خبراء الفساد

نجاح العلي
لايختلف اثنان على ان الفساد يضرب اطنابه وينخر جسد المؤسسات الرسمية العراقية بل امتد ليشمل حتى القطاع الخاص الذي انتقلت اليه العدوى من القطاع العام، والذي يعتمد كثيرا في تعاملاته وتمويلاته في احالة المشاريع والمناقصات وابرام العقود، بتقديم عمولات ورشاوى الى الموظفين، مع العلم ان العديد منهم لديه ايدي واذرع مافيوية عالمية مع شركات اجنبية مشبوهة تعطي عمولات للاستحواذ على المناقصات ذات المشاريع العملاقة التي قد تصل الى مليارات الدولارات، ويمكن ملاحظة منافذ الفساد بسهولة واهمها لجان المشتريات فما ان يتبوأ المسؤول منصبا حكوميا حتى يبادر بتغيير موظفي العقود ولجان المشتريات ولجان التعيينات لانها الدجاجة التي تبيض ذهبا والتي يمكن من خلالها تحقيق ثروات طائلة من المال العام. 
في عام 2007 كنت عضو ارتباط اثناء معايشة الخبراء الاجانب واغلبهم تابعون الى الامم المتحدة وينصب عملهم على تطوير كفاءة واداء المؤسسات العراقية وكان تركيزهم على وضع هيكل تنظيمي رشيق يتناسب ومهام وواجبات كل مؤسسة حسب القوانين والتعليمات النافذة لها، ووضع آليات وبرامج ومواصفات معينة لشغل الوظائف الحكومية والكشف على منافذ الفساد من اجل تحجيمها والقضاء عليها، وتوصل هؤلاء الخبراء الى نتيجة مفادها ان اغلب عمليات الفساد المالي تأتي عن طريق لجان المشتريات في الوزارات والمؤسسات والدوائر العراقية، وهو امر تم تشخيصه سابقا من قبل مكاتب المفتشين العموميين وديوان الرقابة المالية، لكن لم يتم اتخاذ اجراءات عملية او وضع بدائل او تعليمات او الالتزام بتوصيات تحد من استمرار هدر المال العام الذي بقي مفتوحا للنهب من ضعاف النفوس بحماية وتواطؤ بعض المتنفذين والمسؤولين.
وقد تناقلت وسائل الاعلام ومصادر حكومية مؤخرا عن قرب وصول وفد من الخبراء الاجانب المختصين بالفساد، ولا اعتقد ان هؤلاء سيقدمون شيئا جديدا، وسيخرجون في النهاية بالاستنتاجات والتشخيصات نفسها التي خرج اليها من سبقوهم، لكن هناك آليات واقعية ستحد بنسب كبيرة من عمليات الفساد وهدر المال العام ومن ضمنها وضع شروط لاعضاء لجان المشتريات من ضمنها ان تكون لديه خدمة لاتقل عن خمس سنوات، وان تكون درجته الوظيفية السادسة فما دون، وان يكون هناك اعضاء دائمون من مكتب المفتش العام وديوان الرقابة المالية يغيرون باستمرار ضمن لجان المشتريات، فضلا عن امكانية التعامل مع منافذ ومراكز تسويقية حكومية يمكن فتحها مستقبلا مثل الاسواق المركزية التابعة لوزارة التجارة، والتي ستحد بشكل كبير من التلاعب بالوصولات بوضع اثمان غير حقيقية مبالغ في اقيامها او التلاعب بمواصفات البضائع والمنتجات عكس ما يتم توريده على ارض الواقع.
الجهات الرقابية المكلفة بمكافحة الفساد في العراق تواجه خبراء ومتمرسون في الفساد مرتبطون بمافيات سياسية ودينية لها حظوة ونفوذ محلي ودولي، وهم بحاجة الى ادوات واجراءات غير عادية اولها ازالة الخطوط الحمر عن الشخصيات المرتبطة بالفساد، ورفع الحصانة القانونية والحزبية والدينية والعشائرية عن المتورطين بسرقة المال العام وتعزيز دور القضاء ودعمه ليكون الاداة الرادعة والفعالة  في هذه المهمة.

