الآن بات واضحا أكثر من أي وقت مضى، ان وقت الحصاد لما زرعته الولايات المتحدة الامريكية قد صار حقيقة واقعة، فالإصلاحات التي نادت بها وحاولت تكريسها حملها الربيع العربي على اجنحته ليحقق بها فتحا جديدا للسياسة الامريكية في المنطقة بكل امتدادتها وتأثيراتها وميادين فعلها واتجاهات مسارات عملها فالسجال الذي اججته واستمرار الجدل حولها وحول ضرورة احداث التغييرات اللازمة والمطلوبة … بدأ الآن يحبو بعد ان صار البديل قائما يتربع على كراسي السلطة مثيرا الكثير من الاسئلة ذات المغزى الحيوي لاستكمال صورة الوريث المهيأ لاستلام زمام الامور.. فوصول الاحزاب الاسلامية في تونس ومصر والكويت والمغرب يفتح الطريق واسعا لاحتمالات شبه مؤكدة في وصول الاحزاب الاسلامية للسلطة في سوريا والجزائر وموريتانيا الى جانب خضوع الاوضاع في السعودية وإمارات الخليج العربي.. لمقدمات تنبئ بنتائج منسجمة ومواكبة ومرادفة لما يحصل .. واذا ما اضيف الى ذلك العراق الذي كرست فيه امركيا دميقراطيتها واسست فيه صيرورتها ما ينبغي ان يكون كما هي تقول وتعلن تنفيذا لدوافع احتلاله، ولبنان السائر على مبدأ التوازن الدقيق بين المكونات المتعايشة بقانون تعادل القوى يكون الشرق الاوسط قد صار جديدا بانتظار صيرورته كبيرا عندما تلتحق بركب الربيع العربي ايران وتركيا وربما باكستان التي تعاني الآن من مخاض صعب. 

لقد صارت ابواب البلدان العربية.. مفتوحة تماما لحكم الاحزاب الاسلامية ويعكس هذا توصل الولايات المتحدة الامريكية الى قناعة من ان كل المشاكل التي واجهت وتواجه المنطقة وبشكل خاص الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يمكن حلها تحت العباءة والعمامة الاسلامية وليس ثمة حل يمكن أن يقنع الجبة الاسلامية غير ان تكون هي المفتاح وهي الوعاء وتجربة التعاون الاسلامي الامريكي في الجهاد ضد السوفيت في افغانستان تعبير دقيق عن ان هذا التعاون كان ومازال ضروريا لانجاز الكثير من المهمات وبهذا الصدد فان جريدة الغارديان البريطانية في عددها الصادر في الخامس والعشرين في تموز الماضي تشير وبوضوح الى اهمية الرجوع الى ذلك التعاون الذي اثمر هزيمة السوفيت، وعلى نفس النهج تحث صحيفة الكرستيان ساينس مونيتير الامريكية امريكا على تماشي جعل الاسلام الخندق الامامي في اي عملية صدام بين الحضارتين الغربية والاسلام.. فقد برهنت التجارب ان شيئا من ذلك كلف ويكلف الغرب بشكل عام وامريكا بشكل خاص من تضحيات جسيمة وقالت ان افضل الاساليب في الوصول الى حالة التفوق على الاسلام هو التعامل مع المسلمين .. وتوضح قائلة ان الاسلام واحد … بينما هناك اكثر من تيار للمسلمين واكثر من منهج.. 

هكذا تغير الموقف السياسي  في منطقة الشرق الاوسط حيث اضحى التقارب بديلا عن الثنائي بين الاحزاب الاسلامية والولايات المتحدة الامريكية ويمكن تلمس ذلك من خلال عدة مؤشرات مهمة. 

اولا: ان امريكا اتاحت الفرصة امام دول الاستبداد لتعيد انتاج مجتمعاتها انطلاقا من سلطة الثراء وتتوطن امنيا وايديولوجيا بقوة في بلدانها وارغام قوى التغيير على رؤية الواقع الذي اوجدوه بدلالة السلطة والخضوع لقيمها ومصالحها.

