أزواج لا يكذبون ولكن يتجملون

المستقبل العراقي / متابعة

أكدت دراسات وأبحاث علمية، أن هناك البعض من الأكاذيب التي يعتاد الزوجان على ممارستها، طيلة حياتهما الزوجية خاصة الرجل، الذي قد يزيد معدل كذبه عن ثلاث مرات يوميا من دون قصد، وست مرات أخرى عن قصد، بعكس الزوجة التي لا تمارس الكذب أكثر من مرة أو مرتين، لذلك طالب الباحثون من الأزواج بعدم محاولة التحقيق حول جوهر الكذبة، بقدر محاولاتهم لمعرفة الدوافع التي تسببت في ذلك.
من أبرز الأكاذيب التي تتكرر على ألسنة الأزواج، هي إخفاء تفاصيل العلاقات القديمة التي يعتبرها الكثيرون مباحة، حتى يتمّ الحفاظ على ثقة الطرف الآخر، فضلا عن أكذوبة الجمال، التي يمارسها الزوج مع زوجته عندما تسأله عن مدى جمالها من وجهة نظره.
وفي هذا الإطار تقول الباحثة رويدة الشيخ، استشارية الأمراض النفسية في مصر، عن أكثر الأكاذيب شيوعا بين المتزوجين “إنها تهدف إلى حماية مشاعر الطرف الآخر وتجنب وقوع إشكاليات يرى الطرفان أنهما في غنى عنها، ومن أبرزها الادعاء المتكرر بالانشغال في العمل، وهذا النوع من الأكاذيب يمارسه الرجل أكثر من المرأة، حيث يهدف منه إلى سرقة بعض الوقت لفعل أشياء يراها لا تتعلق بأحد غيره، مثل الجلوس قليلا مع أصدقائه خارج المنزل أو التعرف على آخرين، حتى يتسنى له الذهاب بعيدا عن روتين الحياة الزوجية”.
وأضافت قائلة “من الأكاذيب التي يمارسها الزوج عن قصد، ما يتعلق بوزن زوجته التي يراها دائما تهتم بوزنها، ولديها رغبة دائمة في إنقاص وزنها، لذلك يلجأ الزوج باستمرار إلى استحسان وزن زوجته، حتى وإن كان زائدا بالفعل ولا سيما إذا سبب لها ذلك ارتباكا نفسيا”.
وتوضح أن الزوج بهذه الكذبة يريد الحفاظ على حالة السلام والهدوء الذي يسود الحياة بينهما، حيث أن المرأة عموما تعتبر الوزن الزائد عدوا يحق لها محاربته بكل ما لديها من قوة، وتنتابها البعض من المشاعر السلبية إن لم تنجح في ذلك، حيث ترى أنه يتسبب في فقدان زوجها شعوريا قبل أن يكون ماديا وواقعيا، لذلك تحاول دائما المحافظة على وزنها المثالي حتى تظل دائما المرأة المسيطرة في حياته.
ومن جانبه، يؤكد استشاري الطب النفسي وليد الجمال “إن هناك كذبة كثيرا ما يرددها الزوج لزوجته إبان كل مكالمة هاتفية ولا سيما أثناء العمل، وهي «سأتصل بك بعد قليل» هذه الجملة الشهيرة يضعها بعض الأزواج دائما على مسامع زوجاتهم لإنهاء الحديث معهن بأسلوب غير جارح لمشاعرهن، في حين يلجأ إليها البعض الآخر للتخلص من مطاردة زوجاتهم لهم، وكثرة طلباتهن المنزلية الملقاة دائما على عاتق الأزواج”.
ويضيف أن ادعاءات الرجال بكثرة النسيان أو السهو، من أكثر الأكاذيب شيوعا في حياتهم الزوجية، خاصة إذا كانت الزوجة تتسم بكثرة التعليق على تصرفات زوجها معها، فلا يرى مخرجا من هذه المواقف سوى ادعائه بأنه كثير النسيان أو الانشغال، كما أن حديث الزوج عن طعام زوجته يتطلب منه الكذب بدعوى المجاملة وعدم جرح مشاعر زوجته، التي يراها بذلت جهدا كبيرا لإعداد الطعام الذي لم يكن بالمستوى المطلوب، وذلك لإدخال مشاعر السعادة إلى قلبها وتشجيعها على تحسين مستوى الأطعمة التي تقوم بتحضيرها.
ويذكر أن العلاقات السابقة من أقوى نقاط الضعف التي تدفع طرفي العلاقة الزوجية إلى الكذب، وهنا تؤكد الدراسات أن هذا النوع من الكذب لا يضر بالحياة الزوجية بقدر إصلاحها والتعديل منها، حيث أن هذه العلاقات تعد من الأمور الخاصة التي لا تمت للحياة الزوجية بصلة، لذلك لا يفضل الحديث عنها باستفاضة وذكر كل ما يتعلق بها أمام الطرف الآخر، لأنها تترك أثرا سلبيا عليه وتعيق استمرار العلاقة الزوجية بصورة طبيعية.
وتشير استشارية الأمراض النفسية لمياء عبدالعزيز، إلى وجود كذبة تعد من أكثر الأكاذيب انتشارا في الحياة الزوجية، ولكن لا يتم ممارستها مع الشريك بل مع بعض الأصحاب والمعارف، وهي أن يعتذر الزوج لهم عن الخروج بصحبتهم بدعوى الانشغال في العمل أو مرض أحد الأبناء، لتجنب التواجد معهم في مكان مشترك، بالإضافة إلى الكذبة التي تظل دائما مستمرة باستمرار الحياة الزوجية بين الشريكين، وهي كلمات الحب والجمال التي يرددها كل طرف نحو الآخر، حيث تبدو كل زوجة جميلة في نظر زوجها، ويبدو كل زوج هكذا في نظر زوجته، ولكن لا يكون كل منهما الأجمل في العالم، ولأنها مشبعة لرغبات الاستحسان لدى الزوجين يلجأ إليها طرفا العلاقة في استخدامها دائما.
وعن طريقة ارتداء المرأة لملابسها، تقول “إن الرجل يلجأ إلى التعليق عليها دائما بصورة إيجابية، بغض النظر عن وجهة نظره الحقيقية في ذلك، لكنه يهدف من هذا الاستحسان إلى حث المرأة على الانتهاء سريعا خاصة إذا كانا يرتبطان بموعد محدد للخروج، لأن المرأة تعرف بقضاء أوقات طويلة أمام المرآة للتأكد من أن كل شيء يتعلق بمظهرها على ما يرام”.
وتوضح أنه لا يوجد رجل يثق برأي زوجته بصورة مطلقة، وهذا ما أشارت إليه الدراسات العلمية، ورغم ذلك يردد دائما “فأنا أثق برأيك” ويحثها على فعل ما تشاء واختيار ما تريد، الأمر الذي يشعرها بأنها تتمتع بمساحة أكثر اتساعا من الحرية تمكنها من فعل ما تشاء، دون إدراك منها أن ذلك مجرد كذبة الهدف منها هروب الزوج من تحمل المسؤولية.
في حين يحذر الباحث فاروق الششتاوي، استشاري الأمراض النفسية، من تكذيب الزوج المتكرر على أمور تبدو بسيطة، في حالة ارتكابه لخطأ ما أثار شك الزوجة به، حيث أنه بذلك يستطيع إقصاء شك الزوجة أو الهروب منه، فضلا عن رغبته في أن يجعلها تشعر بالندم نتيجة تكذيبها له، ومن ثم يصبح هو سيد الموقف، ويكون بذلك الطرف الأقوى وله الحق في رد الاعتبار.
وينصح بضرورة البحث عن الأسباب التي تدفع الزوج إلى كل هذه الأكاذيب، وتلقى المسؤولية هنا على الزوجة التي تستطيع التحدث بروية إلى زوجها، واستيعاب حالته المزاجية وفهم الأسباب الحقيقية وراء ذلك، خاصة إذا كانت الكذبة تشمل طرفا ثالثا مثل الحماة، فعندما يتحدث الزوج مع والدته حول أمر ما، وترغب الزوجة في معرفته يطلق لها كذبته ويقول “لا شيء”، الأمر الذي يدل على خبث الرجل، حيث يرغب في إخفاء شيء ما عن زوجته، وعادة ما يكون شيئا هاما ويتعلق بالأسرة.