ما بعد تحرير الموصل

محمد شريف أبو ميسم 
يحاول البعض اثارة حالة من القلق والخوف مما سمي بمرحلة مابعد تحرير الموصل عبر اطلاق سلسلة من التصريحات أعادت انتاج السلوك القائم على سياسة لي الأذرع ومن ثم فرض الأمر الواقع بهدف تحقيق المزيد من المكاسب على حساب الكم الهائل من الجروح التي ملأت جسد البلاد، ما خلق حالة من التشاؤم لدى العديد من الجمهور بشأن التعايش السلمي الذي يحلم به عموم أبناء العراق بشكل عام وأبناء نينوى بشكل خاص، فضلا عما أفرزته تحركات قوات البيشمركة خارج اطار السياقات والأوامر المركزية التي تدير دفة المعركة مع الارهاب في عموم البلاد ما زاد من حالة القلق خصوصا وان كل مناشدات القيادة العامة للقوات المسلحة لم تجد آذانا صاغية للاحتكام للأوامر المركزية.
من جانب آخر راحت بعض القوى تعيد انتاج الخطاب الطائفي وتسوق ذات الشعارات لخلق المزيد من حالة الشقاق والفرقة بين أبناء هذا البلد بهدف تحقيق بعض الأوهام المريضة والمكاسب السياسية، حتى لكأننا ازاء مستنقع من النزاعات التي تعتاش عليها طفيليات السياسة وما من سبيل لنا سوى ردم هذا المستنقع لوضع حد لروائح العفن السياسي والاخلاقي الذي أصاب جمال بلادنا بالقبح وصفاء أرواحنا بضجيج الفتن القائمة على الشعوبية والعنصرية .
ليس أمامنا الا اعادة النظر بالدستور من خلال رأي عام ضاغط تتصدره النخب من الأكاديميين والجامعيين والفنانين وعموم المثقفين بهدف وضع نهاية لأساليب التسويق السياسي على مطية الطائفية والعرقية، ليس أمامنا الا المطالبة بنص دستوري وآخر في متن قانون الأحزاب يمنعان ممارسة السياسة من منطلقات دينية أو عرقية أو فئوية ويحرمان قيام الأحزاب على وفق هذه المنطلقات ويجرمان الخطاب السياسي الطائفي ويضعانه موضع التحريض على الارهاب.
المؤسف حقا أن توضع البلاد موضع الفريسة التي يغتنهما أبناءها من دعاة الحرب والسياسة الذين تصدروا المشهد تحت رداء الديموقراطية «قسرا» في وقت يتصدى فيه النجباء من أبناء هذه البلاد للظلاميين ويقدمون أرواحهم قرابين في معبد الانتماء لهذه الأرض ، فهذا يريد أن يقتطع أجزاء من نينوى لصالح أوهامه المريضة وذاك لا يتوانى عن فعل أي شيء مقابل الزعامة على أبناء عمومته وآخر يبحث عن امارة يشتريها ببيع الأرض ، وجميعهم صغار أمام الارادات الخارجية عندما تسيّر الأحداث أمام أعينهم ، وكأنهم نعامات نهبن الأرض لكن على أبناء جلدتهم أسود .
كل المعطيات تشير الى أن معركة الموصل هي الصفحة الأخيرة في ملف تواجد داعش على أرض العراق بعد أن حققت أهدافها في تعطيل الحياة وتدمير الاقتصاد ومن ثم أعاقة البلاد عن النمو المبكر في نظر من جاء بداعش وهو يعد العدة لمشروع شرق أوسطي كبير، فهل لهؤلاء الطائفيين والشعوبيين من ارادة قادرة على تغيير مسار الأحداث لصالحهم ازاء الارادات الخارجية التي تتقاطع في بعض مفاصلها مع أطماعهم ، الموصل ستتحرر وسيثار مشروع اقليم الموصل بعد أن تدخل المدينة في طور اعادة البناء والاعمار مثلما ستثار قضية انفصال اقليم كردستان من قبل دعاة الانفصال الذين يحاولون اليوم وضع أيديهم على المزيد من أراضي الموصل بهدف توظيفها في مرحلة مفاوضات الانفصال على الأراضي المتنازع عليها التي لم تحسم بعد وفق ما جاء بالمادة 140 من الدستور، والذين يتربصون بالبلاد متأملين المزيد من الضعف بهدف تحقيق مطامعهم المريضة سيكونون كالأصنام أمام الارادات الخارجية التي ربما ترفض مشروع الأقلمة حاليا ومشروع الدولة الكردية كاجراء تكتيكي وفق ستراتيجية طويلة يراد بها زرع المزيد من الثقة مع القوى النافذة حاليا وهي تسعى لعراق متماسك في الشكل وممزق في وحدة الارادة الوطنية عراق ضعيف تقوده المجاميع الطائفية والشعوبية ويحكمه رأس المال ، وخصوصا رأس المال الأجنبي الذي ما زال مكانه شاغرا في ساحة الاستثمار الاقتصادي في الداخل العراقي جراء تعطل الحياة وتقهقر الفعاليات الاقتصادية الحقيقية في البلاد ، هذا الرأسمال الأجنبي هو الذي سيصنع شكل المشهد السياسي في العراق ما بعد العام 2016 ومن المهم الآن في نظر الارادات الخارجية التي صنعت لنا المزيد من الأزمات على مدار سنوات ما بعد التغيير أن تشهد البلاد مرحلة من الاستقرار الأمني والهدوء السياسي لفتح أبواب الاستثمار بهدف قدوم رأس المال الذي سيدير المشهد السياسي من الحديقة الخلفية للفعاليات الاقتصادية بعد أن شرعت الحكومة الحالية ببرنامجها الاصلاحي في نقل القطاع العام الى القطاع الخاص وانهاء مرحلة الدولة الموازية «التي شكلتها نشاطات اقتصاد الظل» للدولة الأم عبر اكمال التشريعات التي تنظم علاقات السوق وفق المصالح الرأسمالية.  
ازاء ذلك ستبقى الأصوات النشاز متعالية وسط ضجيج النزاعات والبعض يدعي المعرفة بداعش ويدين عهرها في وقت يعيش كالطفيلي تحت ظلها. أحدهم يقول: نحن نعرف داعش ومن أي رحم ولدت ومن أية أموال رضعت وبرعاية منّ ترعرعت وكبرت ، لكنه سرعان ما يتاجر بالمأساة الداعشية في سوق النخاسة الطائفية ، وكل ذلك لأننا أجزنا للشعوبيين والعنصريين والطائفيين أن يكونوا في الصدارة. 

«استالف».. أحلام متعثرة!

كريم فهيم
حين نهبت «طالبان» وحرقت بلدة استالف دفن صانعو الفخار في البلدة الواقعة في شمال أفغانستان، أدوات عملهم وهربوا كي ينجوا من الكارثة، ثم انبعثت القرية بعد ذلك من الرماد من جديد. والبلدة مشهورة بجمالها الطبيعي وبموقعها الاستراتيجي على الطريق إلى كابول.
ولكن الآن، تعاني استالف مرة أخرى، والنجاة هذه المرة أكثر صعوبة، والخطر لا يتمثل في الناهبين ولكن في الإهمال، في الوقت الذي تصارع فيه الحكومة العنف المتسارع وانهيار الاقتصاد، ومع تراجع الوجود الأجنبي. والأفغان الذين كانوا يتنزهون على ضفاف نهر استالف أو يزورون مزارها الشهير توقفوا عن المجيء للقرية بسبب أحوال عدم الأمن في البلاد. ومع الارتفاع المزمن للبطالة تضاءل ما ينفقه زائرو البلدة على المصنوعات والأدوات الفخارية التي يسوقها البائعون في البلدة كمصدر دخل مهم.
واختفى أيضاً الأجانب الذين كانوا ينزلون في القرية أحياناً ليوم واحد في الرحلة إلى كابول وحافظات نقودهم مملوءة بالمال. وهجرتها كذلك مكاتب المنظمات الدولية المختلفة التي سعت إلى مساعدة البلدة وسكانها، كما حدث في أنحاء كثيرة أخرى من البلاد. ولم يتبق من هذه المنظمات إلا لافتات صدئة تعبر عن مشاعر الأجانب الحسنة السابقة. وعلى إحدى اللافتات كتب «أمهات من أجل السلام» وهي جماعة بلجيكية كانت تنظم مشروعات لتعلم الإنجليزية ومحو الأمية، وتدير عيادة للأمومة والطفولة، وتنشط في التعليم الزراعي مع قسم لتعليم صناعة الفخار.
والمتاجر في الشارع الرئيسي في استالف خاوية الآن من المشترين. وأحد التجار يدعى مير غلام رسول، ويبلغ من العمر 70 عاماً، قال: «لقد نسيت شكل الدولار» ليعبر عن الركود الشديد في حركة السوق! وبدوره ذكر «سكوت ليدل» مدير «جبل الفيروز» في البلاد، وهي جماعة غير حكومية تدرب الحرفيين الأفغان على صناعة الفخار، أن استالف تعتبر عالماً مصغراً للحياة الريفية على مبعدة أقل من ساعة بالسيارة من كابول. وهناك جماعة أخرى غير هادفة للربح أسسها زوجان أميركيان قدمت التمويل لترميم أكثر من 100 متجر في استالف، وبحلول عام 2007 تواترت التقارير الإخبارية التي تشيد بالبلدة باعتبارها قصة نجاح أفغانية. ولكن على رغم أن التنمية حسّنت حياة الناس فإن إحدى ركائز اقتصاد البلدة، وهي صناعة الفخار التي يرجع تاريخها إلى قرون، تعاني الآن كثيراً.
وفي متجر آخر في الشارع التجاري، تحدث محمد إسلام مالك زاده عن النشاط التجاري لصناعة الفخار وتسويقه الذي كان قد بدأه جده. وقضي مالك زاده سنوات في سجن «طالبان» بعد أن أغار المتشددون على استالف في نهاية التسعينيات. فقد اعتقله مسلحو «طالبان» هو وآخرين من السكان وضربوهم بعد حرق منازلهم. وعادت الأسرة إلى استالف بعد سقوط «طالبان» وأعادت صناعة الفخار بمساعدة من جماعة «جبل الفيروز» التي عملت لتحسن نوعية السيراميك واستعادة اللمعان الطبيعي المميز التي يفترض أنها تساعد حرفيي استالف على تسويق بضائعهم في الخارج.

