عبد الأمير محسن … أنا اكتب بحذر شديد لأني أحاول أن لا أشبه الآخرين

        قاسم وداي الربيعي 
بحثت عنه كثيرا كي أجري معه هذا الحوار عبد الأمير محسن الشاعر والكاتب الذي مذ عرفته كان يختلف عن الآخرين يعمل بصمت ويراقب نصوصه عن كثب .  لغوي ماهر يميز خبايا الضعف بين أبجديته الجميلة .. أتذكر حين كان يقدم الورشة الثقافية كان بارعا في التقديم ويخشاه البعض لأنه لا يجامل على حساب الأدب والشعر خصوصا .  صفات كثيرة يمتلكها ضيفي اليوم . غاب فترة من الزمن ليعود محملا بنصوص غاية في الجمال يحاول أن يطبعها على مهلا … أنه صديقي الشاعر عبد الأمير محسن الذي حدثني بكل هدوء تاركا خلفه تلك الضجة التي يعيشها شارعنا الثقافي العراقي اليوم .. أمضيت معه بعض وقت وكانت بدايتي معه .
_ البداية ومشروعك الشعري متى كانت ؟
كثيرا ما تختلط البدايات بالوهم .. تنضج فقط حين ينتمي الشاعر لوجوده الخاص ليعرف بعدها وفق أية مدرسة هو يكتب وينتمي ، لذلك يرتبط المشروع الشعري بالنضج دائما وبمعرفة من نخاطب أولا ، وما من شك أن هذا الوهم ابتدأ معي مبكرا ..
_ لمن يخاطب عبد الأمير محسن ؟
كتابات الأدب عموما هي لنخبة من القراء تتفاوت مستويات تقبلهم لرسالة النص .. ولكن هناك صوت يلح دائما كأنما هو قارئ أخر داخل نفسي أحاول أن أوهمه باني اكتب له أيضا ، هذا الصوت ربما هو الحقيقة وراء الهدف من الكتابة أصلا ، فلو لم اقتنع بما اكتب لن أكون قادرا على إيصال تلك الحقيقة ..لذلك أتخيل القراءة لعبة الانتماء للروح في وقت تحاول مغادرتنا لمكان ما قد لا تعود منه أبدا ..نعم الكتابة كالأمانة لا تسطير للحروف فيها جزافا ولا صورة بملامح مشوهة ..أما من يقرا لي في النهاية فعليه أن يختار أية ملامح تناسب وجه هويته ..ليكون بعدها قادرا على التكيف مع رؤاه التي اكتسبها من تأويله للنصوص التي ستصبح عالمه هو بعيدا عن تأثير المؤلف ..ولا أخفيك سرا أخاطب نفسي لأنها تحوي الآخرين ..
ومتى يولد النص ؟
متى ما استفزني ..
الشعر والشعراء وهذه الضجة كيف تراها أستاذي ؟
للشعر مدارس وانتماءات المغردون خارجها كثيرون ..
عرفتك تجيد الحوارات والتقديم هل أضافت إليك الورشة الثقافية هذا ؟
أنا امتلك أدواتي وهي الثقافة واللغة والحضور الذهني اللازم لمثل هكذا لقاءات مباشرة ..لذلك تألقت الورشة وأصبحت مدرسة لمن أتى بعدها ..
أنت تكتب بحذر شديد لماذا ، وأدواتك ملونة وجاهزة ؟
ملاحظة رائعة ، أنا اكتب بحذر شديد لأني أحاول أن لا أشبه الآخرين ..
_النقد والنقاد وكثرة الدراسات النقدية لمن لا يستحقون ، كيف تنظر لذلك الواقع ؟
للأسف ألاحظ نصوصا لا هوية لها يمتدحها نقاد لا هوية لهم ..
هل أنت من جيل معين أم تحسب على جيل ما بعد التغيير _ ؟
لو كان ثمة تجييل للشعر ،فانا مع جيل الشعر نفسه ،أي يجب أن لا نضع الشعر بين عقربي الساعة إنما للشاعر أن يكتب وللزمن أن يدور ..