الأطباء يكتشفون السبب الأساسي لقصر البصر لدى الأطفال

يعتقد الأستاذ في طب العيون سكوت ريد من المدرسة الأسترالية المتخصصة في هذا الطب أن الحواسيب وأجهزة التلفزيون ليست العوامل الرئيسية التي تسبب تطور قصر البصر لدى الأطفال.
 فبرأي الأستاذ ريد أن على الأطفال أن يبقوا ما لا يقل عن ساعتين في الهواء الطلق لمنع نمو قصر البصر.
وأشار الأستاذ سكوت ريد في أثناء خطابه في مؤتمر علمي في أستراليا إلى أن قصر البصر لدى الأطفال لا يتسبب به إدمانهم على الحواسيب أو متابعتهم البرامج التلفزيونية بقدر ما تتسبب به قلة الإضاءة الطبيعية.
وقال طبيب العيون الأسترالي بناء على دراسات أجريت في هذا المجال مؤخرا إن الحواسيب وشاشات التلفزيون مذنبة في كونها تساعد على إبقاء الأطفال داخل منازلهم أوقات أطول، إلا أن هذه الأجهزة بحد ذاتها لا تعتبر سببا مباشرا لمعاناة الأطفال من قصر البصر.
واستنتج الأستاذ ريد في نهاية خطابه أن حالة الأطفال المصابين بقصر البصر المتقدم من الممكن أن تتحسن إذا أمضى هؤلاء الأطفال أوقاتا أطول في الهواء الطلق.

التدخين يضعف فاعلية الأدوية في مقاومة الربو

علاوة على الضرر البالغ الذي يخلفه التدخين بنوعيه على الرئتين، بينت البحوث أن المواد السامة الموجودة في السجائر تعيق عمل العقاقير الطبية. وأثبتت دراسة أسترالية حديثة أن دخان السجائر يقلل من فاعلية أدوية مرض الربو والانسداد الرئوي المزمن.
وتوصل الباحثون في المعهد الملكي للتكنولوجيا بملبورن الأسترالية في دراسة نشروها بمجلة العلوم السريرية، إلى أن دخان السجائر هو المساهم الرئيسي في الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن.
وأوضح الباحثون أن دخان التبغ يقلل من فاعلية دواء سالبيوتامول -أحد الأدوية الأكثر شيوعا لعلاج الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن- خاصة إذا كان الشخص المدخن مصابا بالإنفلونزا.
وبينت الدراسة أن أنسجة الرئة لدى الأشخاص الذين يتعرضون لدخان السجائر والعدوى الفيروسية، كانت أقل استجابة لدواء سالبيوتامول، مقارنة مع أنسجة الأشخاص الذين لم يدخنوا أو يتعرضوا لدخان السجائر.
وقال البروفيسور سيباستيان جونستون من جامعة أمبريال كوليج في لندن، “إن نتائج هذه الدراسة تشير إلى أن دخان السجائر والعدوى الفيروسية في الجهاز التنفسي قد يؤثران على فعالية دواء سالبيوتامول في علاج الشعب الهوائية”. وأضاف جونستون أن هذه النتائج تؤكد مرة أخرى أن التدخين عادة سيئة، خاصة إذا كان الشخص مصابا بالربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن.
وأظهرت دراسة أخرى أن مدخني السجائر المصابين بالربو الذين يقلعون عن التدخين يلاحظون تحسنا كبيرا في وظائف الرئة عقب أسبوع من الإقلاع عن التدخين. كما أن الإقلاع عن هذه العادة يقلل أيضا من حدوث التهابات في الشعب الهوائية.
وأشار الباحثون القائمون على الدراسة في الدورية الأميركية للجهاز التنفسي وطب العناية الفائقة إلى أن هذا يدل على أن هناك عنصرا متغيرا يتسبب في الآثار الضارة للتدخين على الشعب الهوائية بالنسبة إلى المصابين بالربو.
وقال د.نيل طومسون “مدى التحسن في وظائف الرئتين الذي لوحظ على المدخنين المصابين بالربو عقب الإقلاع عن التدخين، كان أكبر بكثير مما كنا نتوقع”.ويوضح نيل وزملاؤه أن الحقيقة تبرز أن التحسن يفوق بكثير ما تمت ملاحظته مع الجرعات العالية من الستيرويد.
وقدر طومسون وهو من جامعة غلاسغو في إسكتلندا وزملاؤه أداء الرئتين وحجم الالتهابات في الشعب الهوائية لدى 11 مصابا بالربو، الذين واصلوا التدخين وعشرة مصابين بالربو أقلعوا عن التدخين لمدة ستة أسابيع. وكان هؤلاء يدخنون عشر سجائر أو أكثر يوميا ولديهم تاريخ في التدخين يزيد على أكثر من عشر سنوات بمعدل علبة يوميا ويعانون من انخفاض في أداء الرئتين.

شريك الحياة الذكي أفضل مضادات الخرف

لندن/وكالات  – أثبتت دراسة بريطانية أن الشخص إذا أراد أن يعيش حياة طويلة مع الاحتفاظ بالعقل السليم ينبغي عليه الزواج من شريك ذكي. وأكد علماء من جامعة أبردين البريطانية أن التواصل ذا المستوى اللائق يمكن أن يضمنه زوج ذكي يمثل عاملا رادعا للإصابة في سن الشيخوخة باضطرابات دماغية وبالخرف والزهايمر.
وأجرى العلماء سلسلة تجارب شارك فيها توائم متشابهون من أجل تحديد احتمال تطور الخرف لديهم مع التقدم في العمر. وعند دراسة الحالة الصحية لديهم توصلوا إلى أن البيئة التي تحيط بالإنسان تستطيع أن تؤثر تأثيرا كبيرا في احتمالات تطور الخرف.
وأشارت الدراسة إلى أن التوائم الذين لم تظهر لديهم من خلال فحص دماغهم أيّ مؤشرات تدل على مرض الدماغ كانوا يتمتعون بقدرات عقلية عالية ويعملون في عمل مرموق ويمتلكون كميات كبيرة من الأموال إذ كانت لديهم زوجات ذكيات.
وقالت لورينس والي من جامعة أبردين معلقة على نتائج الدراسة “الشيء الذي ينبغي أن يقوم به شاب ليعيش حياة طويلة، هو الزواج من امرأة ذكية لأن الذكاء أفضل مضادات الخرف”.
يشار إلى أن دراسات عديدة كشفت أن تحفيز المخ لجعله نشطا يساعد على منع تطور الخرف والتفاعل تفاعلا إيجابيا ومفيدا مع شخص ذكي يشكل نوعا من أنواع مثل هذا التحفيز.
كما أوضحت والي أن البحوث السابقة كانت تركز على فوائد النشاطات الفكرية مثل حل ألغاز الكلمات المتقاطعة والقراءة وزيارة المتاحف، إلا أن الدراسة الجديدة بينت أن وجود شريك يوفر حديثا ممتعا، أو بشكل عام تفاعلا ممتعا ومعقدا وذا مضمون يساعد على منع تطور مرض الزهايمر.