فرنسا قنبلة ديموغرافية موقوتة

راشيل مارسدن
حينما بدأت استغرب ما إذا كنت أمضي الكثير من الوقت في الكتابة عن الإرهاب في فرنسا، توجه محمد لحويج بوهيل، لقيادة شاحنة بضائع، مما أفضى عن دهس حشد تجمهر في مناسبة لإطلاق الألعاب النارية بمناسبة عيد الباستيل الوطني بمدينة نيس الفرنسية، ما أسفر عن مصرع 84 شخصاً، وجرح 303 آخرين.
لقد جاء الهجوم في وقت حرج للغاية بالنسبة إلى الحكومة الاشتراكية للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند. وقد نُشر أخيراً، تقرير للجنة البرلمانية التي أمعنت في الوسائل التي استخدمتها الدولة الفرنسية لمواجهة الإرهاب، منذ شهر يناير عام 2015.
ففي يناير 2015 عمد متطرفان لقتل 12 شخصاً بالمقر الرئيسي لمجلة تشارلي أبدو الساخرة. بما فيهم موظفون وضباط شرطة، مع جرح آخرين. وعقب مرور 10 أشهر وحسب، ضربت سلسلة من الهجمات الإرهابية المنسقة مواقع متعددة في باريس، متضمنةً مقاهي، ومسرح «باتاكلان»، والمنطقة الخارجية لملعب فرنسا، الأمر الذي أفضى لقتل 130 شخصاً، وجرح نحو 368 آخرين. لتسعى الحكومة الفرنسية لفهم كيفية وقوع مثل ذلك الهجوم لمرتين متتاليتين.
وأخيرا، عمل التحقيق على إلقاء اللوم بالنسبة إلى الهجمات على البيروقراطية الفرنسية، التي لا تعتبر حتى أجهزتها الأمنية محصنة ضدها، والتي يسهل إرباكها للغاية من قبل الإرهابيين الذين اعتزموا التسلل من خلال الثغرات.
ودافع وزير الداخلية برنار كازنوف، الذي تعمل أجهزة استخباراته في الخارج، وخدمات إنفاذ القانون على الإشراف على النظام، قائلاً: «أريد أن أذكر بأنه ليس لدى (الاستخبارات الداخلية الفرنسية) تفويض للتحقيق مع الأجانب الذين يعملون في الخارج، وذلك كما يعلم جميع المطلعين على مثل هذه القضايا».
كما أشار برنار كازنوف إلى إنه على الرغم من عبور المهاجمين الحدود الأوروبية، فإنه لم يتم التبليغ عنهم من قبل أي أجهزة استخبارية أخرى، حتى أن «الأجهزة الأميركية لم تتعرف عليهم عند عبورهم وسط أوروبا». وبالتالي فإن الأمر عبارة عن غلطة وكالة الاستخبارات المركزية، لإخفاقها التعرف على الإرهابيين من المواطنين الفرنسيين الذين يجرون باهتياج في أوروبا.
وأشار رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس في لقائه مع صحيفة «جورنال دو ديمانش» في أعقاب هجوم نيس إلى صورة قاتمة للموقف قائلا: «يعتبر التهديد الإرهابي حالياً، مسألة مركزية وثابتة، لقد رفضنا رؤية الحقيقة الظاهرة أمام أعيننا، ونسيناها، ومضينا قدماً، ولكن يجب علي قول الحقيقة للفرنسيين، ألا وهي أن الإرهاب سيكون جزءا من الحياة اليومية لفترة طويلة».
وللأسف، فإن الطبقة الحاكمة التي أوجدت تلك الفوضى، نظراً لاتباعها سياسات الأمن والهجرة الضعيفة، ليس لديها أي سلطة أخلاقية لنقل ذلك الفشل للعامة، والطلب من المواطنين الفرنسيين التخلي عن الفكرة المحتملة لاختفاء العنف.
لقد حذر مانويل فالس أيضا من ردود أفعال بعض الذهنيات تجاه تنظيم «داعش»، الذي ادعى مسؤوليته عن تلك التفجيرات. ولكن عذراً، ليس لدى الوزير أي حق في إخبارنا أن لا نضيق ذرعاً من عمليات القتل الجماعية. وهناك طريق طويل أمام رئيس الوزراء والمسؤولين الفرنسيين لجعل أنفسهم مفيدين حتى عقب تحويل البلاد إلى قنبلة ديموغرافية موقوتة.
محمد لحويج بوهيل الذي منح إقامة وصلت مدتها إلى عشر سنوات، (ومسألة الحصول عليها كما يبدو تعد سهلة بالنسبة إلى البعض، كالحصول على جائزة من تسالي كراكر جاك)، ظل عاطلا عن العمل لبعض الوقت، في حين أشارت صحيفة «ديلي ميل» إلى أنه أرسل نحو 240 ألف دينار تونسي، أي نحو 108 ألاف دولار أميركي لعائلته في تونس، في الأيام التي سبقت الهجوم.
وكما تم ذكره، وجد محققون على روابط تجمع بين مقاتلين معروفين والجاني بوهيل، وذلك أثناء تفقد سجل هاتفه، بما فيهم إمام محلي له علاقات مشبوهة بجبهة النصرة.
وفي هذه الأثناء، ينبغي التوقف عن محاولة إخبار العامة في فرنسا بصيغة ردود أفعالهم الواجبة حيال التهديدات الحقيقية لحياتهم. فقد بدى رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس ساذجاً عندما قال إن ردة فعل عمدة نيس، كريستيان استروسي، بالنسبة إلى الهجمات في مدينته، لم تكن ذات معنى كرد فعل عمدة باريس آن هيدالغو. فهذه حرب وليست مسابقة لمعرفة من يمكنه أن يقدم أكثر الاقتباسات الفعالة في مواجهة حالة هيجان مهلكة.
قال رئيس وكالة المخابرات الداخلية الفرنسية باتريك كالفار للجنة البرلمانية: «نحن على شفا حرب أهلية» وادعى احتمالية أن يفجرها «أقصى اليمين». إلا أن ذلك يظهر كاحتمال حقيقي، في حال لم تُجري الحكومة الفرنسية المزيد من الإجراءات لحماية مواطنيها اليائسين.