كيف ترى المشهد الثقافي وهل هو يسير بشكل صحيح ؟
لا احد يرضى على مشهد لم تتحدد ملامحه بعد ..ومازلنا محددين بقوانين الاخوانيات والمجاملات ..
شارع المتنبي / المركز الثقافي أين أنت منه ..وكنت تقدم اصبوحاته المدهشة ..
حتى المتنبي بات حزينا وهو يرى مثقفي ( الصور ) المبتسمة دون أن يرى أية نتاجات مؤثرة .. والورشة الثقافية قادمة لتعيد للأدب أدبه ..
حرية النشر وهذا الكم الهائل من المطبوعات هل هي حالة صحية أم لك رأي في ذلك ؟
الحرية لم نفهمها بعد .. ولا لجان تحدد نوعية المطبوع ..نحن في انتشار مخيف والكثير من الكتب ليس فيها سوى الورق والحبر ..
قصيدة النثر والحداثة وما بعد الحداثة ، كيف يراها عبد الأمير محسن ؟
قصيدة النثر ثورة كونية استمدت قوتها وشرعيتها من متغيرات واقعية لا احد يتجرا على نفيها ،العالم لم يعد صغيرا ليعيش على قوانين مركزيه ، العالم العربي كان محظوظا بمؤسسي مجلة (شعر ) التي غيرت قوانين الشعر للأبد ..
الحداثة انقلاب على القديم الذي سيطرت فيه المفاهيم الغيبية على نواحي الحياة كلها ، فجاء العقل ليكون محور الحداثة ونهضتها العامة بحكم قاهر ومركزي ..ولكن هذا العقل يتراجع أمام سلبيات بدأت تظهر في عوالمه الجديدة حين أعلن جان جاك روسو  عن تراجع الأخلاق وان الذات الأنسانيه بدأت تتسرب من أهداف رسالتها النبيلة ،فابتدأ البحث ثانية عن التوازن بين العقل والروح مما أدى لظهور ما بعد الحداثة  ، ربما تلك المقدمة تبين أهمية القصيدة في عالم متحول وهذا معناه انك حين تكتب قصيدة النثر فانك تتحدى مئات السنين من المركزية والقوانين القديمة ، الشاعر يكتب يوميات روحه بعيدا عن قومية أو وطن ، هو الذوبان في ما هو أنساني فقط وعليه أن يجيد فن كتابتها تماما ، تلك القصيدة التي تستبدل فيها الوزن والقافية ب كلمات قوية ومركزة ومختصرة ومعان صادمة معبرة ..هي خلق جديد لا يقوى عليه الكثيرون ..قصيدة النثر مصباح مضيء لو رفعت منه كلمة واحدة فانه سينطفئ .. فهل كتب الشعراء قصيدة النثر حقا ؟!
بمن تأثرت ومن عشقت ؟
تأثرت كثيرا بشعراء التصوف وثورتهم على العقل المتحجر ليؤسسوا لنا أيضا ثقافة حداثوية جديدة ..أما التأثر الأكبر فكان بالرعيل الأول من إبطال مجلة شعر ، وقبلهم طبعا الثلاثي الكوني  فيرلين رامبو بودلير ..
متى يصدر منتجك ولم الخوف ؟
المنتج الان تحت الطبع وعنوانه ( وحدي .. الكل معي ) ، تأخرت فيه حقا لسبب المراجعة الدائمة ولكني حين سالت الشاعر ياس ألسعيدي عن هذه الحالة أجاب ضاحكا أما أنا فقد غيرت ببعض القصائد حتى بعد الطبع ..عندها اطمأننت لحالتي كونها صحية …
شكرا لأسئلتك الواعية شاعري الجميل قاسم الربيعي ..
ما كنت أود أن أغادر تلك الجلسة التي جمعتني مع الشاعر عبد الأمير محسن لكن هي مساحات الوقت لا تعطينا المزيد .. ربما لي وقفات أخرى  لحوار أخر …شكري وتقديري لك سيدي الأمير.0