هل تفتح الحدود الأوروبية؟

   غابرييل هولاند
فشل اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي الذي عقد في بروكسل في الثالث والعشرين من هذا الشهر لمناقشة أزمة الهجرة فشلا ذريعا. فالأزمة تتعمق، وتدفق الناس لم ولن بتوقف (طلبات اللجوء في أوروبا وصلت حتى الآن إلى 530 ألف طلبا). المجر سجلت هذا الأسبوع دخول أكثر من 10 آلاف شخص عبر حدودها في أقل من 24 ساعة. ستفتح اليونان وإيطاليا في قادم الأسابيع “مراكز استقبال” (أو بالأحرى مراكز اعتقال) وذلك لفصل المهاجرين لأسباب اقتصادية عن طالبي اللجوء هروبا من الحرب. رئيس الوزراء الهنغاري الفاشي فيكتور أوربان رفض تطبيق بلاده لخطة فتح مراكز مشابهة بحجة أن زيادة القمع سيكون عملا أولويا “لإيقاف الدخول غير الشرعي للمهاجرين.
لم يتطرق البيان الذي نشر بعد اجتماع يوم الأربعاء إلى عدد اللاجئين الذين سيستقبلهم الاتحاد الأوروبي. مرة أخرى لم يتوصل قادة أوروبا إلى اتفاق. تمحورت الاختلافات حول إجمالي عدد المهاجرين وحصة كل بلد الإلزامية، ولكن بشكل خاص ما يتعلق بالسياسة طويلة الأمد التي ستتبناها أوروبا. دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، قال أن على الاتحاد الأوروبي إنشاء (حدود فعلية أمام الهجرة وإلا سيكون من الصعب التحكم بوصول اللاجئيين” (الباييس في 25 أيلول 2015). أعاد توسك التلميح بـ “الحصون لأوربية” وحاجة القارة العجوز لإغلاق “أبوابها ونوافذها”.
أيــدت فرنسا، من جانب آخر، إنشاء مراكز تسجيل للاجئين في البلدان الواقعة على حدود الاتحاد الأوروبي، مثل تركيا ومقدونيا. وأصر قادة أوربيون آخرون على إنشاء وكالة أوربية تتولى أمر الحدود بسلطات أوسع من سلطات قوى الشرطة الوطنية للدول الأعضاء، وهذا يعني نقل سيادة اليونان وإيطاليا والمجر إلى بروكسل. كما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعاون أكبر مع تركيا، التي يأتي منها اللاجؤون الجدد إلى أوروبا.
باختصار، الحكومات الأوروبية تتخبط في المستنقع العميق الذي ستغرق فيه في السنوات القادمة، وتزداد التناقضات الرئيسية في وقتنا هذا. يزداد الفقر والأزمات الاقتصادية والحروب بسب نظام غير قادرا أبدا على التنظيم العقلاني لتوزيع الثروة العالمية: النظام الرأسمالي في مرحلة تفسخه، ونتوقع سنوات قادمة أكثر اضطرابا.
هل ستفتح الحدود الأوربية؟
فتحت أزمة الهجرة نقاشا في وسائل الإعلام وحركات التضامن في أوروبا حول كيفية التعامل مع هذه المسألة. المعضلة الحالية: هل تفتح الحدود أم يتم التحكم بدخول الناس إلى أوروبا؟ المؤسسة الأوربية الرسمية تؤيد عملية السيطرة على الحدود من خلال القمع وبناء الجدران ولاحقا فصل من يدخل إلى أراضيها.
أن يملك البيروقراطيون في بروكسل هذه الأجندة أمر غير مفاجئ. ما يقلق أن مجموعات وقادة اليسار الأوروبي ذهبوا بنفس الاتجاه. الفيلسوف السلوفاني سلافوي جيجك، المعروف دوليا في دوائر المثقفين والناشطين اليساريين بأعماله حول لينين والعنف والتحليل النفسي (إضافة إلى أعمال أخرى)، كتب قبل بضعة أيام مقالا نقتطع منه ما يلي:
“المنافقون الاشد هم من يدعون إلى فتح الحدود. يعرفون جيدا أن هذا لن يحدث: سيؤدي هذا على الفور إلى إشعال ثورة شعبية في أوربا. معادو اللاجئين يعرفون ذلك أيضا، مدركين أن هؤلاء الناس من إفريقيا والشرق الأوسط لن ينجحوا بحل مشاكلهم الخاصة ولن يغيروا مجتمعاتهم. لما لا؟ لأننا نحن في أوروبا الغربية نمنعهم من القيام بذلك”.
على الرغم من المنهجية الصحيحة باعتبار الاتحاد الأوروبي مسؤولا عن مشاكل الشرق الأوسط وإفريقيا، إلى أنه يخفي خضوعا مذلا للبرجوازية الإمبريالية ألأوروبية، كون كلا الطرفين يتفقان في اقتراح “السيطرة على الحدود”. يعترف جيجك بهذه الطريقة بالشرعية المفترضة للاتحاد الأوروبي ويقرر من هو مناسب ومن يملك المؤهلات للعيش في هذه البلدان. كما يتفق مع متشدقي اليمين المتطرف ضد المهاجرين الذين، حسب الإيديولجات المعادية للأجانب، يأخذون عمل العمال الأوروبيون ويتسببون بمشاكل مثل العنف والجريمة.
هناك حركة تقدمية من التضامن مع اللاجئين في دول أوروبية مختلفة. بين 40 إلى 60 بالمئة من الألمان (حسب استفتاء للرأي) يدعمون بشكل فعال سياسة الترحيب باللاجئين. بالواقع، الحكومات استجابت فقط للأزمة بعد هذا الدعم الجماهيري الواسع. إن المشاركة المؤثرة لهذه الحركة هي مهمة ضرورية جدا للناشطين الاجتماعيين من كل الاتجاهات والأيديولوجيات. كما أن من الحاسم تقديم برنامج من المطالب للحكومات التي تقدم القليل أو لا تقدم شيئا لمئات آلاف الأشخاص الذين يصلون إلى أوروبا. بشكل عام يوجد كثير من المعلومات الخاطئة المضللة. فمن غير المعروف عدد الذين سيصلون والدول التي سيذهبون إليها. النضال العاجل والواقعي يتجلى بتوسيع الحصص الإلزامية لتوزيع اللاجئين وتعامل افضل مع اللاجئين الموجودين للتو في الدول الأوروبية.

