شبح «المكارثية»

هنري جونسون
تتشارك المقترحات السياسية لدونالد ترامب قليلًا مع القواسم المشتركة لعقيدة الحزب «الجمهوري»، لكن «حقائقه» نادراً ما تتفق مع السجل التاريخي.
بيد أن واحداً على الأقل من مقترحاته – وهو إحياء إحدى ممارسات حقبة الحرب الباردة، والتي تقضي بحظر الأجانب الذين يحملون معتقدات سياسية «غير صحيحة»، بها إلى حد ما- أساس في الواقع. وقد طرح الملياردير الفكرة يوم الاثنين الماضي خلال خطاب غير متسق عن السياسة الخارجية، مستشهداً باختبار يعود إلى عقود ماضية كنموذج في الكيفية التي سيمنع بها المتطرفين الإسلاميين من دخول الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، قال ترامب «أثناء الحرب الباردة، كان لدينا اختبار الفحص الأيديولوجي، وقد حان الوقت لتطوير اختبار فحص جديد للتهديدات التي نواجهها اليوم».
ويبدو أنه كان يستخدم كمرجع له قانون «ماكاران – والتر» المثير للجدل، وهو اللائحة التي جاءت في حقبة «مكارثي»، التي يقول النقاد إنها انتهكت القيم الأميركية دون أن تفيد أمن البلاد.
ويقضي قانون 1952 باستبعاد الأجانب على أساس المعتقد الأيديولوجي، حتى وإنْ كانوا لا يشكلون تهديداً مباشراً للأمن القومي الأميركي.
 وقبل أن يلغي الكونجرس هذا القانون عام 1990، كان بإمكان الحكومة حظر دخول أي مواطن غير أميركي كان قد عبر عن تأييده للشيوعية أو الفوضوية، أو ما يرتبط بهما من أفكار. يقول «ديفيد كول»، أستاذ القانون بجامعة جورج تاون، والذي رفع القضية التي أعلنت أن القانون غير دستوري: إن هذا القانون «يستبعد الناس ليس بسبب ما فعلوه أو خوفاً مما قد يفعلونه، ولكن ببساطة بسبب ما قالوه أو بسبب من يرتبطون معهم». ولمعرفة ما إذا كان شخص ما على الجانب الخطأ من الطيف السياسي، قال «كول» إن الحكومة لم تكن تجري اختبارات، لكنها تعتمد على جمع المعلومات الاستخباراتية وافتراض أن هذا الشخص يحمل أفكاراً معادية للولايات المتحدة، وهذا يعني أن إدارة ترامب يمكن أن تحدث توسيعاً جذرياً في عمل وكالات الاستخبارات لجمع المعلومات ليس فقط عن إرهابيين محتملين، بل أيضاً عن أشخاص يعبرون ببساطة عن آرائهم.يقول «كول» إن القيام بهذا غير ضروري، والأسوأ من ذلك أنه «يتعارض بشكل قاطع مع التزامنا بالتبادل الحر للأفكار».

لا تخافوا من ثورة «الروبوتات»!

ستيفن بيرلشتاين
كان زميلي ديفيد إغناتيوس على حق عندما أشار في مقالته المنشورة في صحيفة «واشنطن فوروم» بتاريخ 12 أغسطس الجاري تحت عنوان «عندما تسرق الروبوتات كل مناصب العمل»، إلى أن ملايين الوظائف أصبحت مهددة بالانقراض بسبب بعض الابتكارات الجديدة مثل السيارات ذاتية القيادة وأنظمة تمييز الأصوات والمكونات الليّنة الذكية «السوفتوير» بنفس الطريقة التي تعرضت بها أيضاً ملايين الوظائف للإلغاء بسبب الحاصدات الميكانيكية وأشعة الليزر ذات الدقة البالغة وأجهزة الكمبيوتر. وستتجلى نتائج هذا التطور في تغيرات اقتصادية مهمة. ومثلما حدث عندما اقتنصت ظاهرة العولمة كثيراً من فرص العمل، فإنْ لم يتبنَّ الرابحون سياسة أفضل للحفاظ على الأمن الاقتصادي لفئة الخاسرين، فسيؤدي ذلك إلى رد فعل عنيف.
ومع ذلك، فإن هناك كثيرين أمثال إغناتيوس يتخوفون من أن تكون هذه الموجة الصادمة من التطور التكنولوجي مختلفة، ويتمنون ألا تكون كافية في النهاية لحرمان ملايين الناس من فرص العمل والكسب من أجل مواصلة الحياة والإنتاج.
ويواجه هؤلاء المتشككون ظروفاً صعبة عندما يحاولون تصور ما يمكن لسائقي سيارات الأجرة والمحاسبين فعله بعد أن تصرفهم الثورة التكنولوجية الجديدة من أعمالهم. إلا أن التجارب التاريخية تفترض بقوة أنه ستكون هناك في المقابل وظائف جديدة ومتوفرة، وبأجور لا تقل عن تلك التي يتقاضاها العاملون في بقية القطاعات الاقتصادية.
وعلى كل إنسان أن ينتبه قبل أي شيء آخر إلى أن هذه القفزات التكنولوجية ستتبناها الشركات حتى تتمكن من تخفيض تكاليف الإنجاز والإنتاج. ولهذا السبب، فسيشتري الناس كمية أكبر من الخدمات والسلع التي يبيعونها، وبما يزيد الطلب على هؤلاء العمال المنتجين إلى الدرجة التي تعوّض عن فقدان وظائف العمل بسبب الأتمتة.
وقبل جيل مضى، مثلاً، كان السفر الجوي باهظ التكلفة إلى درجة أنه لم يكن متاحاً إلا للأغنياء. غير أن التطورات التي طرأت على تكنولوجيا تصميم وبناء الطائرات وابتكار أنظمة حجز المقاعد بواسطة أجهزة الكمبيوتر غيّرت هذا الواقع تماماً. والآن أصبح ملايين الأميركيين يسافرون بالطائرات لإنجاز أعمالهم أو لأغراض المتعة والسياحة أو للعودة إلى الوطن لقضاء الإجازات. وانخفض في مقابل ذلك عدد الموظفين المكلفين بالتحضير للرحلات الجوية وزاد عدد الطائرات التجارية بشكل كبير.
ولا تقتصر عوائد وفوائد هذه الزيادة المسجلة في معدل الإنتاجية على انخفاض الأسعار التي يدفعها المستهلكون لقاء التمتع بهذه الخدمات، بل إنها زادت أيضاً من الطلب على الموظفين الأكفاء ذوي الأجور المرتفعة. وتذهب بقية العوائد إلى الشركات وحملة الأسهم على شكل أرباح متزايدة. ودعونا لا ننسى أيضاً مناصب العمل الجديدة ذات الأجور الضخمة التي أفرزتها الحاجة المتواصلة لتطوير قطاعات التصميم والتصنيع والتسويق على رغم أن هذا التطور التكنولوجي بحد ذاته هو الذي يقضي على مناصب العمل ذات الأجور المنخفضة. وبسبب المدخول المادي المرتفع للعمال المهرة، أو من تبقى من العمال، بالإضافة إلى حملة الأسهم ومنتجي التكنولوجيا، فإنهم سيشترون سلعاً وخدمات من كل الأنواع ليزيدوا بذلك الطلب عليها وبما يصبّ في فائدة العمال ذوي الأجور المنخفضة أيضاً.
ويمكن تلخيص هذه الدورة بطريقة أبسط. وهي أن الرابحين من التكنولوجيات التي تعجل بتلاشي مناصب العمل سيعملون على توظيف عدد أكبر من عمال الأجور المنخفضة مثل عمال صيانة الحدائق ومربيات الأطفال وما شابه ذلك من وظائف لا تحتاج إلى كفاءة عالية.
 كما أن العمال المهرة سيفوزون بعطل أكثر، ويتناولون عشاءهم في المطاعم، ويشترون السيارات والقوارب واليخوت والبيوت الفاخرة، أكثر من غيرهم. فضلاً عن كون هذه الشريحة تساهم أيضاً في تنشيط خدمات أخرى مثل إصلاح وخدمة السيارات والتدريب والتعليم والطبابة النفسية وغيرها، وبعضها من الخدمات ذات الأجور المنخفضة.
وقد أصبحت الطريقة الوحيدة المتاحة أمام شركات تشغيل العمالة ذات الأجور المنخفضة من أجل مواجهة الزيادة المتواصلة في الإقبال على خدماتها، تكمن في زيادة أجور العمال حتى لا يغيّروا وجهة عملهم. ونضرب مثلاً على ذلك بأن مدرب رياضة «اليوغا» في المدن الأميركية الكبرى يمكنه أن يربح ما يصل إلى 30 دولاراً في الساعة الواحدة. وهذا الأجر لا يختلف كثيراً عن ذلك الذي يتقاضاه الموظفون ذوو الكفاءة العالية. ونحن نعلم أن الموظفين الكتبة والعمال كانوا يشكلون قبل انطلاق الثورة الصناعية الطبقة العاملة الجديدة أو العصرية.
كما أن الموظفين والعمال الذين يفقدون مناصب عملهم بسبب التطور التكنولوجي، لابد أن تبقى لديهم الرغبة في البحث عن فرص جديدة، كأن يتعلموا بعض المهارات، أو يرحلوا إلى مدن أخرى. وإذا لم ينجحوا في فعل ذلك فستصبح قدرة الاقتصاد على تأمين الوظائف لكل العمال مثيرة للإحباط.
ويقول المشككون في هذا الدور الذي تلعبه التكنولوجيا إن المحاسب المالي الذي ينتزع منه برنامج تطبيقي ذكي وظيفته ليس من المحتمل أن يتحول إلى مهندس متخصص بابتداع البرامج التطبيقية الحاسوبية.

