أثقل من جبل حمرين على الصدر، تلك هي الأيام التي تنذر بحرب على الأبواب، وما زلنا في الطبقة الخامسة من مبنى وزارة الإعلام نمارس حياتنا الصحفية في مجلة «الف باء» وبأفكار مشوشة، وأكثرنا تفاؤلا كان يراهن على (دهاء) صدام في الخروج من (المواجهة الحتمية) منتصرا، حتى وان قدم مليون جندي شهيدا، وكنا على يقين ان هذا الاحتمال وارد، ما دام مفهوم (النصر) كما يطرحه القائد على ابناء شعبه، هو بقاء النظام، وبقاؤه تحديدا على رأس النظام، بغض النظر عن مئات الآلاف من القتلى مع مزيد من مفردات الحصار، ومزيد من خراب البنى التحتية التي لا تحتمل مزيدا من الخراب، إما اقلنا تشاؤما، فكان يرى في الحرب المقبلة نوعا من الحروب غير المسبوقة في تاريخ العراق من دون أن تكون لديه صورة واضحة عنها، ولكن الذي يجمع المتفائلين والمتشائمين على حد سواء: هو الخوف الحقيقي مما يختفي وراء الأكمة من أيام سود مل العراقيون ظلمتها الحالكة، ولهذا كانوا يعبرون عن قلقهم الذي يتضاعف ساعة بعد ساعة بالطريقة الوحيدة المتاحة، وهي الأحاديث الهامسة بين كل اثنين او ثلاثة وهم يتلفتون فللجدران والمناضد والكراسي آذان سرية!
لم اكن صاحب موقف واضح من الأحداث، فانا حتى لحظة دخولنا شهر آذار عام 2003 ومنذ عام 1999، وما زلت اقبع تحت قرار صدام حسين بمنعي عن الكتابة في أي مكان، ووجودي في المجلة اقرب ما يكون إلى حقل ملغم لا يجوز الاقتراب منه، والحذر مطلوب، ولذلك كنت -إكراما لزملائي-أنأى بنفسي حتى عن مشاركتهم الأحاديث الهامسة، ولعل حقدي الشخصي من طرف، وما يمكن أن يتعرض له الوطن من ويلات جديدة لو أقدم الاميركان على تنفيذ تهديداتهم من طرف آخر، جعل رؤيتي للأحداث أكثر ارتباكا وتشوشا، قلت لنفسي مئة مرة متسائلا عن معضلة شائكة، إذا كنت ضد صدام، فلا يمكن أن أكون ضد ما ينتظر بلدي، ولكن ماذا يعني وقوفي إلى جانب العراق وحمل السلاح دفاعا عنه، أليس هو من حيث أريد ولا أريد وقوفا الى جانب صدام ودفاعا عن بقائه على قمة السلطة؟! معادلة شائكة عصية على الحل، ومن هنا رأيت نفسي منقادا إلى فكرة رومانسية حالمة، هي الذهاب إلى فراشي ليلا، ثم استيقظ صباحا لأجد (صدام) ونظامه في ذمة النفايات التاريخية، من غير حرب ولا اميركان ولا احتلال!! أما كيف؟
فلم تكن عندي وسيلة غير الدعاء الرباني!
لعله اليوم الأخير قبل مغادرة «ألف باء» مبنى الوزارة الذي بات من بين الأهداف المرشحة بسخونة، إلى المقر البديل في (دار الحرية)، حضرت الى الدوام وكالعادة دخلت القسم الفني، لوقوعه على الطريق المؤدية إلى غرفتي، كي القي عليهم التحية، وفوجئت بأحد الزملاء يعلق وراء ظهره صورة كبيرة لصدام وهو الذي لم يعلق له صورة في أيام (قوته)، وقد استغربت حقا، واستفسرت منه بإشارة من يدي وعيني، فاقترب مني وهمس في اذني (اريد اشبع منه شوف) واطلق ضحكة عالية، جعلتني أدرك أنها النهاية، فواصلت طريقي مسكونا بوجع السعادة، فقد انتابتني تلك المزحة الظريفة، ان (القائد) لن يتنازل عن عرشه، الا بعد إغراق الوطن بنهر من دماء الأبرياء.. وصدقت النبوءة!!