العرب واحتمالات البقاء!

د. سعد العبيدي
يطوي الزمن صفحاته سريعاً، يحث العالم خطاه سريعاً، كل شيء فيه يبدو سريعاً، ويبدو قطاره الذاهب والآتي واقفا في محطات المكان وقفات سريعة زمنها لا يكفي الا صعوداً بوقع سريع أو نزولاً سريعا منه، ومن لا يفعلها سريعاً سوف لن يتمكن من اللحاق بالركب، وقد لا يتمكن من فعلها الى الأبد. 
واذا ما حدث هذا فسيكون الثمن المدفوع للعيش وراحة البال والاستقرار الأمني ليس قليلا. هكذا هو الشأن لنا نحن العرب والمسلمين أبينا أن نصعد قطار الحضارة بالوقت المتاح والسرعة المناسبة، تحججنا بأوهام القيم والأخلاق واتكأنا في غالب الحجج على الدين وقضايا الحرام ويوم الحساب، وتلذذنا بجهلنا وتخلفنا وأمعنا في كسلنا، وبدلا من الصعود تغنينا بأيام خوالٍ وأمجاد أجداد قضوا منذ آلاف السنين، وقضت معهم تلك الأمجاد التي لم تعد جميعها موجودة ولا نافعة في ماديات عالم اليوم، فأصبحنا بسببها في آخر الركب العالمي نسير الهوينا، وغيرنا يجري بأسرع من الصوت.  
معادلة سير وعيش وأمان وصراع بقاء ومتع حياة لا حاجة لأن نبذل جهداً لإثبات نتيجة تفاعلها البائس، ولا حاجة لاستجلاب السحرة والمنجمين لاستشراف المستقبل المجهول، أمثلة كثيرة دعونا نأخذ أكثرها وضوحاً تنفع في الاستدلال بينها:
ان العرب كتلة بشرية بلغ تعداد نفوسها بحدود (٣٩٢) مليون نسمة، وقد دخلوا أولمبياد ريو دي جانيرو كدول مثل غيرهم من الأمم وحصلوا فقط على وسامين ذهبيين، ومجموع أوسمتهم الى حد أمس الاول أحد عشر وساماً تفوقوا فيها على أذربيجان الفقيرة بواحد. وهي نتيجة تؤشر أن أمتنا ليست سليمة بدنياً ولا تعير اهتماماً لسلامة أجساد أبنائها، ومن كان جسده عليلاً لا يمكنه اللحاق بالركب مطلقاً. 
وان العرب لم يقرأ الواحد منهم في السنة الواحدة وحسب تقارير اليونسكو غير ربع صفحة وعدوه الاسرائيلي يقرأ أربعين كتابا، ومعدل ما يقرأه العربي في السنة ست دقائق فيما يقرأ الأوروبي بمعدل يصل الى مئتي ساعة، ومن لا يقرأ لا يفهم ومن لا يفهم لا يستطيع معرفة المحطة التي يتوقف فيها القطار ولا يستطيع الخروج من تيه الصحراء. 
ولو تركنا الرياضة المختلف على أهميتها شرعاً والقراءة غير المثيرة واقعاً واتجهنا الى جانب آخر يؤشر العيش في الحضارة أو خارجها وهو مقادير الجوائز لنوبل في العلوم، فالعرب وطوال تاريخهم الحديث وكل هذا الكم من السكان لم يحصلوا الا على ثلاث جوائز في العلوم.. اثنان في الكيمياء وواحدة في الطب وأصحابها الثلاثة من أصول عربية يعيشون في أميركا وبريطانيا وسجلوا ابداعاتهم فيهما، وهذا يعني واذا ما افترضنا صحة عروبتهم فإن الحصة الاجمالية للعرب تقل عن  0.40بالمئة من عموم الحاصلين على الجوائز في العالم، واسرائيل وحدها حصدت خمس جوائز في نفس المجال.
نتيجة معادلة اذا ما أضفنا لها الاختلاف بين العرب وغيرهم في المفاهيم ومشاعر العدوان والتناشز المعرفي والنظرة الى الدين والدنيا فسنصل الى استنتاج قوامه: ان العرب يعيشون خارج الحضارة، وهو عيش جعل حاضرهم خطيرا ومستقبلهم مجهولا واذا ما استمروا على هذا الوقع من العيش فسوف لن يبقوا عربا كما هم عليه الآن بأي حال من الأحوال.