العالـم مع العراق

إياد مهدي عباس 
جاء المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب في بغداد في سياقه الزمني الصحيح بعد ان ترسخت ثقة المجتمع الدولي بقدرة العراق على دحر الإرهاب بعد تحقيق الانتصارات وتحرير الفلوجة والاستعداد لتحرير الموصل. وقد لبى هذا المؤتمر حاجة دولية وإنسانية لتوحيد الجهود في ملف مكافحة الإرهاب بعد ان تم توسيع الهجمات الإرهابية لتصل الى دول محصنة ولتزيد من معاناة بعض الشعوب والدول وازدياد أعداد النازحين والمهاجرين كتداعيات طبيعية للمعارك والاقتتال الطائفي الذي تقف وراءه افكار متطرفة ومؤسسات دينية عربية معروفة.
احتضان العراق لهذا المؤتمر جاء في توقيت مناسب ويعبر عن رغبة العراق بفضح الجرائم الإرهابية أمام العالم وإيجاد تعريف واضح للإرهاب وإيصال رسالة الى العالم بأن الإرهاب أصبح خطرا يهدد الجميع ويجب إيجاد آليات دولية للحد منه من خلال جهود الحكومة العراقية في جلب أنظار المجتمع الدولي صوب الجرائم التي ترتكبها التنظيمات الإرهابية.
وسعى المؤتمر إلى الحصول على التأييد الدولي للعراق في مكافحة الإرهاب من خلال تفعيل الكثير من الملفات منها مسك الحدود وايقاف تدفق الارهابيين ومكافحة الفكر المتطرف في مهده قبل ان يصل الى الشباب في شتى بقاع العالم وضرورة ايقاف الدعم المادي والاعلامي واللوجستي الذي تقدمه بعض الدول والمنظمات للعصابات الارهابية وعندما نتحدث عن الإرهاب وعن الدعم المقدم له من بعض الدول لا بد من الإشارة إلى ان الكثير من دول العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية والعربية قد أخطأت بدعمها للجماعات المسلحة في سوريا تحت عناوين الديمقراطية، الأمر الذي ساهم في تقوية شوكة الإرهاب حيث تسربت تلك الأسلحة والمعدات الى تنظيمات إرهابية تعمل تحت لافتات الاعتدال والديمقراطية واستخدمتها لإدامة العنف وتأجيج الفتنة الطائفية.
وقد جاءت المشاركة الاوروبية الفاعلة في المؤتمر بعد ان تولدت قناعة لدى تلك الدول بأن المقاتلين الأجانب الذين توافدوا الى سوريا والعراق من جميع بقاع العالم أصبحوا يشكلون خطرا كبيرا على بلدانهم وعلى السلم العالمي في حال عودتهم الى ديارهم إضافة الى ان الأحداث الاخيرة أصبحت تزيل الجليد عن الحرب الباردة بين المحاور الكبرى بعد ان أصبحت سببا للخلاف والتصعيد الدولي واصطدام المواقف الدولية, ما جعل العالم يشعر بخطر ما يحدث اليوم لأن الإرهاب أصبح لا يعترف بالحدود وصار خطرا يهدد جميع دول العالم.
لقد كان هذا المؤتمر تعبيرا عن الاخطار والازمات التي تتعرض لها الكثير من الدول بسبب الارهاب لندرك حقيقة مهمة وهي ان العراق اليوم يقود العالم في قضية مكافحة الإرهاب وان دول العالم مطالبة بموقف حازم ضد الجهات التي تعمل على دعم الإرهاب من خلال اتخاذ إجراءات صارمة بحق الدول والمنظمات الداعمة للعصابات الارهابية ووضع ستراتيجية دولية لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة.  

