لم يتغيّر صديقنا عبد الله العراقي، القادم مع أسرته من ريف الناصرية إلى العاصمة، قبل سبع وخمسين سنة، فمنذ تعرفنا عليه عام 1969، وأصبح واحدا من أفراد شلتنا وهو ثابت على طباعه، متمسك بطريقة رؤيته للأشياء، حتى عودنا مع مرور الزمن على تقبل تلك الطباع واحترامها، لأنه حيث كانت جلستنا جلسة انس ومزاح، تولى زمام الأمر، وعلا صوته على الأصوات كلها، وأضفى على المكان أجواء من المرح لا أحلى ولا أمتع منها، فإذا انصرفت الشلة الى قضية جادة، وناقشت شأنا من شؤون الثقافة او السياسة او الحياة، لزم الصمت، لا ينطق حرفا، ولا يبدي رأيا، حتى اذا انتهى الجميع، وافرغوا ما في جعبتهم من حوارات ووجهات نظر واختلاف واتفاق، انبرى للكلام، وأطلق رأيا لا يلتقي من قريب او بعيد مع اي من الآراء التي جرى النقاش حولها، ولهذا كنا نسميه في حالات الضحك والمزاح (ابو غريب) في اشارة الى آرائه الغريبة، اما الأغرب من ذلك فان عبد الله يطرح ما عنده وينسحب من النقاش مسترخيا على كرسيه، لايخوض نقاشا ولايرد على تعقيب او تعليق، ولا يقول كلمة اكثر مما قال لو انطبقت السماء على الأرض.
في بداية تعرّفنا عليه، كنا ننزعج من هذا السلوك، ونرى فيه نوعا من الاستعلاء ولكننا مع الايام، اعتدنا على طبيعته خاصة وقد لمسنا بالتجربة أي إنسان متواضع هذا الرجل، ولكنه لا يميل الى طريقة حوارنا التي غالبا ما تتحول الى جدل لا طائل من ورائه، تحضرني الآن احدى الجلسات التي تناولت موضوع السياحة ودار الحديث حولها طويلا واتفقنا بعد نقاش سريع على حقيقة مفادها: ان البلد لو اهتم اهتماما حقيقيا بإمكاناته السياحية فان وارداته السنوية تفوق واردات النفط، مثلما اتفقنا على ان السياحة ثروة دائمية قابلة للتطوير، بينما النفط ثروة ناضبة لا مستقبل لها، ولكنا اختلفنا ودخلنا في أنفاق مظلمة من الجدل العقيم. حول أفضل مناطق السياحة وأكثرها مردودا اقتصاديا، هل هي شقلاوة مثلا ام زقورة اور ام آثار بابل ام ملوية سامراء ام سور نينوى… الخ (بغض النظر عن كون السياحة الدينية هي الأفضل من حيث المردود المادي) وهكذا تبنى كل واحد منا موقفا منحازا الى هذه المنطقة السياحية او تلك، وراح يتحدث عن خصائصها وحسناتها وكان واضحا ان اتفاقنا مستحيل، والعراقي يسمع ويتابع من غير ان يشارك او يتفوه بكلمة، حتى اذا انتهينا، بدأ هو بالكلام على عادته وقال (يا جماعة.. انتم تفكرون بطريقة سقيمة ومخجلة، تتحدثون عن الأفضلية هنا او هناك، وقد فاتكم ان السياحة ليست طبيعة ساحرة او آثارا قديمة او مشاهد غريبة، بل هي قبل ذلك راحة السائح، وما يحظى به من ترف ومتع في كل شيء، السكن والمأكل والشرب والنقل والكهرباء والخدمات الهاتفية والتسهيلات المصرفية والاسواق والامن والامان، والعراق لايمتلك منطقة بهذه المواصفات العالية باستثناء مكان واحد يطل على نهر دجلة، مؤهل لاستقبال السياح، وقاطعناه في الحال (انه ابو نواس) ولكنه لم يلتفت الينا، وواصل كلامه (انه المنطقة الخضراء، ولكنها مع الاسف مخصصة للسياحة الداخلية فقط) وحين انتهى توقف على عادته عن الكلام ورفض سماع تعقيباتنا وتعليقاتنا وملاحظاتنا، وتركنا نقلب رأيه ذات اليمين وذات الشمال، ونحن في أعلى درجات الحيرة!