الاقتصاد الأميركي والانسحاب البريطاني

ديفيد فرانسيس
يتساءل خبراء «لجنة السوق المفتوحة» التابعة للخزينة الفيدرالية الأميركية منذ عدة أشهر عما إذا كان الاقتصاد الأميركي بلغ من القوة ما يكفي للصمود أمام أسعار فائدة أعلى، وهي التي ستزيد من تكاليف الاقتراض!. وأظهرت توصيات صدرت عن اللجنة يوم الأربعاء الماضي تتعلق باجتماعها في شهر يوليو، أن هذه الشكوك ما زالت متواصلة، إلا أن المخاوف من حدوث انهيار في الأسواق بسبب الانسحاب البريطاني من عضوية الاتحاد الأوروبي، تلاشت بشكل شبه تام.
وجاءت التوصيات الصادرة عن البنك المركزي الأميركي في الاجتماع المخصص لدراسة السياسة المالية يومي 26 و27 يوليو الماضي لتظهر بوضوح انقساماً في الرأي بين الأعضاء المجتمعين حول ما إذا كان من الضروري الاستمرار في تقوية سوق الوظائف في الولايات المتحدة الذي شهد إضافة وظائف جديدة في شهري مايو ويونيو الماضيين. وذكرت أيضاً أن المخاوف المترتبة على قرار بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي «بريكسيت»، قد أثبتت عدم صحتها. كما انقسمت آراء الأعضاء حول ما إذا كان مستوى تشغيل العمالة، والمرونة التي يتمتع بها الاقتصاد بعد التصويت البريطاني التاريخي، كافيين لرفع تكلفة الاقتراض الحكومي، وهو بحث لم تنظر فيه الخزينة الفيدرالية إلا مرة واحدة منذ عام 2006.
وجاء في سلسلة المذكرات الصادرة عن الخزينة في واشنطن يوم الأربعاء الماضي ما يلي: «لقد اتفق الأعضاء بشكل عام على أنه من الحكمة جمع المزيد من البيانات من أجل التوصل إلى تقدير دقيق لحالة سوق العمل ووضعية النشاط الاقتصادي، قبل قطع أي خطوة أخرى في مجال تخفيض مستوى الاقتراض الحكومي». ثم تضيف المذكرات: «إلا أن بعض الأعضاء استبقوا الأمور عندما قالوا إن الأوضاع الاقتصادية سوف تؤكد قريباً ضرورة قطع خطوة جديدة في مجال التخلي عن السياسة الراهنة للاقتراض». ويمكن القول بلغة الصراحة أن ذلك يعني أنهم ما زالوا منقسمين على أنفسهم فيما يتعلق بزيادة أسعار الفائدة.
وفي شهر ديسمبر الماضي، رفعت الخزينة تكاليف الاقتراض من مستوى مقارب للصفر إلى ما بين 0.25 و0.50 بالمئة، وبما يعني أن الاقتراض من البنك المركزي للولايات المتحدة لم يعد إجراء مجانياً، إلا إنه لا يزال منخفض التكلفة بشكل كبير. وفي ذلك الوقت، حدد المسؤولون أربع زيادات في سعر الفائدة يمكن تبنّيها خلال العام الجاري 2016.
ومع تزايد المخاوف حول صحة الاقتصاد الأميركي في فصل الربيع، ومع ظهور المؤشرات الأولى لعزم بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، قرر مسؤولو الخزينة الفيدرالية عدم إجراء أي تغيير على أسعار الفائدة. وهذا يعني أنه لا يزال في وسع الشركات والمستهلكين الحصول على أموال رخيصة التكلفة وبما يضمن مواصلة الاقتصاد الأميركي نموه.
وعلينا أن ننتظر حتى نتأكد ما إذا كان رفع سعر الفائدة يمكن أن يتم قبل نهاية العام الجاري. وما زالت أسعار الفائدة في أوروبا واليابان سالبة، وبما يعني أن البنوك المركزية هناك تعاقب الناس إذا اختاروا الاقتراض وتشجعهم على الإنفاق في إطار محاولة أثبتت عبر الزمن أنها طريقة عقيمة لتحفيز النمو.
ولا تزال التداعيات طويلة الأجل للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي غير معروفة، وفقاً لملاحظات الخزينة الفيدرالية. وترسم لنا البيانات المالية لهذا الأسبوع صورة مشوشة عن الوضع. وانخفض عدد المستفيدين من منحة البطالة بنحو 8600 عامل وموظف خلال شهر يوليو، وهو أول انخفاض يتم تسجيله منذ شهر فبراير. وأكد مكتب المملكة المتحدة للإحصاء الوطني يوم الثلاثاء الماضي أنه لن تكون هناك تداعيات فورية للانسحاب البريطاني.
إلا أن شركة «ماركيت» للبحوث ترى أن الصورة ليست وردية على أي حال. وخلال شهر يوليو الماضي انخفضت نشاطات قطاعي الخدمات والتصنيع في بريطانيا إلى أدنى مستوى لها منذ سبع سنوات. ولاحظت الشركة أيضاً وقوع حالة من «التدهور المأساوي» في الاقتصاد منذ التصويت البريطاني على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