حلب وسيناريو الحرب الأخيرة

علي حسن الفواز
لماذا تكتسب معركة حلب بعداً ستراتيجيا في سياق الحرب على سوريا؟ ولماذا كثرت التدخلات الدولية لتعطيل حسم هذه المعركة؟ ولماذا راهن الإرهابيون على رمزية هذه المدينة رغم أعداد قتلاهم الكبيرة؟.
كلها أسئلة تدخل في سياق مواجهة الارهاب التكفيري، وطبيعة المرحلة التي ستتشكل بعده، ولعل معطيات المعارك الأخيرة في حلب ودخول الطيران الروسي في تغيير معادلة الواقع تؤكد أن معركة حلب هي الرهان الأخير للجماعات الارهابية، لما تمثله هذه المدينة من رمزية تاريخية، ومن بعد مهم في الجانب التسويقي، وفي سياق فرضيات الحلول المفترضة. 
معركة حلب لم تعد حرب مناوراتٍ، ولا حتى حرب (الاقتراب غير المباشر) كما يسميها الخبير العسكري ليدل هارت، بل هي جزء من حرب النهايات، تلك التي تدخل في سياق تغيير الموازين، وحسم المعطيات السوقية على الأرض، وهو ما بات واضحا من خلال زخم القوة النارية المستخدمة، وحجم التدخلات الاقليمية والدولية فيها، فضلا عن حجم الجماعات الارهابية من الأصول غير السورية الوافدة الى جبهات حلب الجنوبية والغربية الساخنة.
حرب المواقع في حلب تكشف عن رهانات لوجستية، وعن محاولات لايجاد ثغرات في الحرب المفتوحة، وبقطع النظر عن توصيف معاركها فإن خصوصيتها تكمن في التأثير على الخارطة العسكرية وعلى معنويات القوات النظامية وحلفائها، لا سيما في تجمع المواقع العسكرية في كليتي التسليح والمدفعية، ومعمل السمنت والراموسة، وهذه المعارك الخالية من (الحس الثوري) تحولت الى حرب عصابات، والى إرهاب منظم. ورغم الخسائر الفادحة في الارواح والمُعدات، إلّا أنّ الاصرار على فرض سلطة الواقع عبر تهويل الحرب يعني السعي لفرض ضغط على مجريات التفاوض السياسي، وعلى حجم التدخل الدولي والاقليمي، هو ما يضع النظام السوري أمام حسابات داخلية واقليمية، في مواجهة هذا التصعيد المدعوم خليجيا ودوليا!!.
حرب الانتحاريين
الاسلوب الانتحاري منطق غير عسكري، وسلوك ينم على الكراهية واللامهنية، فضلا عن ما يحمله من نزعات تدميرية تغذيها ايديولوجيات عصابية وتكفيرية، وهذا ما تؤكده هويات الجماعات الارهابية التي تشارك في هذه المعارك من شيشان وطاجيك واوروبيين وصينيين وافغان وعرب، وطبيعة التدخلات الخارجية التي تيسر دخول الارهابيين، وتعزز من امداداتهم العسكرية والتموينية، لا سيما في المناطق المحاذية للحدود التركية، والتي باتت هي الطريق اللوجستي الذي يغذي حرب الجماعات في حلب. 
وبحسب ما أورده الباحث العسكري تشارلز ليستر الخبير في (معهد الشرق الأوسط) فإن (المهاجمين لم يقوموا بتحويل القوات من إدلب إلى جبهات حلب، بل قاموا بتحويل قوات جديدة وافدة من الخارج إلى حلب مباشرةً، ما مجموعه 4200 مقاتل، وأن الفصائل قد تلقت تطمينات تركية وقطرية ومن غرفة «الموم» – النظير التركي لغرفة «الموك» الأردنية بأن الإمدادات ستتواصل).
إنّ ما حدث خلال الأيام الماضية بعد دخول (قوات سوريا الديمقراطية) الى مدينة (منبج) سيجعل من معركة حلب هي الرهان الأخير، وأن ما تشهده جبهاتها من تصعيد واسع يؤكد هذه الحقيقة، فضلا عن طبيعة الأدوار التي باتت مكشوفة للولايات المتحدة ولروسيا وتركيا ولدول الخليج، والذي يكشف عن الآثار المستقبلية لهذه المعركة، وعلى أي مسار تفاوضي، وعلى خيارات الجميع المتورطين فيها، ولعل أول المتغيرات يرتبط بالمواقف التركية، والتي بدت أكثر قلقا بعد سيطرة (الكرد) على مدينة منبج، والشروع بمرحلة السيطرة على مدينة (الباب) الواقعة على الحدود التركية وبدعمٍ أميركي واسع، وهو ما يعني تهديدا مباشرا بمشروع (الأقلمة) الكردية التي ترفضها تركيا أصلاً.
أوهام الدولة الداعشية
من أخطر تداعيات هذه المعطيات العسكرية هو سقوط وهم الدولة الداعشية، وفقدانها القدرة على مواجهة تحديات الواقع الجديد ومتغيراته، بعد أن تم تقويض المشروع القديم الذي حاولت فرضه، وبداية تخلي الحلفاء التقليديين عن الأوهام التي رافقته، والشروع نحو نوعٍ من الواقعية التي ستفرض منطقها وخطابها على البعض من أصحاب رهان الحسم العسكري، وهذا بطبيعة الحال يفترض وجود معطيات سياسية وأمنية ومواقف جديدة ترضخ للحلِّ السياسي الواقعي، وليس الحل الوهمي القائم على لعبة المزايدات والمناورات واصطياد الفرض، والذي سيجعل من الدول الحاضنة لما يسمى بجماعات (المعارضة) أكثر رضوخا لمتغيرات ذلك الواقع، ولمواقف الدول التي أصيبت بخيبة من تلك المتغيرات، خاصة وأن الثقل الروسي قد فرض واقعا دوليا قويا من الصعب تجاوزه. إنّ وهم الدولة الداعشية في سوريا والعراق بات أمراً تطرحه الدول الكبرى ذاتها، وأنَّ فقدان «داعش» وجبهة النصرة للمزيد من الأرض، والمزيد من مقاتليها هو إعلان عن سيناريو الحروب الأخيرة، إن كان في الموصل، أو في حلب، فهذه المعارك هي كشوفات لما سيجري، ولما ستكون عليه خارطة المنطقة، وحتى سياسة الأقلمة التي تناور بها الولايات المتحدة وبعض دول الإقليم ستكون غير واقعية مع طبيعة المتغيرات، وطبيعة القوى التي ستدير تلك الأقاليم، وما ستشكله من أخطار على دول الاقليم الشرق أوسطي ذاته، وعلى مصالح الدول الكبرى.