 ثانيا: العمل على فتح المزيد من مجالات غسيل السمعة للحكام والاستبداديين بحيث يمكن استخدامهم كشهود زور واوصياء ومندوبين عن مؤسسات وشركات بتعليب وتصدير الديمقراطية والحرية وبالمواصفات التي تقررها وصفات الموقف في ضوء تطورات الوضع السياسي والاقتصادي على الصعيد العالمي وصعيد المنطقة.

ثالثا: الإكثار من قنابل التفجير الذكية في العلاقات بين دول الاستبداد المالي وخصوصا بين السعودية وقطر.. وذلك بايجاد الاحساس لدى السعودية بانها مغبونة بمساواتها مع قطر التي لاتشكل بالنسبة لها سوى اعلى 100، بل انها ترى الان الارجحية لقطر في الادارة بالنيابة لملفات ازمات الربيع العربي. 

ان فرح السعودية بما يحصل وترحيبها بالدور البسيط الذي اضطلعت به قياسا للدور القطري، ينطلق من كونها اصبحت خارج اطار مرمى الربيع العربي..  فعمليات الملاحقة والتعسف الذي تمارسه ضد شعبها ، ظلت طوال الوقت بعيدة عن الانظار.. كما ان دورها في استخدام “درع الجزيرة” لقمع الثورة في البحرين لم يستأثر باهتمام بل حتى ولامتابعة الماكنة الدعائية والاعلامية التي رافقت الربيع العربي.. غير ان السعودية تجد نفسها مستهدفة بشكل غير مباشرة عندما تفضل امريكا التعاطي مع الاخوان المسلمين وتماطل او تمتنع احيانا من التعامل مع السلفيين الذين يحضون بدعم واسناد وتأييد السعودية، ومن ينشئ نوعا من عدم الراحة لما يجري الآن في مصر.. وعندما حاولت السعودية دس أنفها في تطورات الموقف من خلال إقراض مصر لتمكينها من التغلب على ازمتها الاقتصادية جاء الرد المصري رافضا التدخل السعودي في الشأن الداخلي للمتغيرات الجارية في مصر.. وعاد القرار المصري التاريخي ليؤكد أن موقف مصر الديني لن يتقرر الا في ضوء ما يقرره الازهر الشريف بعيدا من المؤثرات والتأثيرات السياسية. 

ان ارتداء قطر والسعودية ودول خليجية اخرى رداء الاسلمة لم ينطل على  التقوى الفاعلة في المنطقة العربية، من هنا جاءت التحذيرات من الدور الذي تضطلع به هذه الدول على صعيد موجة التغيير في الانظمة فهذه الدول استطاعت تجبير عمليات التغيير لحسابها فبدلا من ان يكون البديل افضل، جاء البديل وفق المواصفات التي حاولت وتحاول قطر والسعودية واخرون في الخليج ان يكون متوافقا مع مسارات الجهد في ترتيب الاوضاع في الشرق الاوسط.

إن أهداف أميركا في الشرق الاوسط تتحدد الآن بالنقاط التالية: 

اولا : المحافظة على استمرار تدفق النفط وان لا يكون احد مصادرها استفحال الازمات الاقتصادية والمالية. 

ثانيا: تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية .

ثالثا: تكريس الهيمنة والسيطرة الامريكية .

رابعا: اقامة اتحاد كونفدرالي بين المشرق العربي وعزل دول شمال افريقا باقامة اتحاد كونفدرالي بينهم، وانهاء وجود جامعة الدول العربية ومنظومة الامن القومي العربي وفق مشروع بريجنسكي مستشار الامن القومي الامريكي الاسبق. 

ومن وجهة نظر الستراتيجيين الامريكيين ان هذه الاهداف لا يمكن تطبيقها الا في حالة استلام الاخوان المسلمين السلطات الحكومية واقامة أنظمة تتبنى الاسلمة وفقا لقواعد واسس التحالف والتفاهم بنيهم.. وهكذا كسب الاخوان المسلمون الجولة الاولى وبدؤوا حكومتهم الاولى في تونس وقريبا في مصر بعد ان استلموا الصولجان في المغرب لكن هل انتهت معاركهم السياسية….؟ وهل زالت عقود من التهميش والتغييب لهم والتنكيل بالعقلية الاخوانية؟ وهل ثمة اعداء جدد للاخوان بعد ان زالت الانظمة السابقة او في طريقها للزوال.