ترويض الشعبويين

خافيير سولانا
في كثير من الديمقراطيات الغربية تتزايد جرأة الشعبويين اليمينيين، الذين يستمدون القوة والنشاط من الانتصارات التي ينسبونها إلى أنفسهم على “النخب المؤسسية”، في الادعاء بأن العولمة تكمن في جذور المشاكل التي يواجهها العديد من المواطنين، وتحظى هذه الحجة بقدر كبير من الجاذبية بين أولئك الذين ركدت مستويات معيشتهم أو تراجعت في العقود الأخيرة، على الرغم من حرص الزعماء السياسيين على الترويج للتجارة وتدفقات رأس المال الحرة باعتبارها الوصفة الأكيدة لزيادة الرخاء، ويملي هذا علينا ضرورة التصدي لهذه الحجة بشكل مباشر.
بطبيعة الحال لا تغذي المظالم الاقتصادية وحدها مشاعر العداء للعولمة؛ فقد نشأت الشعبوية حتى في الدول التي لديها معدلات بطالة منخفضة ودخولها في ارتفاع، ولكن مثل هذه المظالم توفر نواة الحقيقة التي يحتاج إليها الزعماء الشعبويون لاجتذاب الدعم، ومن ثَم يحاولون تأمينها بالحقائق المشوهة والمبالغات، وإذا لم نتصدّ للقضايا الاقتصادية فسيستمر الدعم الذي يحظى به أمثال هؤلاء الزعماء في النمو، وهو ما قد يقود مجتمعاتهم إلى الوراء، إلى زمن أقل تسامحا وأقل ازدهارا.
الواقع أن أمثال دونالد ترامب ومارين لوبان لم يكتسبا موطئ قدم في الساحة السياسية في بلديهما- ناهيك عن الفرصة لقيادتها- بمجهودهما الشخصي، وإنما استغلا شعور العديد من المواطنين بأن الطبقات السياسية، التي روجت لفوائد العولمة في حين سمحت لفجوة التفاوت بالاتساع إلى مستويات غير مسبوقة، هجرتهم وتخلت عنهم.
من المؤكد أن العولمة كانت سببا في تضييق فجوة التفاوت بين الدول إلى حد كبير، ولكن داخل البلدان اتسعت فجوة التفاوت بشكل حاد، فلم تذهب أكبر المكاسب من العولمة إلى الطبقات المتوسطة والعليا في آسيا فحسب، بل أيضا إلى أعلى 1% دخلا في مختلف أنحاء العالم، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع معامل جيني (المقياس الأكثر شيوعا للتفاوت) بنحو خمس نقاط في الفترة من 1990 إلى 2013. كما اتسعت فجوة التفاوت أيضا، ولو بوتيرة أبطأ، في الصين والهند وأغلب الدول الأوروبية.
على الرغم من اتساع فجوة التفاوت، كانت فوائد العولمة ملموسة بشكل أكبر في البلدان النامية، والواقع أن الانفتاح الاقتصادي ساعد في انتشال الملايين من مواطني البلدان النامية من براثن الفقر، ولهذا السبب يزعم الخبير الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش أن العولمة دفعت عملية إعادة الترتيب الأكبر للدخول الفردية منذ الثورة الصناعية.
ولكن في نظر العديد من مواطني الدول المتقدمة، هذه هي المشكلة على وجه التحديد، فهم لا يعارضون الحد من الفقر في بلدان بعيدة، ولكن إذا تصوروا على سبيل المثال أن الصينيين أصبحوا أكثر ثراء، في حين تظل أجورهم الحقيقية (المعدلة تبعا للتضخم) راكدة إلى حد كبير، فلن يقبلوا العولمة، وإذا تعاظمت أيضا ثروات أكثر أعضاء مجتمعاتهم ثراء، فإن الظروف تصبح مهيأة للتمرد المعادي للمؤسسة، وتمثل صورة “النخب غير الجديرة بالثقة” العلف المثالي الذي يتغذى عليه الشعبويون، الذين يزعمون أن العولمة أعطت الأثرياء والأقوياء قدرا من المال والسلطة أعظم من أي وقت مضى. لكن العالم الذي يأمل الشعبويون وناخبوهم إعادة خلقه- عالم الدول المتساوية المكتفية ذاتيا والمعزولة عن التطورات التي تجري من حولها- لا وجود له ولم يكن له وجود قط، وأي محاولة لإغلاق الاقتصادات- ناهيك عن الحدود- ستُمنى بالفشل الذريع.
تتلخص الطريقة الوحيدة لوقف مد الشعبوية المدمرة المتصاعد ومنع الانجراف نحو تدابير الحماية المدمرة في إعادة التواصل مع الدوائر المحبطة، وإيجاد السبل للاستجابة لمظالم الناس الاقتصادية الحقيقية، وتتمثل الوظيفة الرئيسة لأي حكومة وطنية في حماية التوازن الاجتماعي الذي يشكل العمود الفقري للأنظمة الديمقراطية، ولهذا السبب لا ينبغي للزعماء أن يرفضوا العولمة، بل يتعين عليهم أن يعملوا على توجيهها، بحيث تعزز مصالح مواطنيهم ورفاهتهم. وتشكل المبادرات الجريئة لمعالجة التفاوت بين الناس أهمية بالغة، فبالإضافة إلى التدابير المؤقتة، التي تهدف إلى تحسين الظروف الاقتصادية للناس على الفور، يتعين على الزعماء أن يعملوا على تطوير أنظمة تضمن أن المواطنين مجهزين لتحقيق الازدهار في عالم تحكمه العولمة في الأمد البعيد، وسيشكل الإبداع، ومهارات حل المشاكل، ورفع الكفاءة الشخصية، ضرورات أساسية. علاوة على ذلك يتعين على السلطات الوطنية أن تتعاون في ما بينها لتحسين الحوكمة العالمية، ففي السنوات الأخيرة أصبحت أوجه القصور التي تعيب هياكل الحوكمة القائمة، وخاصة في ما يتصل بقضايا مثل الضرائب وتشغيل العمالة، واضحة بشكل صارخ، وتتضمن أجندة قمة مجموعة العشرين التي تستضيفها الصين الشهر المقبل مناقشة تدابير ملموسة للحد من التفاوت، لكن الكلام لا يكفي؛ بل يتعين على الزعماء أن يعملوا على ضمان ترجمة المناقشة إلى عمل حقيقي.
وكلما أسرعنا في تحقيق هذه الغاية كان ذلك أفضل، فلن يُفضي التحول الجاري الآن في سوق العمل نتيجة للتقدم في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي إلا إلى جعل التعامل مع قضية التفاوت أمرا أشد صعوبة في المستقبل، وكما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن أتمتة المهام اليدوية والمتكررة بشكل أساسي ستؤثر في أولئك الذين لا يحملون شهادات جامعية، المجموعة نفسها التي تشعر بالإحباط بالفعل إزاء ظروفها الاقتصادية. على مدار العام المقبل ستشهد أوروبا والولايات المتحدة انتخابات وطنية مهمة، وإذا انتصر الشعبويون فستتعرض إنجازات اجتماعية مهمة عديدة للخطر، ومن الأهمية بمكان لهذا السبب أن يثبت الزعماء الوطنيون، على الفور، أنهم قادرون على التصدي للتفاوت ومعالجة محنة أولئك الذين يشعرون أن العولمة خذلتهم. إن انتصار الشعبوية يعني أن الطبقات السياسية خذلت مواطنيها حقا، وكان من الواجب أن يدفعنا انتصار حملة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي إلى التحرر من وهم مفاده أننا نتمتع بالحماية على نحو أو آخر من المخاطر التي نراها من حولنا، فما لا يمكن تصوره قد يحدث وقد يفوز الشعبويون، والآن حان الوقت لكي يثبت الزعماء الوطنيون أنهم منتبهون إلى الخطر.