البرازيل..«كل شيء على ما يرام»

روجر كوهين
عندما كنت مراسلاً في البرازيل قبل 30 عاماً، كان التضخم جامحاً. وكانت نسبته تبلغ 707.4 في المئة خلال الفترة من 1985 – 1989. وكانت رواتب الفقراء تُمحى بعد ساعات من الحصول عليها. وشهدت البلاد ثلاث عملات – الكروزيرو، والكروزادو والكروزادو نوفو – عندما كنت أقيم في مدينة ريو. وكان السبيل الوحيد أمام البرازيليين للخروج من هذه الأزمة، كما كان يمزح الناس، هو مطار جالياو الدولي.
ولاحظ «أنطونيو كارلوس («توم») جوبيم»، مؤلف «فتاة من ايبانيما» (والذي أضيف اسمه إلى المطار) أن «البرازيل لا تصلح للمبتدئين». لم تكن كذلك في ذلك الوقت وهي ليست كذلك الآن.
إنها بلد متنوع واسع، ولايات متحدة استوائية، حيث توجد هوة تفصل بين الأغنياء والفقراء. وتعد معدلات الجريمة المرتفعة إلى حد ما انعكاساً لهذا الانقسام. والمرونة بأعلى قيمة في ثقافة تتسم بالحرارة والسامبا والالتفاف على القواعد. ومن الممكن أن تكون الحياة رخيصة، وإما أن تتكيف وإما أن تموت.
وقد صاغ «إدمار باشا»، وهو صديق وخبير اقتصادي، مصطلح «بيلينديا» لوصف البرازيل كبلجيكا المزدهرة لكنها تجثم فوق الهند المزدحمة. وقد كتبت قصة عن الأطفال الفقراء من شمال ريو، بعيداً عن شواطئ ايبانيما وليبلون، الذين يلهون وهم يعتلون أسطح القطارات المسرعة – أكثر مما يسعدون باعتلاء موجات المحيط الأطلسي. وهم في أحيان كثيرة يموتون صعقاً بالكهرباء. ولن أنسى أبداً مشهد الجثة الملتوية في مشرحة المدينة.
كانت عدم المساواة جزءاً من القصة، ولكن حتى في هذه الأوقات العصيبة لم تكن تمثل القصة كلها. «هل كل شيء على ما يرام؟» – كنت أطرح هذا السؤال كلما غامرت بالدخول في المناطق الفقيرة والعشوائية في البرازيل. وكانت الإجابة دائماً «كل شيء على ما يرام»، مصحوبة بابتسامة، حتى وإن كان كل شيء فظيعاً تماماً. والفقر في الشمس والدفء ليس كالفقر في البرد القارس.
وذات مرة سألت رجل الصناعة في ساو باولو «خوسيه ميندلين» ما إذا كان يشعر بالقلق عما تتجه إليه البرازيل. فرد قائلاً «إنني دائماً ما أشعر بالقلق في نهاية الشهر، لكنني لا أشعر إطلاقاً بالقلق بشأن المستقبل». وهو محق، فالبرازيل هي مقبرة الرافضين.
لقد أحدثت البلاد تحولًا منذ ثمانينيات القرن الماضي. فقد استقرت الديموقراطية والعملة. ونمت الطبقة المتوسطة بصورة مطردة حتى وإن كانت تحت الضغط الآن. وعزلت البرازيل رئيساً واحداً هو «فيرناندو كولور دي ميلو»، والآن هذا البلد في سبيله إلى عزل رئيسية أخرى هي «ديلما روسيف» بتهمة التلاعب في الموازنة. ولم يعد من الممكن شراء القانون بمهارة. وانتهت الطفرة في السلع التي دفعت النمو في البرازيل سريعاً على مدى سنوات عديدة. ومع ذلك، لا تزال البرازيل من بين أكبر عشرة اقتصادات في العالم.
ووفقاً للبنك الدولي، ازداد متوسط الأعمار من 63.9 في 1986 إلى 74.4 في 2014 (وفي نفس الفترة ارتفع متوسط أعمار الأميركيين بواقع أربع سنوات فقط). ولا تزال معدلات الأمية مرتفعة للغاية، لكنها انخفضت بحدة. وأصبحت البرازيل الآن أقل «بيلينديا» من «فرانكونيسيا» – ما يعني فرنسا كبيرة تجثم على قمة إندونيسيا. ولا تزال مشاكلها مستمرة، ولكن الأحمق فقط هو الذي ينكر أن البرازيل ستكون لاعباً رئيساً في القرن الـ21. وكما لا بد وأن يشعر كل من يحضر دورة الألعاب الأوليمبية بأن البرازيل لديها ثقافة وطنية قوية وسعيدة. إنها أرض «كل شيء على ما يرام».
وكلهم يقولون لقد سئمنا للغاية من قراءة قصص سلبية عن دورة الألعاب الأوليمبية البرازيلية – الغضب في الأحياء الفقيرة، العنف المتواصل (بما فيه العنف ضد أربعة سباحين أميركيين)، والهوة الدائمة بين الأغنياء والفقراء، والمتاعب التنظيمية في بعض الأحيان، والمنشطات الروسية والبعوض البرازيلي، والأموال التي كانت من المفترض أن تُنفق بطريقة أفضل بدلاً من تمديد خطوط المترو الذي يمتد الآن من المركز إلى منطقة بارا دي تيجوكا المزدهرة (وبذلك، من بين أشياء أخرى، تمكين الفقراء من الحصول على عمل هناك).
في البداية، كان يقال إن البرازيل لن تستطيع إنجاز هذه المهمة في الوقت المناسب لدورة الألعاب الأوليمبية، والآن وقد حققت ذلك، وأقامت حفل افتتاح رائعاً، فإن اللوم يقع عليها لأنها لم تقدم حلولاً لمشاكلها الاجتماعية بحلول وقت إقامة الدورة.