أزمة اللجوء بعيون الغرب

  هيئة التحرير 
 تستعرض “المستقبل العراقي” أزمة اللجوء الكبـيرة إلى الاتحاد الأوربي من خلال وجهة نظر كتّاب ومفكرين غربيين، لتعطي وجهة نظر واسعة عن هذا الأمر، وكيف يواجه من قبل الحكومات الغربيّة، وما الحلول والمشكلات المطـــروحة أمام هذه الحكومات، فضلاً عن عرض تاريخ هذه الأزمة، ومدى وقوف الاستعمار والتدخلات الخارجيّة حولها. ستــــعمــــل “المستقبل العراقي”، في المستقبل على نشر هذه المواضيع لتعريف القاريء العراقي والعـــربي كيف ينظر إليه المواطن والمفكّر الغربي، وهي محاولة لتــــلاقح الأفكار، وتكوين رأي اتجاه الآخر، الذي يظلّ يصل إلينا من خلال وسائل الإعلام فحســب، ووفق قوالب جاهزة وغير وافية في الكثير من الأحيان.
جورجيو أغامبين
ترجمة: نايف الهنداس
في عام 1943، وفي دورية يهودية صغيرة مطبوعة تدعى مجلة “مينورا” نشرت حنة آرنت مقالا عنونته بـ”نحن اللاجئين”. في هذه المقالة المختصرة المهمة، وبعد ما قامت برسم صورة إنفعالية للسيد كوهين، ذلك اليهودي المندمج ثقافيا مع محيطه، والذي كان 150 بالمئة ألمانياً، و150 بالمئة نمساوياً، و150 بالمئة فرنسياً، ليستوعب أخيراً وبحُرقة أنه قد فشل مرتين في أن يكون كل ما سبق. لقد قلبت آرنت ظروف المهاجر والإنسان الذي لا يملك وطن -وهي التي كانت كذلك أيضاً– رأساً على عقب بغرض تقديم هذه الظروف كباراديغم لتأسيس وعي تاريخي جديد. يستلم هذا اللاجئ الذي فقد كل حقوقه، ورغم ذلك لا يرغب بأن يندمج ثقافياً مهما كان الثمن في هوية وطنية جديدة، لكي يستبصر وضعه بشكل واضح، امتيازا لا يقدّر بثمن، وإن كان بمقابل كراهية معينة: “لم يعد التاريخ كتاب مغلق بالنسبة لهذا المهاجر، ولم تعد السياسة امتياز لغير اليهود. فهو يعلم أن طرد اليهود من أوروبا كان متبوعا بخروج الأغلبية من الشعوب الأوروبية منها. فطرد اللاجئون من بلد لآخر كان يمثل تجربة أولية بالنسبة لشعوب هؤلاء اللاجئين ” حنة آرنت.
يستحق النقاش أن نعكس هذا الحس في التحليل على الأوضاع اليوم، خاصة بعد 50 عاما، فهذا الحس لم يخسر أي شئ من قيمته. ليس فقط لأن الأزمة تظهر بذات الشكل الطارئ، في أوروبا وغيرها، لكن أيضا لانها تأتي في سياق إنحدار لا يمكن إيقافه لمفاهيم دولة الأمة والتآكل العام لمفهوم القانوني-السياسي. فاللاجئون ربما هم الشكل الوحيد الممكن تصوره للشعوب المُصوَّرة. على الأقل حتى تنتهي عملية انحلال دولة الأمة وسيادتها، فإن اللاجئ هو الوحيد القادر على تلقي واستيعاب الصيغ والحدود الخاصة بالمجتمع السياسي المستقبلي. بالطبع، إذا ما أردنا أن نكون بنفس المستوى مع المهمة غير المألوفة التي تواجهنا، فإن علينا ترك -بدون أي شكوك- المفاهيم الأساسية التي قدمناها للنقاشات والأطروحات السياسية حتى يومنا هذا (ليس فقط مفاهيم الإنسان والمواطن ذو الحقوق، بل أيضا سيادة الشعوب، مفهوم العامل، إلخ.) وأن نعيد بناء فلسفتنا السياسية باعتبار هذه الفئة المميزة فئة اللاجئ نقطة بداية وانطلاق.
برزت ظاهرة اللاجئين كظاهرة كبرى بنهاية الحرب العالمية الأولى، عندما انهارت الإمبراطوريات الروسية، والنمساوية-المجرية، والإمبراطورية العثمانية، حيث قام النظام العالمي الجديد والذي نشأ عن اتفاقيات السلام بخلخلة البنية الديموغرافية والمناطقية لوسط وشرق أوروبا. ففي وقت قصير نزح مليون ونصف مليون شخص من روسيا البيضاء، وسبعمئة ألف أرمنيّ، وخمسمئة ألف بلغاري، ومليون يوناني، ومئات الآلاف من الألمان والمجريين والرومان، من بلدانهم وانتقلوا إلى بلدانٍ أخرى. ويجب أن نضيف إلى الجموع المتحركة هذه الوضع المتفجر الذي أدت إليه تلك الحقيقة القائلة بأن الدول الجديدة التي صنعتها معاهدات السلام على طراز مفهوم الدولة الحديثة (مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا)، تشكل الأقليات فيها 30 بالمئة من مواطنيها، وأن هذه الأقليات كان يُتوجب حمايتها من خلال سلسلة اتفاقيات دولية (تسمى أيضا اتفاقيات الأقليات)، والتي بقيت مجرد أوراق لا فائدة يرجى منها. وفي السنين القليلة اللاحقة، تسببت القوانين العنصرية في ألمانيا والحرب الأهلية الإسبانية في انتشار وحدات كبيرة من اللاجئين في أرجاء أوروبا.
لقد اعتدنا على التفريق بين الشخص الذي لا دولة له وبين اللاجئ، ولكن هذا التفريق الآن كما في السابق، لا يبدو بذات السهولة التي نظن عندما نفكر بداية في الأمر. فمنذ البداية، كان الكثير من اللاجئين والذين كانوا تقنيا ليسوا من أولئك الأشخاص الذين لا دولة لهم وإنما فضلوا أن يكونوا كذلك على أن لا يعودوا لبلدانهم (تنطبق هذه الحالة على البولنديين والرومانيين اليهود، والذين كانوا في فرنسا وألمانيا في أواخر الحرب، أو ضحايا العنف اليوم والاضطهاد السياسي، بالإضافة لأولئك الذين تعتبر العودة لأوطانهم بالنسبة لهم بمثابة إلقاء ذواتهم في التهلكة ونوع من استحالة البقاء). 
ليس هذا بموضع من أجل مناقشة تاريخ اللجان الدولية المختلفة والتي من خلالها رغبت الدول وعصبة الأمم ولاحقا الأمم المتحدة في التعامل مع أزمة اللاجئين من خلال مكتب نانسن للاجئين الروس والأرمن (١٩٢١) إلى الهيئة المفوضية العليا للاجئين في ألمانيا (١٩٣٦)، إلى اللجنة الحكومية الدولية للاجئين (١٩٣٨) ومنظمة اللاجئين في الأمم المتحدة(١٩٤٦) إلى المفوضية العليا للاجئين الحالية (١٩٥١). والأخيرة طبقا لنظامها الأساسي، تنص على أن عملها عمل “إنسانوي اجتماعي”، وليس سياسي وأنها ليست بمنظمة فاعلة سياسيا. إن النقطة الأساسية هي أنه في كل مرة لا يمثل فيها اللاجئون حالة فردية ولكن ظاهرة اجتماعية (كما حدث بين الحربين العالميتين، وكما يحدث الآن)، تُثبت كلّ من هذه المنظمات وتلك الدول بالرغم من الاستغاثات الجادة لها بسبب فقدان حقوق مكفولة ولا غنى عنها من حقوق الإنسان، تثبت أنها ليست فقط غير قادرة على إيجاد حلٍ لهذه الأزمات، ولكنها أيضا فاشلة بالتعامل مع هذه الأزمات بالشكل المطلوب. وبهذه الطريقة يصبح الإشكال هذا كله قد انتقل من يد الشرطة إلى يد المنظمات الإنسانية.
ويكمن سبب هذا العجز ليس فقط في الأنانية وانحجاب الرؤية لدى الأجهزة البيروقراطية، وإنما في المفاهيم الأساسية التي تنظم وتنقُش مفهوم المواطن (ويقصد بهذا حياته) في النظام القانوني في داخل مفهوم دولة الأمة. كانت حنة ارنت قد خصصت الفصل الخامس من كتابها عن الإمبريالية، والذي خُصِّص لنقاش مسألة اللاجئين، وعنونته بـ “انحطاط الدولة الأمة ونهاية حقوق الإنسان”. هذه الصياغة -التي لا مناص منها -والتي يجب أخذها بجدية، تربط مصير حقوق الإنسان بمفهوم الدولة الوطنية الحديث، بطريقة تجعل إنهيار الدولة مؤدٍ بالضرورة لأن تكون حقوق الإنسان آيلة للزوال. والمفارقة هنا تكمن في أنه ذلك القالب – مفهوم اللاجئ –  بالتحديد والذي كان لزاما عليه أن يُجسِّد مفهوم تساوي البشر، شكّل على النقيض الأزمة الجذرية لذات المفهوم. كتبت حنة ارنت عن مفهوم حقوق الإنسان: “إنّ مفهوم حقوق الإنسان، المبنيّ على افتراض وجود الإنسان كإنسانٍ محض، انهار تمامًا حالما قابَل المؤمنون بِهِ أُناسًا خسِروا حقًا كل ميزة وَصِلةٍ خاصّة أخرى سِوى واقع كونهم بشرًا”. ففي نظام دولة الأمة، يكون ما يُزعم بأنه مقدس ولا يُتخلى عنه من حقوق للإنسان، ثبُت بأنه غير محمي بتاتا في تلك اللحظة التي لا تُصنف فيها تلك الحقوق كحقوق مواطن تلك الدولة. وهذا مُضمّن -إذا ما فكر المرء في الأمر -في غموض الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطنة عام ١٧٨٩، والذي لم يكن واضحا فيه هل الإسمين يسمّيان واقعين أو هما فقط صيغة من صيغ المبالغة، حيث لفظة المواطنة في الواقع من الأساس تتضمن الإنسانية؟
إذا كان وضع اللاجئ يُعبَّر عنه كعنصر مُقلق في النظام المكوِّن لدولة الأمة، فذلك يعود قبل كلّ شئ إلى فصل هوية الفرد إلى إنسان ومواطن، والفصل بين الولادة والجنسية، حيث يقوم اللاجئ برمي هذا التخيل لمفهوم السيادة عند الدولة في صلب دوامة الأزمة. رغم ذلك كان هناك استثناءات لهذه القاعدة بطبيعة الحال، التي نجدها في بِدع عصرنا والتي تهدد الأسس الأولية لدولة الأمة، وأهم هذه البِدع بطبيعة الحال هي تزايد عدد البشر الذين لم تعد دولة الأمة قادة على استيعابهم والتعبير عنهم. ونظراً لأن اللاجئ يزعج ذلك الثالوث القديم (الدولة/الأمة/الأرض)، وعلى ما يبدو أن هذا الرمز الهامشي (اللاجئ) يستحق أن يكون هو الرمز الرئيسي في تاريخنا السياسي. سيكون من حَسَن الأمور ألا ننسى المخيمات القديمة التي شُيّدت في أوروبا كمجمعات للتحكم والسيطرة على اللاجئين، وما توالى بعد ذلك من مخيمات الإسكان الجبري إلى مخيمات الإعتقال، إلى مخيمات الإبادة حيث تمثل هذه المخيمات تسلسل طبيعي لما سبقها. إن إسقاط الجنسية عن اليهود والغجر كان أحد القوانين التي مهدت لإطلاق عملية “الحل الأخير” النازية، والذي تم فقط بعد ما سبق ذكره (وكان قد شمل ذلك المواطنين من الدرجة الثانية الذي منحوا هذا التصنيف عقِب قوانين نورمبرغ التي ورد ذكرها آنفا) وأصبح ممكنا أن يتم إرسالهم لمخيمات الإبادة. فحقوق الإنسان لم تعد حينها حقوق المواطن، فحينها يصبح الإنسان قابل أن يُضحّى به، بالمعنى القانوني الروماني القديم: من لا عِقاب في قتله.
لزامٌ علينا ان نفصل بين مفهوم اللاجئ من مفهوم حقوق الإنسان، وأن نتوقف عن اعتبار حق اللجوء – والذي يتم حظره بشكل كبير تشريعيا في الكثير من دول أوروبا – كتصنيف مبدئي تتأثر به ظاهرة اللجوء. فاللاجئ يجب أن يُنظر له بما هو عليه، وذلك بأن يُنظر له بأنه أزمة حدود، أزمة تشكك في مفاهيم دولة الأمة، وفي نفس الوقت تفسح المجال لأي تصانيف أخرى غير قابلة للتأجيل. تفترض أزمة ما يسمى باللاجئين غير الشرعيين إلى المجتمعات الأوروبية (والتي بافتراض ذلك في السنوات القادمة عندما يدخل 20 مليون لاجئ إليها قادمين من أوروبا الوسطى) عدة خصائص وأبعاد من أجل أن تبرر هذه الثورة في وجهات النظر. فما تواجهه الدول الصناعية اليوم هو إقامة دائمة من قِبل غير المواطنين، والذين هم لا يريدون ولا يستطيعون الحصول على الجنسية ولا أن يعودوا إلى أوطانهم. فغالبا غير المواطنين هؤلاء لديهم جنسيات أصلية في المقام الأول، ولكن نظراً لأنهم لا يفضّلون خدمات دولهم الأصلية الأمنية وحمايتها، فهم كاللاجئين تماما، “عديمي الجنسية بحكم الواقع” بالنسبة لأولئك المقيمين. ابتكر الكاتب توماس هامار لفظة جديدة وهي “الإنسان المؤقلم”، والتي تتميز بقدرتها على إظهار أن مفهوم المواطن لم يعد كاف لوصف الواقع الإجتماعي السياسي في الدول الحديثة. وفي المقابل يبرهن مواطنو الدول الصناعية المتقدمة (في الولايات المتحدة وأوروبا) من خلال هجرهم الموثّق للمشاركة السياسية، والميل الواضح للتحول إلى “الإنسان المؤقلم”، إلى الإنسجام مع المبدأ المعروف القائل بأن الإندماج المجتمعي الجوهري في وجود اختلافات أساسية يضرّ بالكراهية والتعصب والبغضاء وكراهية الأغراب، وإلى زيادة التضامن الجمعي.في المنطقة المتنازع عليها بين لبنان واسرائيل اليوم، هناك أربع مائة وخمسة وعشرون فلسطينيا تم تهجيرهم من قبل دولة اسرائيل. بحسب اقتراح حنة ارندت، فإن هؤلاء الأشخاص يشكلون طلائع شعب جديد. هذا لا يعني بالضرورة أو حصريا أنهم يمكن أن يكونوا النواة لدولة قومية مستقبلية، والتي من الممكن أن تكون حلاً للمشكلة الفلسطينية بنفس السوء الذي حلت به اسرائيل السؤال اليهودي على الأرجح، لكن بالأحرى فإن المنطقة المتنازع عليها التي لجأوا إليها وجدت بأثر رجعي داخل حدود دولة اسرائيل، مما يعني تقسيمها وتغييرها بحيث أن صورة ذاك “التل المغطى بالثلج” قد أصبحت جزءا من تلك المنطقة أكثر من أي منطقة تابعة لاسرائيل. لا يمكن تخيل نجاة الإنسان السياسية اليوم إلا حيث تكون أراضي الدول متداخلة ومشوهة طبوغرافيا، وحيث يكون المواطن قد تعلم الاعتراف باللاجىء والذي هو ذات المواطن.

