خلافات الحاضر وتناقضاته وتقاطعات المستقبل وانقطاعاته، كلها حدثت وتحدث نتيجة التباين في قراءة التاريخ كمحصلة طبيعية لعمليات التزوير والتزييف في وقائع وحقائق التاريخ حتى ليبدو الأمر، معضلة حقيقية وصفت الأمور في حياة البشرية عموما في إطار من النزاع والصراع شبه المستديم، وقد ظل الخلاف المستمر حول التاريخ، يغذي الميول غير المسالمة لدى الكثيرين، وظلت الدعوات المنادية بوجوب التعامل مع التاريخ وفق الفهم الموضوعي له، بعيداًَ عن الاستنتاجات والاجتهادات التي تحمّله أكثر مما يتحمل أو جعل الظروف التي أدت الى ما حدث في الزمان والمكان السابقين، هي نفسها التي تحدث، ما ينبغي أن يتوافق مع أمزجة الحاضر دون النظر بأهمية وموضوعية لمستجدات الوضع ومتغيراته الذاتية والموضوعية مع إسقاط عناصر المستجدات المفترضة زمانيا ومكانيا.
ان التاريخ بدون ادنى شك هو سيد العلوم بلا منازع، لأنه يؤرخ لكل العلوم ولكل الصنوف المعرفية فهو سجل لكل ما حققه الإنسان، وهو بالتالي العلم الذي يوضح العلاقة السببية بين السابق واللاحق من الحوادث الاجتماعية، وبهذا فهو العلم الذي يلهمنا كيفية مواجهة الإحداث والتعامل مع الأزمات في ضوء ذلك وبسببه فان موقفنا من التاريخ يصبح أكثر تعقيدا وأكثر صعوبة، فلا بد من ان نتساءل بوضوح وصراحة.. أي تاريخ نقصد ونعني..؟ وأي من المؤرخين.. نصدق ونتعامل.. ونكذب فنبتعد عنه؟ تلك هي المعضلة، أكاذيب في التاريخ واجاديف وتخاريف واختلافات لا تصدق وأراجيف ما انزل الله بها من سلطان ولكن كيف السبيل الى اثبات زيفها وكذبها؟ واذا تمكن البعض من فعل ذلك كيف يمكن إقناع الآخر بموضوعية وصدقية ما حصل؟ وان ما ذكر في التاريخ في ما يتعلق بالموضوع الفلاني كاذب وغير صحيح؟ تلك دوامة لا اول لها ولا اخر وهي مجلبة لمزيد من صداع الرأس.
بالطبع لابد من ان يكون على المؤرخ ان يمارس دورا فاعلا في بناء نهضة شعبه وان يكون كل همه هو دراسة واقع تاريخ شعبه دراسة دقيقة وصادقة وحريصة ومعرفة موقف المؤرخين منه.. وهو يمثل هذا الموقع المهم والحساس بناءً على تصور علمي موضوعي مؤمن به ومخلص له.. وهو “أن المؤرخ مفكر قادر على تقويم الوضع الماضي لشعبه بأسلوب علمي معاصر نابع من إيمان راسخ بحق شعبه في الصيرورة والتكوين والنمو الحضاري”!!
نعم ذلك ما ينبغي ان يكون.. فالمؤرخ المبدع الخلاق، هو الذي يعطي رأيه دون ان ينتظر من احد كلمة شكر نعم هو يحتاج للشكر.. ولكن ليس كثمن وإنما كمحصلة ايجابية لانتزاع التصور الخاطئ من خاصرة التاريخ من اجل ان يرتاح من الخلاص مما كان يعكر صفو الصهارة بنقل الحقيقة كما هي بصرف النظر عمّن تغضب وعمن ترضي.
ان الفرق بين ان يكون المرء مؤرخا وبين ان يكون سياسيا هو:
*المؤرخ هو الذي ينظر الى الماضي ويتعرض الى الحاضر كنتيجة اي انه يحلل الماضي ليتنبأ بالحاضر في استخدام أدوات قوانين حركة التاريخ واحداث المتغيرات ودور الإنسان كفاعل وقائد وموجه ومخطط.