المخاض الأميركي وآفاقه

د. منار الشوربجي
أسهم دونالد ترامب تنخفض بشدة في استطلاعات الرأي العام الأميركي حتى أن المراقبين يتحدثون الآن عن إمكانية فوز هيلاري كلينتون باكتساح.
لكن تلك ليست القضية مطلقاً. فناهيك عن أن مثل ذلك التوقع سابق لأوانه للغاية، فإن الحملة الانتخابية نفسها ستكون آثارها بالغة الخطورة وستؤثر بالضرورة على صنع السياسة الأميركية الداخلية والخارجية على السواء.
فالمتابع عن كثب للحملات الرئاسية المتعاقبة في العقود الأخيرة يدرك أن أكثر سوءات الحملة الراهنة ليس جديداً في طبيعته وإنما في درجته فقط. فليس جديداً في الانتخابات الأميركية، أولاً، أن يتسم أحد المرشحين بالفجاجة ولا أن يضمر بعض الملامح العنصرية.
لكن الجديد في الحملة الحالية هو الدرجة، أي انحطاط المستوى الذي وصلت إليه تلك الفجاجة والعلنية التي يتم بها التعبير عن مثل تلك الأفكار القبيحة.
وليس جديداً، ثانيا، أن تخلو حملة انتخابية من القضايا المهمة وتدور مجرياتها حول شخصية المرشحين، لكن الجديد هذه المرة هو الإمعان في تجاهل القضايا لدرجة أن يصرح أحد المرشحين بمواقف خطيرة في مغزاها ويستحيل عمليا تطبيقها ومع ذلك يظل في السباق أصلاً. وليس جديداً، ثالثا، أن يلعب المال دوراً هائلاً في حملات الرئاسة.
لكن الجديد هو أن النظام الأميركي بالكامل صار رهينة في أيدى أصحاب المال والمصالح. وليس جديداً، رابعاً، وجود شريحة غاضبة في المجتمع الأميركي لكن الجديد هو حجم هذا الغضب وكونه يأتي بالتزامن من يمين ويسار الساحة السياسية معاً.
وما من جديد، خامساً، في أن ينهزم أحد المرشحين ويفوز الآخر بأغلبية ساحقة، لكن التاريخ الأميركي يُعَلمنا أن هزيمة أحد المرشحين ليس معناها بالضرورة هزيمة الأفكار التي يمثلها.
فأولاً، ليست هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات التي تستخدم فيها عبارات فجة أو عنصرية في حملات الرئاسة. ولماذا نغوص بعيداً في التاريخ ؟ فمرشح 2012 الجمهوري، ميت رومني، الذي نافس أوباما، هو صاحب العبارة التي دخلت التاريخ بسبب فجاجتها، حين قال إنه لا يشغل باله بحوالي 47% من الأميركيين من المعتمدين بشكل أو بآخر على الحكومة الفيدرالية لإعانتهم، ولا يدفعون ضريبة دخل لأنهم لا يملكون شيئاً! فهو قال إن «هؤلاء سيعطون أصواتهم للرئيس لا محالة..
ووظيفتي ألا أهتم بهم. فلن يكون بإمكاني أن أقنعهم بأن يتحملوا مسؤولية أنفسهم..». أما العنصرية فظلت موجودة في خطاب المرشحين للرئاسة حتى بعد إنجازات حركة الحقوق المدنية ولكنها ظلت تستخدم لغة شفرية.
وكثيرة هي، ثانيا، الحملات الرئاسية، وعلى رأسها حملة 1996، خالية الوفاض من القضايا، لكن الجديد هو أن يقول ترامب مثلاً انه سيحظر دخول مسلمي العالم الولايات المتحدة ثم يظل يتقدم في السباق!
والمال ظل يلعب دوراً لا يستهان به في السياسة الأميركية. لكن الجديد اليوم هو السيطرة الكاملة لأصحاب الأموال دون أن يعرف أحد حتى هويتهم بفضل قرار المحكمة العليا الذي صدر في 2010 وفتح الباب على مصراعيه للشركات العملاقة وأصحاب الأموال دون رقيب.
لكن الأهم من هذا كله اليوم هو درجة الغضب الشعبي والذي عبرت عنه حملتي برتني ساندرز في اليسار ودونالد ترامب في اليمين، رغم الاختلاف الشاسع بين الحملتين. والأخطر هو تجاهل ذلك الغضب الشعبي كما هو واضح حتى الآن.
فحتى لو انهزم دونالد ترامب، فإن غضب جمهوره من البيض من الطبقة العاملة والذي يأخذ في أحيان كثيرة شكل تحميل المسؤولية للأضعف في المجتمع، أي الأقليات العرقية والإثنية والدينية والمرأة، يحتاج معالجة رصينة لا يمكن لهيلاري كلينتون لو فازت بالرئاسة القيام بها. فهي لو فازت ستفوز بأموال أصحاب المصالح وستتبع سياسات نيوليبرالية، مثلها مثل من سبقوها، تزيد من تفاقم أزمة الطبقة العاملة البيضاء.
الأخطر من ذلك أن هيلاري كلينتون بعدما حصلت على ترشيح حزبها، تخلت فوراً عن القطاع الغاضب على اليسار، أي جمهور ساندرز، واتجهت مزيداً نحو اليمين. وهي استراتيجية كان رائدها الأول زوجها كلينتون وصار على نهجه أوباما، وتقوم في جوهرها على اعتبار أصوات الأقليات واليسار مسلما بها لأنها لا يمكنها التصويت لصالح الجمهوريين، بمنطق «أهون الشرين».
وتجاهل قطاع البيض من الطبقة العاملة وهزيمة ترامب لا يعني أن أفكار الرجل قد ماتت. فالتاريخ الأميركي يعلمنا أن هزيمة باري جولدووتر الساحقة في 1964 كانت البداية الحقيقية لإعادة بناء التيار المحافظ في أميركا. أما تجاهل اليسار، كما فعل بيل كلينتون وأوباما، فالجديد في حالة هيلاري هو أن الغضب الكاسح فيه يتمركز أساسا في جيل الشباب. وذلك الجيل لن يصمت طويلاً إزاء ممارسات الديمقراطيين الذين يتجاهلون مطالبهم ولربما خرجوا أصلاً من الحزب الديمقراطي. الولايات المتحدة تبدو في مرحلة مخاض وربما ولادة حركة أو حركات اجتماعية جديدة. والحركات الاجتماعية وحدها هي التي غيرت أميركا. لكن السؤال، هل تكون حركة اجتماعية متطرفة أم حركة ملهمة تعالج السوءات وتفتح الآفاق.