كيف يسيطر أباطرة السلاح على العالـم؟

          هيثم قطب
عند دراسة ساحات صراع العالم دائمًا ما نجد عملة واحدة يتشارك فيها ويتعامل بها الجميع؛ فمثلًا ما الذي يربط بين إسرائيل والدول العربية والولايات المتحدة وإيران وروسيا والصين وفصائل المقاومة والنظام السوريين وحكومات الدول الأفريقية والحركات الانفصالية هناك والاتحاد الأوروبي وحكومات أمريكا اللاتينية وإمبراطورية المخدرات العالمية وعصابات شرق أوروبا وتنظيم المافيا الدولي وداعش؟ لوهلة قد يبدو من الجنون الربط بين كل هؤلاء، لكن تفكيرًا بسيطًا سيوصلنا إلى عالم الواقع، حيث لا يوتوبيا، وحيثما نظرنا وجدنا العالم الحقيقي، المكان الذي تتغذى عليه الحروب وتحيا عليه صناعة كاملة هي التي تتحكم بشكل رئيسي في إدارة الكوكب.
هذا التقرير يحاول إلقاء نظرة سريعة على عالم تنشر فيه الولايات المتحدة (السلام) عن طريق صفقات (تسليح) مليارية، وتتنافس فيه الصين على إشعال الحروب الأهلية، ويتورط فيه الساسة بأخذ رشاوى بالملايين؛ عالم أباطرة السلاح. 
ما الذي يمكن معرفته عن تجارة السلاح؟
كل الأرقام التي أطلقت لتحديد حجم تجارة الأسلحة هي أرقام تقديرية لعدم وجود معلومات دقيقة، لكن أغلب التقديرات الموثوق منها تجمع على إنفاق سنوي يتأرجح ما بين التريليون ونصف والاثنين تريليون دولار، وهو رقم بجانبه اثنا عشر صفراً ويساوي تقريبًا 3% من كامل الناتج المحلي العالمي، والرقم الموثق لـ 2013 والذي أعلن منذ ثلاثة أشهر في ديسمبر الماضي هو 1.75 تريليون دولار، كدلالة قاطعة على أنها التجارة الأقوى عالميًا متخطية تجارة المخدرات صاحبة المركز الثاني. مبيعات أكبر 100 شركة في مجال صناعة وتطوير الأسلحة تقترب بشكل حثيث من نصف تريليون دولار، والصناعة نفسها لا تقتصر على صناعات الشركات الكبرى التي تغذي الجيوش النظامية فقط، وإنما تمتد لأبحاث عسكرية ودعم لوجيستي وصناعات الأسلحة المتوسطة والصغيرة وميكانيزم تهريب السلاح وعمولات الساسة والسماسرة والجنرالات لتسهيل الشراء أو إرساء المناقصات على شركات بعينها.
على عرش مصدري الأسلحة تتربع ثلاث دول بلا منافس قريب وهي (الولايات المتحدة/ روسيا/ الصين)، يأتي بعدها أكبر أربع دول في الاتحاد الأوروبي، في صناعة السلاح وهي (فرنسا/ إنجلترا/ ألمانيا/ إيطاليا)، ثم نجد إسرائيل، بينما تحتل الهند المركز الأول عالميًا في استيراد الأسلحة، تليها الإمارات فالصين ثم المملكة العربية السعودية فباكستان، وتأتي الولايات المتحدة في المركز العاشر ومصر في المركز الثاني عشر. وما تستورده الولايات المتحدة ليس أسلحة عادية بالطبع وإنما تستورد أنظمة إلكترونية دفاعية دقيقة في الغالب وأسلحة متوسطة وصغيرة لا تصنعها بكثافة أو صفقات ضئيلة في إطار توطيد علاقات سياسية بدولة أخرى.
الإنفاق الدفاعي في الولايات المتحدة هو الأعلى عالمياً وأربعة أضعاف الصين التي تأتي في المركز الثاني؛ تنفق الولايات المتحدة ما قيمته 682 مليار دولار على عالم الأسلحة بكل ما يحتويه، ما يوازي 4.4 من الناتج المحلي الأمريكي. ثم الصين بـ 166 مليار دولار، ثم روسيا بـ 90.7 مليار فبريطانيا بـ 60.8 مليار ثم اليابان بـ 59.3، وتأتي المملكة العربية السعودية في المركز السابع بـ 56.7 مليار. والولايات المتحدة تنفق ما يوازي الإنفاق العسكري لإحدى عشرة دولة تالية في الترتيب عالمياً، وتحتل نسبة 44% من سوق الأسلحة العالمي!
من ضمن أكبر عشر شركات عالمية لصناعة السلاح تمتلك الولايات المتحدة سبعًا منها، على رأس قائمة الشركات العالمية تأتي لوكهيد مارتن (Lockheed Martin) الأمريكية بمبيعات سنوية تتجاوز الـ 36 مليار دولار، تتبعها عملاق صناعة الطائرات (Boeing) بـ 32 مليار دولار تقريبًا وهي أمريكية أيضًا، ثم الشركة البريطانية للصناعات الدفاعية والطيران(BAE Systems) وهي المنافس الأوروبي الأقوى للولايات المتحدة بما يزيد عن 29 مليارًا، ثم جنرال داينامكس (General Dynamics) بـ 24 مليارًا تقريبًا فـ(رايثيون Raytheon) بـ 22.5 مليار دولار.
 
