لا استطيع استذكار طفولتي بعيدا عن جانب الكرخ ومحلاته الشعبية، ففي هذا الوسط العابق بالفقراء و( الشقاوات ) والقوة والعنف والطيبة والبساطة والنخوة والجيرة الحميمة، أمضيت قرابة 15 سنة من عمري أعيش في كنف أب لا يغادر البيت إلا للعمل أو المسجد، وهو رجل مسالم ( مستور ) بمصطلح الكرخيين يتحاشى أية مشكلة بالكلمة الطيبة ويدفع الشر بالخير ومع هذا كنت أكثر ميلا واشد تعلقا بخالي الذي يسكن في دار موجهة لنا ،وآية ذلك إن خالي كان رجلا رياضيا يتميز بطول القامة والجسم الممتلئ المتعافي وغالبا ما كنا نحضر منافساته مع أقرانه في عبور دجلة ذهابا وإيابا من دون توقف، حيث لا يجاريه احد في السباحة، وخالي الذي يعمل حدادا، وهو يومها واحد من ( شقاوات ) بغداد المشهود لهم بالشجاعة والقوة والرجولة غير انه مثل آخرين من شقاوات ذلك الزمان لم يكن عدائيا ولا يضمر السوء لأحد وإنما بخلاف ذلك يتحلى بروح دعابة عالية ولا يتردد عن الوقوف إلى جانب المظلوم حتى لو كان الظالم ابنه، ولكن خالي لم يكن كذلك حين يتعرض له احد بسوء أو يحاول الاحتيال عليه أو اغتصاب حق له، انه ينقلب إلى كائن مدمر لا يرحم، اذكر مرة انه اصطحب والدتي إلى المستشفى وكنت معها، في سيارة الباص الخشبية كان ثلاثة (شبان) يتمازحون فيما بينهم بصوت عالٍ وبعبارات تخدش الحياء، وقد نبههم خالي إلى إن هذا لا يجوز ، ولا يليق في مركبة عامة، إلا أنهم سخروا منه، اسمعوه مفردات نابية، فما كان منه إلا إن طلب من السائق التوقف ودعا الشباب الثلاثة إلى النزول، ونشبت معركة مازال جسدي يرتعب لها، لقد هجموا عليه مرة واحدة، وكان في يد احدهم سكين ولم تستمر المعركة أكثر من خمس دقائق، حتى عاد خالي إلى المركبة، فيما كان الثلاثة ممددين على الأرض وسط بركة من الدماء !! ثم أمر السائق بلطف أن يواصل السير وكأن شيئاً لم يكن !.

لا ادري ما الذي حدث لخالي ولماذا تغير سلوكه، فبعد بضعة أيام على تلك المعركة المرعبة،  رأيته يدخل داره ويغلق الباب من ورائه، في حين كان سكان البيت المجاور له، يشتمونه ويرمون منزله بالحجارة، ولم يكن السكان سوى رجل واحد ضعيف البنية وامرأتين، وقد آلمني المشهد، وفي المساء سألته ]خالو ليش ما ضربتهم.. تخاف منهم ؟![ ، وضحك ضحكة مجلجلة وأجابني ]اسمع خالو … الإنسان القوي والأصيل لا يرد على اثنين، السفيه والطفل حتى لو تعرض إلى الأذى، لان العقلاء والشرفاء سيزعلون عليه ويقولون: كيف ترد على فلان وهو سفيه أو وهو طفل وجيراني سفهاء، طبعا لم أدرك مغزى كلامه إلا بعد أن بلغت مبلغ الرجال!.

خارج النص: تفيد الأخبار أن جارتنا الكويت اعتدت على صيادين عراقيين، ووقفت ضد خروج العراق من البند السابع وحاولت التجاوز على آبار النفط العراقية، وبنت ميناء مبارك على منفذ العراق المائي.. وان الحكومة العراقية دخلت دارها وأغلقت الباب من ورائها ولا احد يفهم موقف الطرفين ومازلنا بانتظار مزيد من الأخبار.

التعليقات معطلة