مرشح ما بعد حداثي

فيكتور ديفز هانسون
في أوائل القرن العشرين، تجاهلت الحداثة القوانين التقليدية للتعبير. ولكن في أواخر القرن العشرين فجرت نزعة ما بعد الحداثة هذه القوانين كلية. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما مرشحاً حداثياً. واجتذب أعداداً هائلة من الناخبين الشبان المنتمين إلى الأقلية، وتملك ناصية الوسائط الاجتماعية، وفي عام 2008 قلب رموز الحرس الديمقراطي القديم، مثل هيلاري كلينتون.
وفي المقابل، دمر دونالد ترامب ببساطة الحياة السياسية العادية. وعلى عكس أوباما برقمه القياسي في جمع التبرعات في عامي 2008 و2012 من وول ستريت، فإن ترامب لم يجمع مالاً على وجه التقريب. وهو يتجاهل عمليات التأييد من قادة التجمعات السياسية. ولم يقدم ترامب على تسجيل أي حملات جدية للناخبين. وكان مؤتمره الانتخابي غريباً وقدم فيه أبناءه، بدلاً من قادة الحزب وجماعات المصالح الخاصة. ولكن ماذا عن الاقتراع الداخلي؟ لا يبدو أن هناك اقتراعاً داخلياً لترامب.
ومن المفترض أن يتجنب المرشحون عواقب المؤتمرات الصحافية قدر الإمكان. وأن يعدوا للأيام التي يكونون فيها مطالبين بعقد هذه المؤتمرات. ترامب لا يفعل هذا. هو يتغذى على التشدق مرتجلاً للصحافة دون أن يقلق كثيراً حيال ما يقوله.
المرشحون يكرهون المراسلين، ويخشونهم، ويسعون لتملقهم. ويهينهم ترامب بشكل علني، وعادة ما يخرجهم من مؤتمراته. وبصفة عامة يتجنب السياسيون المحدثون الانجرار إلى شجارات سيئة من المحتم أن يخسروا فيها ويرحب ترامب بالشجارات مع جميع القادمين. وتحصل هيلاري كلينتون على الكثير من التبرعات المالية من الأغنياء، بينما تلعن تأثير المال الكبير على الحياة السياسية. ولا يبدو أن ترامب قد عثر على أي مانحين كبار، وهو ينتقد الرأسماليين الذين يعتمدون على المحسوبية، على أساس أنه اعتاد أن يكون واحداً منهم.
وتأنق السياسيون التقليديون مثل ميت رومني بشكل كامل جداً، ونادراً ما ظهروا من دون بدلات مفصلة. ويحب السياسيون الحداثيون مثل أوباما أن تلتقط لهم صور وهم يلعبون الغولف ويرتدون ملابس البولو ويبدون في شرخ الشباب.
لكن ترامب يتحدى الذوقين التقليدي وغير التقليدي من خلال وضعه ربطات عنق طويلة وصارخة، وتمشيط شعره المصبوغ باللون الأشقر فوق المنطقة الصلعاء من رأسه وجعل لونه يبدو أكثر سمرة، ويغلب عليه اللون البرتقالي الغريب.
ويهاجم السياسيون بعضهم البعض بينما يدعون التهذيب. وأفضلهم يفعل ذلك بفارق بسيط. ولكن ترامب لا يفعل ذلك. فهو يستخدم الكلمات النابية مثل «كاذب» و«منافق».
وبالنسبة للسياسي الحداثي فإن زلة اللسان هي تصريح صادق غير مقصود. وبالنسبة إلى ترامب ما بعد الحداثي فإن الزلة الوحيدة التي يمكن تخيلها هي أن يظل ساكتاً.
الكتاب المقدس بالنسبة إلى السياسيين الحداثيين هو الصواب السياسي. وهم يجب أن ينتبهوا إلى كل مجموعة يمكن تخيلها و«مجتمع». وهذا ينطوي على استخدام عبارات ملطفة أو وضع رقابة ذاتية بينما يتم تجنب كل الألغام المتعلقة بالطبقة والعرق والجنس بقدر الإمكان.
وقال الناقدون إن أسلوب ترامب المبتذل في الحملة الانتخابية التمهيدية لن يترجم بشكل جيد في الانتخابات العامة. أما الآن فحتى الساسة المخضرمين يعترفون بأنه ليست هناك قواعد تنطبق على دونالد ترامب. وكل ما يفعله هو أنه يواصل الصراخ بأن الأمور باتت أسوأ من ذي قبل، ولن يعترف أحد بذلك.
ونحن نعيش اليوم في عصر سليم سياسياً، لا يمكن للرئيس الأميركي أو قد لا يرغب فيه بوصف المتشددين بأنهم إرهابيون قتلوا المئات في أوروبا والولايات المتحدة.
وينظر إلى مضاعفة العجز الوطني إلى نحو 20 تريليون دولار لثماني سنوات فحسب باعتباره أمراً لا أهمية له. والرأي العام يستشعر الضجر حيال حقيقتين: الحقيقة التي يراها ويسمعها كل يوم، والصيغة التي لا علاقة لها بمفاهيمه.
ويأتي ترامب بكرة وسلسلة ويلقيهما على شاشة النخبة، ويهتف الجمهور فيما ينكسر الزجاج الهش. وفي حال أوغل معظم السياسيين في الخداع، فيبدو أن الناخبين يفضلون الخداع الواضح والفج بدلاً من خديعتهم المعتادة.
هل سيشعر ترامب في أغسطس وينفجر داخلياً في سبتمبر ويدمر نفسه في أكتوبر، أم سيفوز في نوفمبر؟
لا أحد يعلم. فليست هناك قواعد للتنبؤ بكيفية تصويت الجمهور الذي ضاق ذرعاً. فلم يكن هناك أبداً مرشح ما بعد حداثي مثل دونالد ترامب.

ردّ أميركي في بحر الصين الجنوبي

كريسبن روفيري
مترتبات قرار محكمة النزاعات الدولية ثقيلة على الولايات المتحدة أكثر مما هي على الصين. فواشنطن عليها أن تتحرك وتدعم القرار الدولي. والاخفاق في هذا الدعم يضعف الصدقية الأميركية ويقوض القوانين التي تزعم واشنطن دفاعها عنها. والسبيل الى بلورة رد اميركي هو أولاً فهم استراتيجية الصين. وفي السنوات الأخيرة وصف كثر من الاستراتيجيين تعديات الصين في بحر الصين الجنوبي بأنها سياسة «فرق تسد». ولكنني أرى أن الصين لا تنتهج مثل هذه السياسة. فسياسة فرق تسد تفترض ثلاثة عناصر: مصالح استراتيجية متباينة بين طرفين متواجهين او اكثر من طرفين، والتراجع عن استخدام القوة في وجه اللاعبين الأخرين، التلويح المقيد بعمل عسكري من دون اللجوء إلى تصعيد خطير.
وهذه العناصر غير مستوفية في هذا النزاع. فالصين أعلنت السيادة على بحر الصين الجنوبي وملكيتها هذا البحر وتقدم على خطوات استراتيجية لترسيخ هذا الزعم، ولم تفعل أميركا المثل. فهي أبدت القلق حول حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي وسيادة القانون. ولم تزعم واشنطن السيادة على شطر من البحر هذا. والتزمت الولايات المتحدة امن جزر سينكاكو/دياويو في حلفها مع اليابان. وثمة مؤشرات الى تصعيد الصين التدريجي والحذر. فهي تتجاهل احتمال الرد الاميركي على انشطتها في محيط الجزر هذه وكأنها تعول على تراجع واشنطن عن تعهداتها الاستراتيجية. وهذه السياسة ليست من بنات «فرق تسد» بل سياسة تحد متعاظم. وما قد يلجم اعمال الصين هو القوة الأميركية وليس الغضب الاميركي. وثمة كثير من امثلة قياس لفهم ما يجري، منها استفزازات كوريا الشمالية. فهذه الاستفزازات كثيرة وليست منطقية، لكنها محسوبة النتائج. فالنظام يعرف أن تهديداته تلفت انتباه المجتمع الدولي، ولكنها لا تستدعي ردعاً قوياً ضده.وليست الخيارات العسكرية الاميركية في بحر الصين الجنوبي محدودة. وإذا رأت واشنطن ان تهديدات الصين في جزر بحر الصين الجنوبي مباشرة، في وسعها وقف العمل في هذه الجزر من غير عناء ومن غير الانزلاق الى نزاع أوسع، ولو اختارت الصين الرد والتصعيد. والحال في هذا البحر يختلف عما هو عليه في أوكرانيا. فعلى سبيل المثل، يترتب على اطلاق «الأطلسي» عملية عسكرية لطرد روسيا من اوكرانيا، التصعيد في نزاع مزمن، والمغامرة بالمساهمة في مفاقمة الاضطراب والاخفاق في بلوغ المرجو.
وفي الامكان تلخيص استراتيجات القوى البارزة في المنطقة بالقول ان الولايات المتحدة تلعب البوكر، والروس يلعبون الشطرنج والصينيون يلعبون لعبة «غو». ولعب البوكر ركنه الغموض والنقص في المعلومات. والعصر النووي يليق بالاميركيين البارعين في سياسة البوكر. ففي أوروبا، اقنعت واشنطن الاتحاد السوفياتي بأنها تحمل اوراقاً قوية، وأنها ستدافع عن أوروبا. وبدا ان الاعلان الاميركي معقول وذات صدقية. فخسارة اميركا غرب أوروبا هو تهديد وجودي. واحتمال هذه الخسارة يسوغ شن حرب نووية للحؤول دونها. ولتسويق احتمال الحرب النووية، حشدت اميركا القاذفات والدبابات في اوروبا، وانطلت السياسة هذه على السوفيات.
ولكن مثل هذه السياسة لا ترتجى منها فائدة في المحيط الهادي. ومن العسير الزعم أن توسع الصين في بحر الصين الجنوبي يهدد وجود الولايات المتحدة. والشطرنج هو لعبة الروس، وهي تقتضي اللعب في رقعة محدودة لكسب مواقع جديدة من خلال تحريك متأنٍ للبيادق والتقدم في وجه الخصم. ولكن الصينيين ليسوا لاعبي شطرنج وانما يلعبون «غو» (تطويق حيز الخصم). وشطر راجح من النزاعات الحدودية البرية الصينية طويت وذللت، في وقت تسارع بكين الى تشييد جزر وعوائق في بحر الصين الجنوبي. والاهداف الصينية والاميركية متباينة. فالصين تسعى الى السيطرة على اراضٍ جديدة، بينما تحاول اميركا الحفاظ على مواقعها. لذا، قد لا ترتجى فائدة من رد مرن. وعليه، كيف يمكن أن ترد الولايات المتحدة على التقدم الصيني في بحر الصين الجنوبي من دون شن حرب سيطرة وهيمنة؟ على أميركا أن تنتهج نهجاً مختلفاً وأن تشيد جزراً في هذا البحر. وهذا خيار ناجع في الأمد الطويل. وإثر قرار محكمة النزاعات الدولية، حري بواشنطن ان تبادر الى هذه الخطوة، وأن تدعم موقف الفيليبين وحقها في جزر في بحر الصين الجنوبي تحت غطاء من القانون الدولي وحكم محكمة النزاعات الدولية.