 
 لماذا نشعـل حربًـا؟!
دورة حياة الأسلحة شديدة البساطة، تُطور فكرة سلاح ثم يُصنع ثم تبدأ مرحلة النسخ والتحديث على فترات متوسطة الطول، أثناء التحديث يتم التعامل مع النسخ الحالية بصيانتها واستبدال قطع فيها، وللسلاح – حسب نوعه ودرجته – عمر افتراضي يصبح بعده لا قيمة له عسكريًا.
كل ذلك جميل، لكن لا قيمة للأسلحة بدون تجربتها!
يعرف العالم تجارة الأسلحة من خلال مبدأين أساسيين: أولهما أن السلاح خلق ليستعمل؛ فكلما زادت الحروب زاد الربح وراجت الصناعة، وكلما قلت الحروب والصراعات كان ذلك في غاية الضرر بالصناعات الدفاعية وصناعة السلاح عمومًا. لذلك وبغض النظر عن صفقات الجيوش النظامية فإن العالم لا بد وأن يحتوي على بؤر معينة مشتعلة باستمرار ولا تنطفئ أو تهدأ أبدًا لضمان استمرار الأرباح المليارية.
أما المبدأ الثاني فهو (تجربة السلاح)، هناك أسلحة تصنع ولا بد من تجربتها في مكان ما لضمان فاعليتها ولضمان استمرار مشروع تصنيعه وبالتالي تسويقه على نطاق واسع، وفي هذا الشأن لا يوجد أفضل من قصتين، أولاهما في مجال الأسلحة غير التقليدية؛ عندما أرادت الولايات المتحدة تجربة قنبلتيها الذريتين بنوعيهما ألقت واحدة على هيروشيما وأخرى على ناجازاكي، والأولى هي Little Boy ذات نظير اليورانيوم (يو 235) والثانية Fat Man وهي من البلوتونيوم 239. كانت الإبادة جماعية تسببت في وفاة مباشرة لربع مليون ياباني لتجربة السلاح لا أكثر، لأن الحرب العالمية حينها كانت انتهت إكلينيكيًا بانتصار الحلفاء! 
أما القصة الثانية فهي قصة الأسلحة الإسرائيلية التي تسببت في تمزيق أفريقيا، وخصوصًا رواندا التي شهدت إحدى أكبر عمليات الإبادة في التاريخ أثناء الاقتتال الأهلي هناك، وهي القصة التي وضحها باستفاضة أندرو فاينشتاين السياسي الجنوب أفريقي الشهير في كتابه شديد الأهمية (The Shadow World: Inside The Global Arms Trade ).
 
جولة رقمية قصيرة
إجمالي ما أنفقته الولايات المتحدة على مدار أكثر من عشر سنوات على غزو العراق فقط وما تبعه يوازي 4.4 تريليون دولار، وهو الرقم الذي أعلن أوباما أنه تريليون دولار وقدره معهد واطسون للدراسات الدولية بجامعة براون بأربعة أضعاف هذا الرقم، في 2012 فقط. بلغ ما ضخت الحكومة الأمريكية لتمويل العمليات الجارية في العراق وأفغانستان 1.38 تريليون دولار، نصف هذه التكاليف على الأقل كانت أرباحًا ونفقات صناعات دفاعية وأسلحة، وهي أرقام كفيلة بالقضاء التام على الفقر في العالم لأنه – بحسب تقديرات جولدمان ساكس – فإن الفقر يمكن أن ينتهي من العالم بإنفاق 175 مليار دولار سنويًا لمدة عشرين عامًا قادمة، وهو رقم يوازي الميزانيات الدفاعية للخمس دول الكبرى في العالم لثلاث سنوات قادمة فقط، لكن العالم ليس بهذه المثالية قطعًا.
على مستوى الأسلحة الصغيرة والشخصية هناك ما يقارب التريليون قطعة سلاح في العالم، الإنتاج السنوي من الطلقات يقارب الـ 20 مليار طلقة كل عام، ومعدل القتل يقترب من نصف مليون شخص كل عام يموتون بواسطة هذه الأسلحة، أي أنه وببساطة أكثر، كل دقيقة يموت إنسان بسبب الأسلحة الصغيرة والشخصية فقط!
إجمالي إنفاق الشرق الأوسط على الأسلحة والصفقات العسكرية بكافة أنواعها اقترب من الـ 91 مليار دولار، وهو رقم مرشح للزيادة في 2015 ليصل إلى 118.2 مليار دولار بحسب تقرير للـCNBC ، هذا الرقم تأخذ منه السعودية نصيب الأسد بـ 50%.
عندما ظهر تنظيم (داعش) على الساحة بشكل واسع النطاق ثم قررت الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي لمحاربته، كان هذا إيذانًا بفترة رفاهية وأرباح رائعة لشركات الأسلحة الأمريكية. مثلًا، وفي الفترة من يوليو إلى أغسطس من العام الماضي ارتفعت أسهم لوكهيد مارتن بنسبة 9.3%، وارتفعت أسهم جنرال داينامكس بنسبة 4.3%، أما رايثيون ونورثروب فبنسبة 3.8%.
لفهم أكثر فإن رايثيون مثلًا هي المصنعة لصواريخ الكروز وتحديدًا طراز التوماهوك الشهير، عندما قررت الولايات المتحدة توسيع ضربات التحالف لداعش في سوريا فازت رايثيون بعقد قيمته 251 مليون دولار لتوريد أكثر من مائة وخمسين صاروخًا للبحرية الأمريكية، في 23 سبتمبر أطلقت البحرية سبعة وأربعين صاروخًا على مواقع مستهدفة للتنظيم، تكلفة الصاروخ التوماهوك الواحد (1.4) مليون دولار، أي أن بحرية الولايات المتحدة أنفقت في ليلة واحدة في مكان واحد محدود ما يقارب الـ 66 مليون دولار على طراز واحد من نوع واحد من الأسلحة! 
 