*اما السياسي فهو يتعاطى مع الحاضر ليبني المستقبل اما الوشيجة بين الاثنين فإنها تكمن في أن التاريخ يخلق السياسة دون أن يتورط في تكييفها وترتباتها.
تلك هي الحقيقية التي ينبغي أن تكون مفهومة، بيد ان البعض يعمد إلى استنتاج الماضي، يريد ان يجعل من مقولة… “التاريخ يعيد نفسه” حقيقة قائمة، وبذلك فهو يحقق مسألتين:
*الاول : يعطي عجزه في إيجاد الصلة بين الماضي والحاضر لبناء المستقبل.
*الثاني : انه يريد أن يعطل قدرة الآخرين في إيجاد مثل هذه الصلة..
وبذلك يحصل التنازع ثم الصراع، والملهاة في الأمر ذلك التيه الكبير بين صدق ما يعتمد وكذبه، فلو كانت هناك رؤية موضوعية تستند على منطق علمي سليم لأمكن أصلا فهم التباين بين ما كان وما ينبغي ان يكون دون اهمال التواصل الذي ينبغي ألاّ يكون استنساخا، لماذا..؟
ان الحاضر يختلف عن الماضي ليس في اختلاف شخوصه، بل وايضا في اختلاف محتوياته وكينونته وقدراته، ففي وقت كان مثلا على المسافر ما بين بغداد والموصل ان يقطعها بثلاثة او أربعة ايام، اليوم الامر مختلف ولعله غدا سيكون مختلفا أيضا فبالطبع لا يمكن التعامل مع السفر الآن كما كان في السابق وهذا ينطبق على أمور كثيرة أخرى، ولذلك لا يمكن إهمال هذه المتغيرات الجوهرية والاساسية.
إن الأحاديث النبوية الشريفة فيها الكاذب، والضعيف والمتواتر والمتفق عليه، وغيرها كثير… فكيف بنا ما سوى ذلك..؟ نحتاج الى وقفة صادقة وصحيحة وعقلانية موضوعية من التاريخ لنتمكن من إزالة الكثير من الشوائب والاكاذيب والتزويرات ولكن قبل ذلك نحتاج الى من نثق به ثقة عمياء، نؤمن من انه لن يكذب ولن يزيف ولن يجامل على حساب الحق والعدل.. فهل نعثر على بغيته ومتى يحصل ذلك..؟ على أننا ينبغي ان نعي حقيقة ان ذلك وغيره لن يحصل الا عندما نفهم ان التعامل مع الحاضر بصدق ونزاهة هو الضمانة في حصول الأجيال المقبلة على تاريخ يثقون به وإلا فأن انعدام الثقة يظل قائما!!
رغم إننا امة لا تدوّن، ونبدع فيما نفعله ونقوله ارتجالا وشفاها بيد أننا لسنا الوحيدين في اختلاف زوايا النظر إلى التاريخ.. فشعوب العالم تعاني من مشكلة الاختلاف في ما ورد في التاريخ.. بيد أننا نختلف عنهم.. في أن تاريخنا يعتمد على الرواة الشفاه والحفاظ بالاعتماد على الذاكرة ومن هنا نشأ الخلاف وتعمق فنحن نقف مثلا أمام أكثر من 1800 صحابي رووا الحديث عن رسول الله “ص” من وجهة نظر بعض المسلمين وهذا العدد يشكل حوالي 1 % من عدد صحابة رسول الله “ص” البالغ عددهم اكثر من 114 الف صحابي منهم نحو عشرين الف صحابي صلوا عليه في المدينة عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
وفي صحيح الإمام البخاري ما يزيد على ألفي حديث من غير المتكرر والصحابة الرواة 254 صحابيا وبلغت عنده الاحاديث “75000” حديث فيما نجدها عند الاخرين تتجاوز هذا الرقم لتصل الى اكثر من “50” خمسين ألف حديث رويت بنحو مليون سند منها الصحيح ومنها الضعيف ومنها المقبول ومنها المردود بيد أن هذه القاعدة، تتغير معطياتها تبعا للزمان والمكان والشخص فقد يتحول المردود إلى مقبول والضعيف إلى صحيح قوي وهكذا، والسبب هو انعدام التدوين في الاصل فحصل ذلك على مستوى الأحاديث النبوية ولم يحدث على مستوى القرآن الكريم، لان القرآن دون منذ اللحظة الأولى لنزول آياته تباعا، وهذا ما نجده في الإنجيل مثلا اذا تعددت الأناجيل بسبب غياب التدوين والاعتماد على ذاكرة تلامذة السيد المسيح عليه السلام.