شبكة الاتصال أم شبكة الانفصال؟

جوزيف س. ناي، الابن
من يملك شبكة الإنترنت؟ الجواب هو لا أحد بعينه يملكها والجميع يملكونها، الإنترنت هي شبكة الشبكات، وكل من الشبكات المنفصلة تنتمي إلى شركات ومنظمات مختلفة، وهي تعتمد على خوادم مادية في دول مختلفة وتحكمها قوانين وقواعد تنظيمية متفاوتة، ولكن في غياب بعض القواعد والمعايير المشتركة يصبح من غير الممكن الربط بين هذه الشبكات بفعالية، ويشكل التفتت- الذي يعني نهاية الإنترنت- تهديدا حقيقيا.
تشير بعض التقديرات إلى أن مساهمة الإنترنت الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي العالمي ربما تبلغ 4.2 تريليونات دولار أميركي في عام 2016، ومن هنا فإن “شبكة الانفصال (لا الاتصال)” المفتتة قد تكبد العالم تكلفة باهظة، بيد أن هذا ليس سوى أحد احتمالات المستقبل التي عَرَضها تقرير اللجنة العالمية المعنية بحوكمة الإنترنت الشهر الماضي، والتي ترأسها رئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت. تربط الإنترنت الآن بين ما يقرب من نصف سكان العالم، ومن المتوقع أن تربط مليارا آخر من البشر- فضلا عن نحو 20 مليار جهاز- في السنوات الخمس المقبلة.
بيد أن المزيد من التوسع أمر غير مضمون، ففي أسوأ سيناريوهات اللجنة قد تتسبب الأعمال الخبيثة التي يمارسها المجرمون والضوابط السياسية التي تفرضها الحكومات في دفع الناس إلى فقدان الثقة بالإنترنت والحد من استخدامهم لها.
وفقا لبعض التقديرات بلغت تكلفة الجريمة السيبرانية التي تمارس باستخدام الإنترنت نحو 445 مليار دولار أميركي، وقد تنمو بسرعة، فمع ربط المزيد من الأجهزة بدءا من السيارات إلى أجهزة ضبط نبضات القلب بالإنترنت، يصبح بوسع الخبثاء من مخترقي الشبكات والأجهزة تحويل “إنترنت الأشياء” إلى “أداة لتحويل كل شيء إلى سلاح”، ومن الممكن أن تعمل انتهاكات الخصوصية الواسعة النطاق من الشركات والحكومات، والهجمات السيبرانية على البنية الأساسية المدنية مثل شبكات الطاقة (كما حدث مؤخرا في أوكرانيا)، على خلق حالة من انعدام الأمان كفيلة بتقويض إمكانات الإنترنت. ويتمثل سيناريو ثان في ما تسميه اللجنة “النمو المتوقف”، يستولي بعض المستخدمين على مكاسب غير متناسبة، في حين يفشل آخرون في جني أي قدر من الاستفادة، فلا يزال ثلاثة أو أربعة مليارات شخص غير متصلين بالإنترنت، كما تتسبب الحواجز التجارية والرقابة والقوانين التي تشترط التخزين المحلي للبيانات، وغير ذلك من القواعد التي تحد من التدفق الحر للسلع والخدمات والأفكار، في تقويض قيمة الإنترنت الاقتصادية لكثيرين من المتصلين بها.
الواقع أن التحرك نحو السيطرة السيادية ينمو بالفعل، وهناك درجة ما من التفتت قائمة بالفعل، يعيش العدد الأكبر من مستخدمي الإنترنت في الصين، ولكن “سورها الناري العظيم” تسبب في خلق حواجز تحول دون التواصل مع العالم الخارجي. وتفرض العديد من الحكومات الرقابة على الخدمات التي تعتقد أنها تهدد سيطرتها السياسية، وإذا استمر هذا الاتجاه فقد يكلف أكثر من 1% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، وقد يشكل أيضا تعديا على خصوصية الناس، وحرية التعبير، والقدرة على الوصول إلى المعرفة. وفي حين قد يتخبط العالم على طول هذا المسار، فستكون الخسارة كبيرة وسيتخلف كثيرون عن الركب. في السيناريو الثالث للجنة، توفر الإنترنت فرصا غير مسبوقة للإبداع والنمو الاقتصادي، وقد ساهمت ثورة الإنترنت في العقدين الماضيين بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي وربطت ثلاثة مليارات من البشر بها، فنجحت بذلك في تضييق الفجوات الرقمية والمادية والاقتصادية والتعليمية. ويشير تقرير اللجنة إلى أن إنترنت الأشياء ربما تُفضي إلى تحقيق ما قد يبلغ 11 تريليون دولار في هيئة ناتج محلي إجمالي إضافي بحلول عام 2025.
وقد خلصت اللجنة إلى أن دعم الإبداع المتحرر من العوائق سيتطلب تطوير معايير الإنترنت وإتاحتها بشكل علني؛ وأن يعمل المستخدمون على تطوير “نظافة” رقمية أفضل لتثبيط المخترقين والمتسللين؛ وأن يكون الأمن والمرونة في جوهر تصميم النظام (لا ردة فِعل تالية كما هي الحال الآن)؛ وألا تفرض الحكومات على الأطراف الثالثة تعريض التشفير للخطر؛ وأن تتفق الدول على عدم مهاجمة البنية التحتية الأساسية للإنترنت؛ وأن تفرض الحكومات المسؤولية ورفع التقارير الشفافة عن المشاكل التكنولوجية لتوفير صناعة تأمينية قائمة على السوق لتعزيز أمن إنترنت الأشياء. حتى وقت قريب كانت المناقشة حول النهج الأنسب في إدارة وحوكمة الإنترنت تدور حول ثلاثة معسكرات رئيسة؛ الأول يتمثل بنهج أصحاب المصلحة المتعددين، الذي نشأ في الأصل من المجتمع الذي طور الإنترنت، والذي عمل على ضمان الكفاءة الفنية لا على الشرعية الدولية، لأن التكنوقراط الأميركيين كانوا يهيمنون عليها بشكل كبير. وكان معسكر ثان يفضل قدرا أكبر من السيطرة من الاتحاد الدولي للاتصالات، الهيئة المتخصصة التابعة للأمم المتحدة التي ضمنت الشرعية ولكن على حساب الكفاءة، وقد ناصرت الدول الاستبدادية مثل روسيا والصين المعاهدات الدولية التي تضمن عدم التدخل في شؤون الدول التي تفرض ضوابط سيادية قوية على حصتها في الإنترنت.
وتزعم المفوضية أن نموذجا رابعا بدأ يتطور في الآونة الأخيرة، حيث ينطوي مجتمع أصحاب المصلحة المتعددين الموسع على تخطيط أكثر وعيا لمشاركة كل صاحب مصلحة (المجتمع الفني، والمنظمات الخاصة، والشركات، والحكومات) في المؤتمرات الدولية. كان القرار الذي اتخذته وزارة التجارة الأميركية الشهر الأخير بتسليم الرقابة على ما يسمى وظائف تعيين أسماء الإنترنت (IANA)- “دفتر عناوين” الإنترنت- لمؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN) خطوة مهمة في هذا الاتجاه. ولا تُعَد مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة، التي تتألف من لجنة استشارية حكومية من 162 عضوا و35 مراقبا، منظمة بين حكومية نمطية: إذ لا تسيطر الحكومات على هذه المنظمة. ومن ناحية أخرى تتوافق مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة مع نهج أصحاب المصلحة المتعددين الذي صاغه وأضفى عليه الشرعية منتدى حوكمة الإنترنت، الذي أنشأته الجمعية العامة للأمم المتحدة. اشتكى بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من أن وزارة التجارة في عهد الرئيس باراك أوباما “تخلت عن الإنترنت” عندما سلمت وظائف الإشراف على تعيين أسماء الإنترنت لمؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة. ولكن الولايات المتحدة لا “تتخلى” عن شبكة الإنترنت، لأنها لا تملكهان ورغم أن أجهزة الكمبيوتر المتصلة التي ألفت شبكة الإنترنت الأصلية موجودة بالكامل في الولايات المتحدة، فإن الإنترنت اليوم تربط المليارات من البشر في مختلف أنحاء العالم، وعلاوة على ذلك فإن دفتر عناوين الإنترنت (الذي توجد منه عِدة نسخ) ليس الإنترنت. كان تحرك الولايات المتحدة في الشهر الماضي خطوة في اتجاه إنترنت أصحاب المصالح المتعددين الأكثر استقرارا وانفتاحا من ذلك النمط الذي أشادت به اللجنة العالمية، ولا نملك إلا أن نأمل أن يتبع ذلك اتخاذ المزيد من الخطوات في الاتجاه نفسه.