فسـادٌ وفضائـح
صناعة الموت والحروب تعتبر من أكثر مجالات الأرض التي يتوغل فيها تنين الفساد بشكل كامل، ويمكن لفهم ما يحدث أن نتكلم سريعًا عن صفقة (اليمامة) أكبر صفقة أسلحة قانونية في التاريخ.
في سبتمبر لعام 1985 كانت أولى مراحل صفقة اليمامة، حيث وقع وزير الدفاع البريطاني حينها مايكل هيزلتاين مع السعودية عقودًا بتزويد الجيش الملكي بطائرات تورنيدو وBAE Hawk مع إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة للنوعين وصيانتهما دوريًا في صفقة بلغت 43 مليار جنيه إسترليني “ما يقارب الـ 86 مليار دولار”، لتشارك بالفعل الطائرات في حرب الخليج الثانية في 1991.
مضت السنوات ليأتي عام 2004 كاشفًا لبعض كواليس الصفقة، لتعلن شركة BAE عملاق صناعة الأسلحة العالمي البريطانية أن مكتب التحقيق في جرائم التزوير يجري تحقيقًا بالفعل يتناول تفاصيل صفقة اليمامة، قبلها كانت الإندبندنت البريطانية كاشفة لتلاعب واسع النطاق من طرف BAE التي دفعت رشاوى تقدر بستين مليون جنيه إسترليني (120 مليون دولار تقريبًا) لتسهيل إتمام الصفقة لمسئولين في وزارة الدفاع البريطانية وأمراء سعوديين.
بعد ذلك بعامين أعلن اللورد (جولد سميث) وقف التحقيقات في صفقة اليمامة بناءً على قرار من مكتب مكافحة التزوير نفسه، ليتضح بعدها بثلاث سنوات أن القرار في الأصل أتى من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير مباشرة بسبب ضغط سعودي عليه لعدم إتمام التحقيقات، وكما أعلن هو نفسه حينها أن إتمام التحقيق معناه تضرر العلاقات مع السعودية وفقدان الآلاف لوظائفهم!تقصت الـ BBC الصفقة وقالت في تحقيقها أن دعاوى الرشاوى تحوم حول الأمير بندر بن سلطان – مدير المخابرات المعفي من منصبه هذا العام والسفير السعودي في الولايات المتحدة حينها – والذي تقاضى ما يقارب الملياري دولار كعمولات على مدار عشر سنوات مقابل دوره في إنجاح الصفقة حتى تمت بالفعل، ثم في 2008 أقرت المحكمة العليا – أعلى هيئة تقاضٍ بريطانية – بعدم قانونية وقف التحقيقات لتعيد فتحه من جديد، وليتبع القرار القضائي تحقيق من الجارديان ذُكر فيه أن أمراء من العائلة المالكة السعودية تقاضوا رشاوى وعمولات ضخمة مقابل تسهيل صفقات الأسلحة بين السعودية وبريطانيا!
بالطبع لا يقتصر الأمر على هذا المثال فقط، بل يمكن الرجوع لغزو العراق الذي ساهم في ثراء فاحش لعدد كبير من شركات الدفاع وسماسرة السلاح وشركات الخدمات الأمنية في الولايات المتحدة وبريطانيا، كـ(ديل ستوفيل) الأمريكي مالك شركة (واي أوك) والذي كان أول من تعاونت معهم وزارة الدفاع العراقية المؤسسة ما بعد الغزو، حيث حصلت شركته الأمنية على عقود تزيد قيمتها على الأربعين مليون دولار بإسناد مباشر، وقتل في 2004 ويقال أنه تم اغتياله بعدما بدأ في توجيه التهديدات بفضح فساد عدد من ضباط البنتاجون بعد خلافات بين شركته وبين وزارة الدفاع الأمريكية!
ومن ضمن الفضائح أيضًا فضيحة إيران كونترا الشهيرة، حيث برز فيها عدنان خاشقجي الملياردير السعودي وأحد أهم تجار الأسلحة في العالم، وصاحب العلاقات الواسعة ببعض أفراد العائلة الملكية وشراكة طويلة مع عملاق الصناعات الدفاعية مارتن لوكهيد والتي دفعت له في التسعينات عمولة ورشاوى تقدر بمائة وستة مليون دولار مقابل تسهيل صفقات أسلحة.
  
كيف تحكم صناعة السلاح العالـم
صناع الأسلحة ليسوا مجرد مجموعة من رجال الأعمال والمستثمرين لا أكثر؛ التصور الصحيح للأمور هو أن صناعة السلاح شبكة “ماتريكس” حقيقية في غاية التعقيد، يعمل بها وينتفع منها عشرات الملايين من الأشخاص.
يمكن توضيح الصورة بتوضيح اللاعب الرئيسي العالمي وهو (MIC) أو المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، في البدء فإن مصطلح المجمع الصناعي العسكري عمومًا (military – industrial complex) هو مصطلح يشرح طبيعة العلاقة الوطيدة بين القوات المسلحة للدولة، المشرعين القانونيين (مجالس النواب)، ومتعاقدي الدفاع (شركات الأسلحة/ السماسرة/ رجال أعمال ومستثمرين)، وكيف تتكامل هذه الأطراف الثلاثة وتتحالف مع بعضها لتشكل دولة داخل الدولة، وهو المصطلح الذي اكتسب شهرته من استخدام الرئيس الأمريكي أيزنهاور له في أول العقد الخمسيني عندما حذر الشعب من المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يمثل أكبر خطر على الولايات المتحدة، بينما هو في الحقيقة مصدر الشرور الأساسي في العالم وفوهة الجحيم التي تنتج أغلب حروب الكوكب.
منذ أكثر من ثلاث سنوات كتب جون وايتهيد، ناشط حقوق الإنسان الأمريكي الشهير، مقالًا على موقع مؤسسة مستقبل الحرية يحذر فيه من المجمع الصناعي العسكري الأمريكي واصفًا إياه بأنه (عدوٌ من الداخل)، وأن الاتحاد غير المشروع بين الكونجرس (مجلس التشريع الأمريكي) والبنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) وشركات الأسلحة هو أكبر تهديد للدولة الأمريكية الهشة من الداخل.
ثم أضاف أن هذه الرابطة التي تضم سياسيين مرتشين فسدة وسماسرة عسكريين جشعين ومسؤولين حكوميين يفتقدون للكفاءة بتعبيره، تنفق قرابة الـ 20 مليون دولار في الساعة الواحدة عسكريًا على الحروب الخارجية بما يقارب الخمسة عشر مليار دولار شهريًا، هذا الرقم لا يشمل أي تكاليف تشغيل ودعم لوجستي لأي من القواعد العسكرية خارج الولايات المتحدة التي تنتشر في دول العالم ويزيد عددها عن الألف قاعدة، والبنتاجون نفسه ينفق ما يزيد على ما تنفقه الخمسون ولاية أمريكية مجتمعة على بنود (الصحة/ التعليم/ الأمن/ الرفاهية)!
المجمع له أيادٍ بيضاء في كل العالم، فمثلًا أنفقت الولايات المتحدة ما يقارب الـ 4 مليون دولار يوميًا على خدمة الاقتتال الأهلي في ليبيا، وكما أسلفنا رسميًا تريليون ونصفًا على غزو العراق وأفغانستان، وفعليًا أربعة تريليونات ونصفًا، ثم أورد وايتهيد رقمًا مخيفًا وهو تكلفة خدمة الجنود الأمريكيين في أفغانستان في العام والتي تعدت مليون دولار للجندي الواحد بسبب ضبابية التكاليف وعدم وجود رقابة من أي نوع!
يواصل جون حديثه عن المجمع واصفًا إياه بالإمبراطورية الأكبر في التاريخ، حيث نجح المجمع من خلال لوبيات ضغطه وتنسيق دقيق بين أطرافه في توصيل الاستثمار الأمريكي للحرب – والذي يعتبر من أكثر الاستثمارات ربحية في العالم – إلى 177 دولة تتمركز فيها قوات أمريكية بواقع أكثر من 70% من دول العالم، ويضيف أن مكتب الرقابة الحكومية في الكونجرس اكتشف أن البنتاجون قد أضاع 70 مليار دولار بسبب قصور إداري وإجراءات خاطئة لا أكثر، وأن بعض فواتير شركات الأسلحة بها فساد وصل لنسبة 51.00 % وفي بعض التعاقدات الأخرى وصل ل 21.000 % وهي نسبة مرعبة.