 في قراءة سريعة يبدو ان الاخوان قد بدؤوا فعلا بمعركة حقيقية، طرفاها اسلام متحضر ويعني من وجهة نظر الاخوان القبول بنظام مدني يحقق الديمقراطية والمجتمع المدني مقابل اسلام متخلف لا يؤمن بذلك ويؤمن بالخلافة وقيود ولاية السلطان والحاكم المستبد. 

بيد انهم في ذات الوقت يجدون انفسهم الان امام معضلة فهم صاروا يصارعون عدوا جديدا يتجسد بـ”السلفيين” الذين يرفعون شعارات الاسلام التي حكم عليها الاخوان بـ” التخلف”. ان علة ما يجري الان من تناقضات محيرة يكمن اولا وقبل كل شيء في الفهم الخاطئ للاسلام من قبل الغرب بشكل وامريكا بشكل خاص، فعندما يطرح الاسلام كعدو حضاري فان ركائز ها الطرح تعتمد على ماتجسده حركات وتيارات اسلامية في الشكل والمظهر نمت وترعرعت ومارست ادوارا وادت وظائف ونهضت بجهود لا علاقة لها بالاسلام الحقيقي الذي جسدته المذاهب الخمس وعبرت عنه مراكز اشعاع هذه المذاهب في النجف الاشرف والازهر الشريف وغيرهما في العالم الاسلامي والواقع يشير وبوضوح الى ان وجود هذه التايرات والحركات الداعية للتطرف والعنف والغاء الاخر وعدم الاعتراف له لم يكن بعيدا عن بلورة ودعم وتنشئة الغرب لها فالحركة الوهابية والبهائية لم تنشأ اعتباطا او لقائيا بل ان الادلة والبراهين المؤكدة تشير وبوضوح لايقبل اللبس او الغموض وقوف المخابرات البريطانية خلف ظهورهما والبعض يضيف الى ذلك المخابرات اليهودية التابعة للوكالة الدولية اليهودية وباشراف من وايزمان شخصيا. 

لقد استلمت الكثير من الحركات الاسلامية مواقع متقدمة واساسية في مجالات صنع القرار السياسي والاقصادي والثقافي والاجتماعي في الدول التي شهدت مخاضات الربيع العربي.. بيد ان ايا من هذه الحركات لم يقدم الدليل على انه يمتلك المشروع او البرنامج العملي الواضح لمعالجة الكثير من مشاكل وازمات واشكاليات وتداعيات الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدول التي تفجر فيها الربيع العربي.. ففي مصر مازالت الحركات الاسلامية تتخبط في محاولات مثيرة للسخرية ، فتارة هي مع التطبيع الاسرائيلي المصري، وتارة اخرى هي ضد هذا التطبيع تارة هي مع استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية وتارة اخرى هي ضدها وهكذا هو التردد واالضياع والبلبلة السمة الاكثر وضوحا في تصرفات حركات الاسلمة ، والانكى من ذلك ان وحدة التصرف والموقف والتوجه والرؤية اضحت الان على المستوى العربي والاسلامي في عدم، بعد ان اتضحت تناقضات الموقف بين التنظميات الاسلامية وما حصل بين القرضاوي والامارات العربية المتحدة وبين الإخوان في مصر ورجال الدين في السعودية من السلفيين الجهاديين. 

