في عام يعود الى النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، تلقيت دعوة من مدير عام التربية لمرافقته مع وفد كبير من الإدارات المدرسية، وذلك لزيارة احدى المدارس، وكان الهدف – كما اخبرني عند لقائي الشخصي معه – ان هذه المدرسة يقودها مدير مخضرم وقدير، استطاع تحويل مدرسته الى مؤسسة نموذجية، وخاصة في مجال الاعمار والترميم والصيانة، وتقارير المشرفين التربويين جميعها تشيد بجهوده الشخصية وسياسته الحكيمة وقيادته الناجحة، ولهذا رأيت أن نقوم بهذه الجولة لزيارته، والتعرف على انجازاته، والأهم هو  (نقل تجربته الرائدة الى المدراء الآخرين الذين تم تعيينهم حديثا، وما زالوا قليلي الخبرة) ، وتحدث الرجل حديثا مملا بالمعنى نفسه، ثم وصل الى النقطة الرئيسة التي دعاني من اجلها (وأنت طبعا من الإعلاميين الكبار الذين احترم قلمهم، ومقالاتك مقروءة، ولذلك حرصت على ان تكون معنا، وترى بنفسك، وتكتب ما يمليه عليه ضميرك، ولعل ما ذكرته هنا لا يساوي عشر ما تكلم به المدير من إطراء ومديح، وطلب مني أخيرا بما يشبه الرجاء أن اكتب (تحقيقا دسما) على حد تعبيره حول فعالية مديريته وسعيها الدؤوب لتبادل الخبرات ونقل التجارب ويبدو انه نسي حكاية ما يمليه عليه ضميري!!

الحقيقة لم أعر بالا لتلك المحاضرة التي اعتدت على سماع الكثير منها، اينما اجريت تحقيقات صحفية في دوائر الدولة، ولكن الذي استرعى اهتمامي، هي الفترة الأخيرة (وبالتأكيد سوف لن أنسى تعاونك معنا بعد نشر التحقيق، أما الان فأرجو قبول هذه الهدية المتواضعة مقدما!!) ، وكانت الهدية (50) الف دينار، وهو مبلغ يعادل خمسة اضعاف راتبي في الجريدة!

كان قلبي يخفق وأنا اعتذر عن قبول الهدية، واقسمت بشرف المهنة على رفضها، ولكن الرجل سبقني في اليمين بشرفه، وشرف المسؤول لديه حصانة، وجل ما كنت اخشاه في تلك اللحظات العصيبة، ان يصدق الرجل قسمي الكاذب، وهكذا مرت المحنة بسلام، ووضعت المبلغ في جيبي على استحياء مفتعل، وفي الوقت المحدد للجولة، انطلق موكبنا، وقمنا بزيارة المدرسة ومديرها الذي تفاجأ بنا، ولكن مفاجأتنا كانت اعظم، فلم نقف على باب أو سياج أو شباك أو ساحة أو ارضية، إلا وقد عاشرها التعب، وطلب منه مدير التربية وهو ممتعض من الصورة المزرية أن يتحدث عن تجربته، وأشهد ان مدير المدرسة كان رجلا شجاعا وصريحا، فقد قال ما معناه (لقد أبلغت السادة المشرفين التربويين بمعاناة المدرسة وحاجتها الى ترميم السقف وطلاء الجدران وتصليح الرحلات والزجاج ، ورفعت الى مديرية التربية تسعة كتب رسمية، ولكن احدا لم يستجب، ولهذا قمت والله العظيم بتصليح حنفيات الماء من جيبي) ثم ختم حديثه، (أنا أعتذر إذا كانت تجربة مدرستنا مخجلة، ولكن هذا هو واقع الحال) ، وعلى عجل أنهى مدير التربية الزيارة، وهو في قمة الاحباط ، وفي اليوم الثاني استدعاني بصورة شخصية كذلك، وقدم لي هدية جديدة مقدارها (75) الف دينار، فأعتذرت وقلت له (التحقيق لم يكتب ولم ينشر إلى الان) ابتسم الرجل بلطف ورّد عليّ: هذا المبلغ يا صديقي الإعلامي، لكي تتخلى نهائيا عن فكرة كتابته ونشره، ولابد إن مبلغ (152) ألف دينار في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي  كانت أهم بكثير من شرف المهنة!! تنويه: الحياة تعج بحكايات مماثلة لهذه التجربة، والكاتب غير مسؤول عن أي تشابه قد يحصل من باب المصادفة، لذا اقتضت الإشارة!!

التعليقات معطلة