الشباب وإدارة السلطة

رضــــا الأنصاري
للشباب دمٌ ثائر يتجدد، وروحٌ يخالطها العنفوان، تفيض بسواحلها الإرادة لمسك زمام السلطة بأكف الحداثة والتطور، ومحاكاة الشعوب والأمم، على إختلاف أقوامهم بلغة الإبداع، ولأن الشباب الشريحة التي تضفي الحيوية بالمجتمع، فهي الأداة التي تحركه وتسند الدولة بنفس الوقت! للسلطة دورها في مفاصل الحياة الحكومية منها والمجتمعية والدينية، وصارت السياسة تتدخل في كل شيء يضمن وجود السلطة، ومنها ما أُستغل سلباً كما في العراق! ومنها أيجاباً كما في بعض دول العالم المستقرة، بمجتمعها وحكومتها.
الإسلام سيس السياسة على إنها مسؤولية تدار بالكم لا بالفرد، أيماناً منه بأن التفرد بالسلطة يقود الى شبح الدكتاتورية، والتي بقت تدفع ثمنها شعوب المنطقة العربية، طوال عقود من السنين، الربيع العربي الذي عصف بتلك الدول، أتصف بأنه شبابي بأمتياز! بعث روح الأمل بإدارة السلطة في تلك البلدان بطابع شبابي! بغض النظر عن مساوئ الحكم والسياسة بين بلد وآخر ولعل من أهم أسباب تلك المساوئ، هو تصدير تلك الثورة الى أحضان بعض مرتزقة السياسة، والمصالح الشخصية.
للفكر الشبابي خاصيته، التي يمتاز بها، وهي دعوته الى التجديد حتى على مستوى السياسة والحكم، حتى صار شعار الشباب في إدارة الدولة، مبني على “متغيرات السياسة”بما يتناسب مع مفهوم حداثة العالم، يذكر أن فرنسا عام (1968)م، شهدت أكبر حالة للتظاهر والعصيان المدني! وكانت تقوده الفئة الشبابية الطلابية بنسبة (95%) إنتهى بتحقيق الهدف، وحل الجمعية الوطنية! والإعلان عن عقد إنتخابات برلمانية! كذلك نرى الإنتفاضة الشعبانية في العراق عام (1991)م، تجدها ثورة شبابية! بدماء ثائرة وروح يفيضها العنفوان.
السلطات في العراق، حالها حال دول العالم، هي معنية بتوفير متطلبات العيش للمواطن على إختلاف طبقاته، ولكن وللآسف، السلطة بالعراق تدار بتوربينات معاكسة! فبدلاً من أن توفر دخل كافٍ للفرد، راحت تستقطع من ذلك الدخل لصالحها! وبدلاً من أن توفر الخدمات والأمن للشعب، راحت توفرها لمقرات ومناطق الساسة! وبدلاً من أن توفر متطلبات العيش للمواطن بالمجان، راحت تفرض رسوم وضرائب على كل خدمة تقدمها للشعب بما يفوق دخله المحدود.
الدور الشبابي بدى منزوي! في خضم تكالب بعض المكونات على السلطة، حتى القاعدة الشبابية التي تعنى تحت المكون، تفكر بعقل الفئوية الهَرِمْ! وتتحرك بين حواف كفيها! عندما يتكلم السياسي عن دور الشباب في إدارة السلطة وبناء الدولة، تجده يقدم شعاراته المعسولة كذباً بأحرف من ذهب! ولم نلمس وقفة جادة تدفع بذلك ألاتجاه! وحتى يقال الحق، لفت نظري كلام لرئيس المجلس الأعلى وهو يدعوا الى تخفيض سن المشاركة في الإنتخابات الى ما فوق 25 سنة بعد إن كان بما فوق 30 سنة.
الحكيم بهذه الدعوة فتح الأفق الأوسع للشباب، وأعطى زخما شبابي لبناء دولة عصرية، تنطلق من حداثة العصر ورؤى الأسلام الحقيقي، وهذا ما يبرهن عن وجود رؤية ناضجة في ذهن هذا الشخص! يمكن من خلالها، الإستفادة في إرجاع العملية السياسية في العراق الى أسسها الصحيحة، كما في باقي دول العالم، إلتزام الشباب من قبل العملية السياسية، وبناء الدولة، جاء من عدة معطيات نذكر منها:-
• تفعيل دور الشباب في المجتمع، يضمن لنا حكومة فتية عاملة لكل زمن وجيل! وأشبه ما يكون بوجود فرق كرة القدم مثلاً، ففي حال فقدان المنتخب الوطني لياقته، هنالك فرق رديفة، كالأولمبي او الناشئة مثلا, والتي تضمن إستمرار وديمومة اللعبة في البلد.
• للشباب طاقة جسمانية وروحية تتجدد! وقدرة على تحمل وإجتياز الصعاب! للوصول الى الهدف بالمغامرة. 
• للشباب صفة التخادم أكثر من غيرهم! في عملية إدارة الدولة والسلطات بالبلد.
• دائماً ما تجد الروح الشبابية تحاكي المجتمعات المتطورة! بتجددها وتكيفها مع حداثة العصر.
• الطموح عند الشباب الى الدور الريادي والقيادي، في المجتمع والحكومة، بشكل جماعي! يدفع بالعملية السياسية نحو الأستقرار والتفاهم بين الشركاء.
وأخيراً، إذا ما أستطعنا تفعيل الدور الريادي للشباب،أستطعنا حينها أن نضمن إدارة صالحة للسلطة مع كل جيل وزمن، وإذا ما أراد الجيل الشبابي أن يرتب أثر على إدارة السلطات، عليه أولاً ان لا يقتل وقته بالتفكير في مناقشة حيثيات وجزيئات السياسات الماضية، ليس لدينا الوقت لإعادة شريط الأخطاء، ولكن هذا لا يعفينا من تشخيصها لضمان عدم تكرارها، ثانيا لابد من رسم خارطة للطريق، وتكسير قيود الماضي التي فرضتها السياسة الخاطئة، فأكلت وشربت من أجساد ودماء شبابنا تهوراً وتعنتاً وتخبطا.