وهذا هو الحاصل على مستوى الأحاديث النبوية، فبعض المسلمين لا يرون ان هذا العدد من الأحاديث صحيحا، ويعتقدون أن العدد قد خضع لزيادة غير معقولة وغير طبيعية أوصلت الأمور في بعض الأزمان إلى درجة المذابح بين المسلمين بسبب الاعتماد على ما هو غير صحيح او التفسير الخاطئ لما هو ضعيف أو غير مقبول وهم يتمسكون في أن يكون الاستدلال غير مقبول وهم يتمسكون في ان يكون الاستدلال على صحة الحديث، انه منقول من امام معصوم، او من آل البيت الرسول الكريم ” ص ” وقد جمع العالم الكبير المجلسي الاحاديث المروية عن طريق الائمة او من ال بيته صلى الله عليه واله وسلم في كتاب كبير وطبع قديما في خمسة وعشرين مجلدا، وطبع حديثا في مئة وعشرة مجلدات.
وبالطبع لابد من الاشارة هنا الى ان هذا الكم الهائل من الأحاديث عند كل من الفريقين، قد اتحد في مساحة كبيرة جدا، واختلف في مساحة اقل.. بيد أن التباعد بالاستناد على هذا القليل كان الأقرب إلى طبيعة الأوضاع وجوهر الميول.. رغم كل الجهود التي بذلت وفي مقدمتها محاولات العلامة الكبير الاباضي يوسف الطفيش في كتابه الذي طبع في اواخر القرن التاسع عشر بمصر تحت عنوان “جامع الشمل”.
الجميع يدرك حقيقة أن الخطأ بالدرجة الاولى في هذا الاختلاف، ان الأحاديث لم تدون وهي لم تكتب إلا بعد قرابة مئتي عام، فكم نتوقع يكون فيها من التحريف والخطأ والنسيان “البخاري مات سنة 265 هجري”، وهذا الأمر ينطبق على امور كثيرة غيرها فالاحداث التاريخية التي مرت بالمسلمين لم تدون تفاصيلها ووقائعها واسبابها الا بعد مئات السنين وقد اسهم ذلك في افتراق المسلمين الى فرق واتجاهات وتيارات، حيث تعاملت كل فرقة او تيار بطريقة مختلفة تماما عن الأخرى، تبعا لطبيعة ونوعية الرواية المعتمدة وهنا احتاج إلى ان اشدد على انني لا أقيس مدى صحة هذه المعتقدات والثقافات ولا اعني بتفاصيل الحكم على صحة هذا المعتقد او ذاك ولكنني احاول فقط ان اصل الى حقيقة أن التعصب في تبني نقاط الخلاف على انها نصوص لا تقبل الخطأ والتحريف والسهو، هو الذي قادنا ويقودنا إلى مواقع الخلل الكارثي فالبعض من المسلمين اهتم بخطبة الغدير بينما لم يعرها البعض الاخر هذا الاهتمام.. وارتاب البعض من أحداث السقيفة وما ترتب عليها بينما استحسنها البعض وعدها احد أمثلة تطبيق الشورى وراح البعض من المسلمين يقسمون طرفي معركتي صفين والجمل إلى خير منطلق وشر مطلق بينما يرى اخرون، ان المعركتين ينظر اليهما من زاوية اجتهاد الحاكم.. ويرد البعض الآخر: ولماذا لا ينطبق هذا الحكم على ما حصل لعثمان بن عفان رضي الله عنه ويربط البعض من المسلمين يزيد بجريمة عاشوراء بينما يرى البعض انه بريء منها.
