقال أو مداخلة يدعي كاتبها أنها من بنات أفكاره، ولا يخجل من هذه اللصوصية الموثقة.. ووصلت الوقاحة عند بعض معوقي الثقافة التجاوز على الأحياء والأموات من رواد الفكر والأدب والثقافة، ولا تستغرب من رؤية نكرة ينتقد أو يقلل من قيمة شخصيات مشهود لها بأدوارها البارزة في مجالاتها. ولقد أتاح الإنترنت عبر مواقع التواصل الاجتماعي الفرصة لمن كان يحلم بنشر سطر واحد له في جريدة لأن ينشر ما يسميه أدبا أو شعرا أو نقدا، وهو مجرد تسفيط كلام ساذج وخربشة، لينبري عدد من مدمني فيسبوك لإبداء علامات الإعجاب، وكلما زاد حجم السخف والسطحية في ما هو منشور، ازداد عدد المعجبين والمصفقين، وسرعان ما تطلق عليه الألقاب فيصبح الشاعر الكبير، والأديب الفذ، والناقد اللامع والفنان المبدع.. وتصبح لصاحبنا جوقة من المعجبين والمؤيدين قد يلتقيهم في مقاهي حارته ويدفع عنهم ثمن الشاي. يجلس مدمنو الإنترنت ساعات طويلة يديرون معارك دون كيشوتية في الدين والسياسة والثقافة، يهاجمون وينتقدون ويمدحون ويذمون بأسمائهم الصريحة أو المستعارة، وكل منهم على لسانه قاموس من مصطلحات الابتزاز الأخلاقي والعاطفي والديني والسياسي والوطني للتقسيط أو للرفع والتصعيد. الإنترنت وهو أعظم وأرقى اختراع أنجبه العقل البشري منذ اختراع السومريين للكتابة والعجلة، منح الفرصةَ للجميع لاستخدامه، لكن للأسف الشديد لم يستطع أن يفرق بين الغث والسمين، بين النافع والمؤذي وبين أطياف المستخدمين، فاكتظت ملايين المواقع في العالم بغوغاء النشر الإلكتروني يمارسون سرقة الملْكيات الفكرية، وتفخيخ الشباب المغيب والتصفيق للتفاهة والسذاجة ومخاصمة الثقافة، مقيمين امبراطوريات لنفايات الفكر والعفن وتلويث البيئة الإلكترونية، ليس بأقل خطرا من تلويث مناخ العالم. فهل من مؤتمر عالمي للحد من تلوث البيئة الإلكترونية؟
 أو هل من مظاهرات تدعو إلى التخلص من نفايات الإنترنت كتلك التي حدثت منتصف عام 2015 للتخلص من نفايات شوارع بيروت؟

التعليقات معطلة