رشا عمران
تتحمّل الأنظمة السياسية التي حكمت بلادنا العربية في العقود الماضية المسؤولية الأولى عما وصلت إليه حال المجتمعات العربية من تخلّف وجهل وأمية وتطرّف وعنف وتعصّب ديني ومذهبي وقومي، تتحمّل تلك الأنظمة مسؤولية كل الأمراض المجتمعية التي تجعل من أي حراكٍ تغييريٍّ عملا بالغ الصعوبة، شاقّا وكلفته عالية جدا، ليس فقط في الأرواح، وإنما في حالة الشلل التي سوف تصيب المجتمعات، نتيجة يأس الساعين إلى التغيير والراغبين فيه، ذاك أن مقاومة التغيير لا تأتي فقط من الأنظمة وأتباعها وحلفائها، وإنما تأتي أيضا من المؤسّسات المجتمعية المرتبطة بها، والتي تدرك جيدا أن أي تغييرٍ سياسيٍّ سوف يحصل سيكون على حساب تسلّطها وهيمنتها على المجتمع، إذ إن ارتباطها الوثيق بالأنظمة يجعل من مصيرهما واحدا لدى أية محاولة للتغيير، وهذا ما يجعلها تخرج كل وسائلها الصادّة والمقاومة والمضادّة للحراك المجتمعي التغييري، وتطلقها على عنانها، لتبدو، حتى الثورات الكبيرة، والتي دفعت أثمانها بالدم والأرواح، مستحيلة الإنجاز، أو أنها تهدف إلى إشاعة حالة من الديستوبيا والفوضى العظيمة في وعي كثيرين من أفراد هذه المجتمعات، ولا يستطيعون إدراك أن التغيير، إن حصل وأنجز، سوف تكون نتائجه لصالحهم أولا، إذ إن الدأب الذي اشتغلت به المؤسسات المجتمعية مع الأنظمة الحاكمة عقودا استطاع أن يضع العقل العربي الجمعي في قماقم تحتاج عقودا مشابهة، وجهدا خارقا لفكّها وتحرير العقل المعتقل داخلها. أدركت الأنظمة الحاكمة، منذ ثمانينيات القرن الماضي، أن لا شيء يمكنه مساعدتها على التسلّط والاستيلاء الأبدي على الحكم أكثر من جعل شعوبها غارقةً في تفاصيل غيبية، تلهيها عن التفكير بشؤون السياسة والمجتمع، فجنّدت لهذا كل طاقاتها الإعلامية والمالية، استخدمت كل التقنيات الحديثة ذلك الوقت لتكريس التفاهة المجتمعية، فلا عجب إن كنت تجد لدى مشاهدتك الفضائيات، التي تبثّ عبر الأقمار الصناعية، محطّة للفن الهابط والتافه (كان وقتها بداية ظهور الفيديو كليب، حيث كان الهدف جذب المشاهد إلى ما يظهر من جسد المغنية ذات الموهبة المعدومة أو المؤدّيات في الفيديو كليب). وتليها محطة دينية تروّج أفكارا غيبية، وتشتغل على بثّ الكراهية بكل أشكالها، وتُشغل متابعيها بشؤونٍ ليست من جوهر الدين، وتركت لمجموعة من المشعوذين والدجّالين، يظهرون ليل نهار على الفضائيات، أن يتدخّلوا حتى في تفاصيل الحياة الزوجية والمعيشة في داخل البيوت، باسم الحرص على الدين وقيم المجتمع. وكان هذا كله يتم تحت اسم «الصحوة الإسلامية» التي غيّرت وجه المجتمعات العربية، وكان الدين ركنا رئيسيا فيها، ولكن بوصفه عبادة وعلاقة خاصة مع الله، لا بوصف الحياة جزءا منه، ولا بوصفه المسيّر لشؤون الناس وحياتها وتفاصيل يومياتها. 

التعليقات معطلة