وهكذا بدا نمو الفوارق واتساع رقعة الاختلاف بين فريقين من المسلمين، حيث بات من الناحية العملية والفعلية وجود ثقافتين وكيانين يتحرك فيهما ومن خلالهما التناسل لتعميق الفجوة وتوسيعها لينمو تباعد فكري وعاطفي بين قاعدتي الفريقين. واضح أن ثمة خللا كبيرا في الاستقراء المنطقي لحركة التاريخ، جعل الكثيرين يلوذون بوسطية تصل الى درجة البلاهة في محاولة لتجنب الوقوع في ما يرونه خطأ الاصطفاف مع هذا ضد ذاك نتيجة انعدام القدرة في التفريق بين الباطل والحق بسبب التحريف والتشويه والتزوير والنسيان الذي أصاب عملية النقل لما حدث.
فرؤية معاوية “المؤمن” و “كاتب الوحي” جعل إمكانية الحكم عليه وهو يقاتل امير المؤمنين علي بن أبي طالب، مفارقة لا يمكن التصديق بها او التعاطي معها بسهولة، فراح يتحدث عنها على انها معركة بين الصحابي علي بن ابي طالب والصحابي معاوية بن أبي سفيان… وبدلا من البحث عن الحقيقية وتطايرها بعيدا عن العواطف راحوا يفلسفون المفارقة ويعطون حكما لها لم يقنع الآخرين، حكما يتبنى عدم الدخول في تفاصيل سلبيات الصحابة من مبدأ ان كل تصرفات الصحابة عبارة عن اجتهادات، فمن اجتهد واخطأ له اجر واحد، ومن اجتهد واصاب فله أجران، وهنا يبرز مبدأ طاعة ولي الأمر في ثقافة البعض لينجر خلف سقطات الحاكم والدفاع عنه بصرف النظر عن صحة ما يؤديه من أعمال وأفعال.
إن إعادة النظر بالمواقف في ضوء تبني نظرة موضوعية وعلمية للتاريخ خصوصا ذلك الذي لم يدون في حينها، عنصر مهم من عناصر استرداد الامة لوحدتها سعيا لاسترداد كرامتها المهزوزة والمهددة بالسقوط في حضيض الجهل المستفحل، ما نحتاجه اليوم وفي ظل حالة الهيجان الطائفي الذي تطلقه قوى التعصب ومثيرو الفتن على الجبهتين هو الانتقال من النصوص التاريخية إلى السياسة والاجتماع. اعني بذلك الخروج من هذا المربع السجالي والانطلاق باتجاه تأسيس ما يمكن تسميته بميثاق تعايش عام بين مختلف المكونات المذهبية والدينية.. بالطبع لا اقصد هنا تدوين نصوص أو مواثيق مكتوبة بقدر ما اقصد تنظيم أسس وآداب العيش المشترك بعيدا عن كل اشكال النفي، ونبذ ثقافة الشقاق والأفكار الفتنوية.
ورغم إن للسياسة نصيبا وافرا وسهما كبيرا في تحريك عوامل الفرقة والشقاق فانه يمكن أن يكون لها دور فاعل ومهم في مجال مداواة الجراح والتخفيف من حمأة الصراعات.. ومعروف ان احد اهم اسباب تحريك عوامل الفرقة الطائفية والقومية والاثنية، هم رجال السياسة بيد ان الهياج غير المسبوق سرعان ما تراجع عندما اكتشف ساسة العراق كم هو خطير ومدمر الذهاب بهذا اللعبة إلى نهاية.