ان تحديد الموقف الامريكي حيال المنطقة وما يتقضيه الحال على مستوى حل ومعالجة مشاكلها وفي المقدمة منها انهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على اساس مشروع الدولتين ومساعدة شعوبهما للأخذ باسباب التطور والتقدم ومعالجة مشاكل الفقر والتخلف والتباين في مستوى الرفاهية والرخاء بينها وبين شعوب الغرب والولايات المتحدة الامريكية يستلزم الاجابة اولا على سؤال يتعلق بالموقف الامريكي في موضوعة صدام الحضارات فكلما تقدم فان هذا الصدام يعني صداما مع كافة الدول الشرق الاوسط اوسطية وبالتالي فان الاحتواء الامريكي لهذه الدول يصبح ضروريا واسرائيل هي اداة الاحتواء المفضلة وفي هذه الحالة فان الاسلمة تفقد مبررات وجودها في ظل الحماية الاكيدة للمصالح الامريكية في المنطقة عبر التواجد المكثف والمقنن للقوات الامريكية فيها واذا اضفنا الى ذلك ماتوصل اليه التيار الواقعي الامريكي من ان الاسلام لا يمكنه في المدى المنظور ان يشكل خطرا حقيقيا على المصالح الاميركية بشكل خاص والمصالح الغربية بشكل عام نقف أمام حقيقة متكاملة لايمكن تجاهلها، تلك هي ان الولايات المتحدة الامريكية اضحت الآن اكثر استعدادا لإنهاء ظاهرة الاسلمة المنحرفة والمتطرفة من خلال الدفع بها الى مستوى السلطة بعد كانت في مأمن مما يترتب على المواجهة المباشرة مع الشعوب من خلال السلطة، ما تفرزه من ظواهر  ومظاهر قهر واحباط واضطهاد وتعسف. 

لقد ظل الاسلام المتطرف او المنجرف طوال اكثر من 130 سنة قابعا خلف الكواليس والغرف المظلمة والاقبية العميقة وحتى اولئك الذين تمكنوا من الوصول الى السلطة عبر التحالف السعودي- الوهابي.. واجهوا حراجة الجمع بين الممكن والطموح ،بين المتحقق والمتوقع فابتعد الكثير من الوهابيين من مراكز القرار السعودي وتحول البعض منهم الى معارضين بل واعداء للحكم السعودي باعتباره كان ومازال عاجزا من الوصول الى مايريدونه ويسعون اليه.. ومن هنا يجد المسعى القطري في تبني التيار الوهابي الجديد صداه على مستوى المتطرفين الوهابيين في السعودية غير ذلك مع الانشطارات والانشقاقات التي حصلت على مستوى تنظيمات الاخوان المسلمين وظهور السلفيين الجهاديين والسلفيين الوهابيين والسلفيين الاصوليين وغيرهم. 

ولم يؤد كل ذلك وغيره الى إحداث القناعة الكافية بامكانية توقع زوال هذا النمط من الانحراف المؤذي ان لم تتورط التنظيمات المتطرفة بعملية السلطة وماتتطلبه من جهود واجتهادات ورؤى توفق بين الممكن والطموح وهذا ما ليس في امكان هذا التيار تحقيقه والدليل ان ما يحصل الان من تخبط وعشوائية تعبر خير تعبير عن افتقار تنظيمات الاسلحة لاسس وقواعد الانتقال السلس والصحيح، من دور المعارض الى دور الحاكم، من دور المحرض على التمرد، وقيادة عمليات الارهاب من قتل وقتل جماعي وعمليات اغتيال وجرائم منظمة، الى دور الحاكم المسيطر والمنظم والعامل على فرض الأمن واحترام القانون. 

ويظل السؤال العالق .. ترى هل تستحق الاهداف التي تتوخاها امريكا من الربيع العربي احراق تنظيمات الاسلمة في اتون نيران السلطة في زمن اللا استقرار واللا امن في الوسط العربي والاسلامي..؟! 

من وجهة نظر الستراتيجية الامريكية الجديدة.. فإن مستقبل وجودها ودوام استمرار مصالحها يتطلب ذلك.. فالمتغيرات التي حصلت وستحصل تتطلب نموذجا مختلفا تماما عن النماذج التي عرفت. خلال العقود الماضية وبضمنها العقد الاول من الالفية الثالثة ، المطلوب اآان المزيد من الدميقراطية في ظل وجود قوى لها تمثيل حقيقي في الاوساط الشعبية قادرة على التفاعل مع عملية صنع الرأي العام وبمحورية ديناميكية نشطة، لها دور مهم اضطلعت به ، وهذا ما سنتناوله في موضوع لاحق.      

التعليقات معطلة