عوائل الشهداء تحت الضغط

اسعد عبد الله عبد علي
كانت ليلة حزينة جداً, حيث جاء الخبر لجاري أبو فاطمة, بان ابنه استشهد في منطقة الخالدية, ابنه عمار هو احد جنود الحشد الشعبي, ترك كل متع الحياة ليتوجه إلى ساحات القتال, ليواجه أعداء الإنسانية (الدواعش وأعوانهم), الشهيد عمار في عنفوان الشباب بالسابعة والعشرون فقط, ولديه طفلة صغيرة “فاطمة”, لم ينام الحي, فكان الشهيد وأبوه لطفاء ومحبين للناس, مما جعل الناس ترتبط بهم وتشاركهم الحزن, البكاء لم ينقطع, حتى في بيتي كلما تذكروا ابنة الشهيد بكت النساء. أفكار كثيرة تدور في مخيلتي عن الشهيد عمار, يا ترى بعد أن قدم عمار نفسه فداءً للوطن, هل سيكون هنالك اهتمام من الدولة, متناسب مع حجم التضحية؟
كثير من عوائل الشهداء تعاني من صعوبات كبيرة جدا, فكان الاعتماد سابقا على الشهيد في كل أمور حياتهم, والان استشهد ورحل للعالم الثاني, عندها تبدأ معانات عائلته, نتيجة فوضوية الحكومة, فماذا تفعل العوائل لتوفير احتياجاتها, ومن أين تأتي بالمال, ومن يهتم بالأطفال ويحل مشاكلهم, محنة كبيرة تحيط بعوائل الشهداء, نتيجة الفراغ التشريعي والضعف الحكومي.
حتى الجانب المعنوي هنالك تقصير اتجاه عوائل الشهداء من قبل الحكومة والأعلام, عبر صخب بعض الطائفيين والمغفلين, وسموم إعلامية لفلول البعث, فالأكثر فظاعة أن يقوم بعض الساسة بمهاجمة الحشد والطعن بولائهم, والأدهى قيام بعض القنوات الإعلامية بالترويج لهم, فانظر لحجم الإساءة لعوائل الشهداء, عبر إعلام عراقي مثير للشكوك, وساسة طائفيين لا تهمهم مصالح الوطن, والمحزن أن يمر هذا التجاوز من دون أي موقف حازم من قبل الحكومة, مما يثير علامات استفهام كبيرة بحق الحكومة.
الجهة التشريعية “البرلمان” كانت بطيئة جداً, في عملية إيجاد قوانين تتناسب مع ما يقدم من تضحية, الحشد انطلق لساحات القتال منذ شهر حزيران 2014 بعد نكسة الموصل, والان نحن في عام 2016, وهناك مشاريع قانون ضمن مؤسسة الشهداء وأفكار برلمانية لدعم عوائل شهداء الحشد, هنالك خلل دائم في البرلمان, والسبب في الكفاءة والخبرة التي يفتقدها الكثيرون, مما أوقع الضغط على الشعب, فلما التأخر كل هذا الوقت, وما ذنب العوائل التي تعطي رجالها فداء للوطن, وان تتعسر حالها, حتى أن البعض يصعب عليه شراء الدواء.
في الختام نؤكد على نقطتين:
أولا: أهمية الملاحقة القانونية لكل من يسيء للحشد الشعبي, باعتبار انه يدعم الدواعش, نعم لا ضير من الإشارة لسلبيات بهدف الوصول للكمال, أما الساعين للإساءة والتسقيط, الذين يجعلون الحشد تحت خانة الإرهاب, فهؤلاء جنود إعلامية والسياسية مخلصة جدا للدواعش وأيتام البعث, لذا الملاحقة القانونية مهمة وتمثل جانب معنوي مهم لعوائل الشهداء.
ثانيا: وضع إلية فاعلة في الواقع, لمعالجة مشاكل ذوي الشهيد وخصوصا الأطفال والنساء, ونركز هنا على المشاكل المادية والنفسية, مع أهمية توفير العلاج لعوائل شهداء الحشد, كنوع من العرفان لما قدموه, بدل الإهمال الكبير الحاصل ألان.

التقاعد الإجباري

باسم العجري
بين الحيوية المفعمة بالعطاء، وبين العمل المتواصل، ينطلق النشاط الفكري الموازي للحركة الجسمانية، والعضلية، ليصل إلى الطموح، الذي يرغبه الشباب، ولتحقيق الأمنيات التي ظلت حبيسة العقل، لتصبح مشروع عملي، ومنهج يخطه الشباب، وصولاً إلى متبنياته الفكرية، وتطبيقها على أرض الواقع، وهذا يسهم في تطور عجلة الحياة، وينهض بالبلد إلى مستوى الُرُقي والتحضر، وهنا ماذا قدم الوطن للشباب؟.
الصدأ يصيب العقل البشري، لأسباب عدة، منها التركيبة البنيوية، التي نشئ عليها، وأفكاره الملازمة معه طيلة حياته، نتيجة اضطهاد معين وقع عليه، أو البيئة التي عاش بها، تعكس فكره، وبهذا سلوكه يتحدد، ولا يستطيع أن يفارقه، وهذا الأمر ينعكس على تصرفاته الشخصية، ويحاول أن يؤثر على المجتمع، وكذلك هناك عقول، تنظر إلى الأفراد نظرة فوقية، ويحسب نفسه هو صاحب الفكر والتصور الفريد، ويعيش الدور مع نفسه، ويتخيل فرضيات ظالمة، هي في داخله فقط، لكنه يبني عليها تصوراته، ويقرر قرارات في الأخر يندم عليها.
الشعوب العربية عانت كثيرا من كهول السياسة، لأنهم نزعوا روح الوطن، وجعلوا المجتمع يقبع تحت أكوام الإخفاقات، والإحباط دب في نفوسهم، وقتل إرادة البناء، وقيض كل مساعيهم، فالسياسة قذرة، عندما تنطلق من فكر منحرف، وتتحول إلى ضبابية مع مرور الأيام، وبهذا يؤثر على المسلك السياسي العام للبلد، وتجد هناك إتباع كثر لهذا الفكر، ممن يبحثون عن مصالحهم الخاصة، ويحاولوا أن يقفوا حجر عثرة بوجه الشباب، والتجديد الفكري، وطرح متبنيات حضارية تواكب العصرنة.
الطبقة السياسية المهيمنة على السلطة، تلعب دور كبير في تهميش وإقصاء، القيادات الجديدة، وخصوصا الدماء الشابة، لأنهم هؤلاء سيكون لهم الريادة في المستقبل، كذلك الطاقات الشابة يطبقون الديمقراطية، بشكلها الحقيقي، ويدافعون عن قيمها، لأنهم تعايشوا معها، وعشقوا حرية الرأي والتعبير، وهذا هو الوعي السياسي الحقيقي، فقد يعلو صوتهم في الأيام القادمة، بوجه من غيبوهم، عمدا كان، أو نتيجة التجاذب والمخططات، من العاملين في السياسة، من داخل البلد وخارجه.
في الختام؛ كهول السياسة، وصلوا إلى النهاية، وخيمة الشباب، تقودهم إلى التقاعد الإجباري.