المداهنات السياسية

إليسا روزنبيرج
عندما صعد دونالد ترامب منصة المؤتمر الوطني للحزب «الجمهوري» في كليفلاند الشهر الماضي، وعد الناخبين قائلاً: «سأطرح الحقائق بصراحة وأمانة، فلم يعد يمكننا احتمال المداهنات السياسية أكثر من ذلك». وبالطبع، يعاني ترامب من مشكلات تتعلق بالأمانة والاتساق والمبالغة، وهذه المشكلات بالغة الوضوح لدرجة تجعلها تبدو متأصلة في شخصيته، وتجعل الجزء الأول من ذلك الوعد يبدو موضع شك كبير. لكن حتى بعض الناس المرعوبين من وصول ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية ربما يتفقون مع الجملة الثانية. وقد حصد ترامب ترشيح الحزب «الجمهوري» من خلال استغلال شعور مسبق لدى الناخبين بأن الحقائق المهمة يتم إخفاؤها عن الحياة العامة الأميركية، ومن ثم أعلن نفسه الشخص الجريء بما يكفي للإفصاح عن تلك الحقائق.
لكن ماذا لو كانت تلك الأمور التي أحجم الناس عن قولها خشية الإنكار الاجتماعي ليست ذات أهمية حقيقية؟ وفي كثير من الأحيان لا يمثل الإفصاح عن الحقائق تجاوزات خطيرة، وإنما ينم عن وقاحة. وخير مثال على ذلك، سخرية ترامب من مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» «سيرجي كوفاليسكي»، الذي يعاني من اعوجاج في المفاصل، وقد كان تصرفاً فارغاً ووضيعاً.
والحقيقة أننا لا نعيش في عالم يلقى فيه ذوي الاحتياجات الخاصة عناية كبيرة أو يتم تدليلهم، وفي عام 2015، بلغ معدل البطالة بين ذوي الاحتياجات الخاصة ضعف المعدل بين الأصحاء، وهذه المعدل خاص بالأشخاص الباحثين عن العمل ناهيك بالذين يعجزون عن العمل. وفي كثير من دول العالم، تبدو الرسالة الموجهة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة أن موتهم أفضل لهم ولذويهم!
وقد تكون سخرية ترامب أخف حدة وأكثر ظهوراً من السياسات الحكومية التي تضع عقبات أمام ذوي الاحتياجات الخاصة الراغبين في العمل أو السفر أو العيش بصورة مستقلة وتكوين أسر، لكنها لا تتناقض مع تهميش الأميركيين من ذوي الاحتياجات الخاصة.
والواقع أن الإفصاح عن النقائص الشائعة على أنها شجاعة أخلاقية يسمح لمن يفعلون ذلك بمعاملة وضاعتهم وبلادتهم وترفهم على أن له أهمية سياسية وأخلاقية، وهي أبعد ما تكون عن ذلك.