«الاستدانة» .. آخر الحلول وبداية الهموم

يمر الموظف سند عبد الرحمن (42 عاما) كغيره من الموظفين بظروف صعبة نتيجة متطلبات الحياة الكثيرة وغلاء المعيشة وطلبات الأبناء، الأمر الذي يجبره على الاستدانة باستمرار، مما يجعله يشعر بالإحباط والكآبة طوال الوقت.
يعترف عبد الرحمن أنه يسعى دائما لتوفير حياة كريمة لأبنائه، إلا أنه فقد السيطرة في الآونة الأخيرة على ضبط أعصابه في كيفية الحوار والتعامل معهم، فمجرد عودته للمنزل تنشب المشاحنات والخلافات لأتفه الأسباب، حسب قوله.
يقول “أشعر بضغط نفسي كبير، وزوجتي تشاركني هذه الأزمات”، منوها إلى أن “أبنائي الأربعة أصبحوا يتحاشون الجلوس معي بسبب عصبيتي”، متابعا أنه يتذرع دوما في التهرب من الجلوس معهم بانشغالاته ويحاول الخلود للنوم باكرا.
يلجأ كثيرون للاستدانة من الزملاء في العمل أو الأقارب والأصدقاء، ليس بالضرورة لمجاراة المظاهر، بل تضطر بعض الظروف الناس إلى الاستدانة، واللجوء لهذا الحل باستمرار قد يؤدي في نهاية المطاف للشعور بأمراض مختلفة من أرق وقلق واكتئاب أحيانا، فضلا عن تزعزع العلاقات الاجتماعية في حال امتنع أو لم يستطع المدين سداد الدين، لتغدو الاستدانة بمثابة هم وأرق يلازم صاحبه ليل نهار.
وفي هذا الشأن، يبين الاختصاصي النفسي د. خليل العبيدي  الآثار السلبية للديون على الصحة النفسية للإنسان؛ حيث تؤدي إلى شعوره بعدم الأمان والاستقرار، وشعوره وكأنه يغرق، الأمر الذي يؤدي إلى الكثير من المشاكل الصحية على المدى البعيد، وينعكس على أسرته والمحيطين به أيضا.
ويلفت العبيدي إلى أن هناك العديد من المشاكل الأسرية التي تنشب بسبب تراكم الديون وعدم القدرة على سدادها، ويصل الأمر لخلافات كبيرة ومستمرة لا تجعل الأمور على ما يرام بين الشريكين، وأحيانا تصل لإنهاء العلاقة بشريك الحياة، أو تؤثر بشكل سلبي على الحالة النفسية للأبناء ونظرتهم للمستقبل.
ويوضح :” أن كبار السن أكثر عرضة لأعراض الاكتئاب بسبب تراكم الديون مستحقة الدفع، وأنها تسبب شعورا بعدم السيطرة على حياتهم وعلى أوضاعهم المالية تحديدا، وبالتالي تنعكس على علاقتهم بالآخرين المقربين منهم.
ويبين السيد أبو سالم” موظف”، أنه فقد السعادة بزواجه، بسبب تراكم الديون وتعدد المسؤوليات، موضحا أن زواجه أجبره على الاقتراض، ما جعله يتحاشى الخروج من المنزل مع زوجته، كي لا يصادف أحدا يطالبه فيحرجه أمامها”.
ويشير إلى أن ذلك انعكس على علاقته معها؛ حيث إنه كلما طالبها أحد أو حان موعد السداد، فإنه يربط ذلك بالزواج وتكاليفه، لينعكس الأمر على علاقتهما بفقدان الحوار بينهما.
وكذلك حال السيدة أم ثائر،”50 “ سنة”ربة بيت” ،التي توضح أن راتب تقاعد زوجها لا يكفي لمتطلبات الحياة البسيطة، مما أجبرها على الاستدانة، فلديها ثلاثة أولاد وابنتان بأعمار متفاوتة.
تقول أم ثائر “أرهقتني مطالب أبنائي، ولا أستطيع أن ألومهم، فهم مايزالون يرغبون بالحياة ويريدون الحياة الكريمة بالمقارنة مع أصدقائهم والمحيطين بهم”.
وتوضح أن كل تلك الأمور دعتها للاستدانة من الأهل والجيران والأصدقاء، ما جعلها تفقد علاقاتها بالعديد منهم، نظرا لأنها لم تستطع تسديد المال الذي أخذته منهم.
وتشاركها الرأي االسيدة سلوى عامر، في :”أن ظروف الحياة جعلتها تلعق الصبر مع أبنائها الأربعة، وذلك في غياب والديها وطلاقها من زوجها المتنكر لأبنائه، قائلة “اضطررت للاستدانة من اخوتي لأحصل على منزل يؤويني وأبنائي، فراتبي يذهب في تسديد القروض والديون ومتطلبات الحياة اليومية من أكل وشرب وترفيه”.
وتضيف، أنها فقدت صديقاتها، بل وأصبحن لا يجبن على اتصالاتها بهن، لعلمهن بأنها ستقترض منهن مبلغا من المال، موضحة أن حياتها أصبحت شاقة، خاصة أن أبناءها بدأوا يكبرون وتكبر معهم متطلباتهم ورغباتهم، وللأسف لا يخلو يوم من الخلافات بينهم بسبب تلبية هذه المتطلبات”. 
من جهته، يبين استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان أن لكل شخص ولكل أسرة إمكانياتها الاقتصادية وظروفها المعيشية الخاصة، وبالنظر إلى صعوبة الحياة الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها كثيرون على مستوى الأفراد والأسر، فإنه لا بد من الاهتمام بوضع الميزانية لكل أسرة، مما يساعد على تجنب أو “التقليل” من اللجوء إلى الاستدانة التي تتسبب في كثير من المشكلات للأفراد والأسر.
وينوه إلى أن الميزانية مفترض أن تتم بناء على موارد الأسرة ومصروفاتها الضرورية، والأمر الآخر لا بد أن تراعي الأسرة والأشخاص الاقتصاد بالنفقات والمصروفات وعدم اللجوء إلى المصروفات الزائدة والكماليات والاهتمام بالضروريات بشكل أساسي، وعدم اللجوء إلى الاستدانة إلا في حالات الضرورة القصوى، وأن تتم دراسة الطريقة التي سيتم من خلالها تسديد الديون قبل اللجوء إلى الاستدانة، وفي كثير من الأحيان تتم الاستدانة من أجل الإنفاق على أمور غير ضرورية كالاقتراض لتحديث الهاتف النقال أو السيارة أو فرش المنزل.
ويضيف “هناك بعض الوسائل التي قد تسهم في تقليل أعباء “الاستدانة” مثل، اقتطاع مبلغ يوضع للحالات الطارئة والتي تستخدم عند الضرورة القصوى، أيضا إيجاد صناديق للتكافل الاجتماعي داخل الأسر والعائلات الكبيرة؛ حيث تتم الاستفادة منها عند الضرورة، وهناك صناديق للتكافل داخل المؤسسات الكبيرة داخل الشركات شريطة أن يلتزم الشخص بتسديد المبالغ المأخوذة في أقرب وقت ممكن”.
ويجب التركيز على التكافل وتقديم المساعدات سواء من المؤسسات أو الأشخاص للأسر المحتاجة، وفق سرحان، تنمية الصناديق والتوسع في توزيع أموال الزكاة وحث الأغنياء والميسورين على تقديم جزء من أموالهم لمساعدة الفقراء والمحتاجين، وأيضا التقليل من الديون التي تتم لأغراض المناسبات الاجتماعية كالزواج والوفاة.

جدل في البيوت: زوجوه فقد يعقل

المستقبل العراقي/احلام طالب 
يظن بعض أولياء الأمور أنّ الزواج مصحة أو إصلاحية لتهذيب سلوك أبنائهم الذين عجزوا عن السيطرة عليهم، وذلك من باب (زوجوه يمكن يعقل، أو زوجوه يمكن يعقل ويترك خرابيطه).. وخرابيطه هذه كلمة مطاطية، تحمل الكثير من التأويلات، منها: الإدمان على تعاطي المخدرات والمسكرات، ومنها السلوك الإجرامي، والانحراف الأخلاقي. ولعل من أخف درجاته الاستهتار وعدم تحمل المسؤولية.
 وهذا النوع من الزواج الذي يمكن أن نطلق عليه زواج المجازفة من الطبيعي أن يحصل على نسب عالية من الفشل، وأن يخلف العديد من المطلقات الهاربات أو اللاتي فضلن الموت البطيء.
الزواج مسؤولية
بداية، ترى الكاتبة والإعلامية مها عقيل أنّ الزواج مسؤولية، ومن كان طائشاً أو مستهتراً كيف يمكن لأهله أن يتوقعوا أنه (سيعقل) أو سيتغير بعد الزواج، وسيتحول إلى إنسان راشد يعي المسؤولية، وتتساءل: «لا أدري لماذا يصر بعض الأهالي على تزويج أولادهم وبناتهم إذا كانوا غير مستعدين نفسيّاً وناضجين عقليّاً لتحمل مسؤولية الزواج ورعاية أسرة.
 وتتابع: هذه مخاطرة ومجازفة غير محسومة النتائج، وفيها تلاعب بحياة ومستقبل الإنسانة التي سترتبط به وربما بأطفال. لذلك يجب ألا يستخدم الزواج كحل لمشكلة؛ لأنه قد يخلق مشاكل أخرى أكثر تعقيداً. والزواج إن كان يراد له النجاح يجب أن يكون مبنيّاً على التفاهم والمحبة والثقة. ومثل هذه الزيجات متوقع لها الفشل، وإن استمرت تحت الضغط الأسري، فهي مازالت فاشلة؛ لأنها لا توفر السكينة. وبالتأكيد من دفع نحو إتمام مثل هذه الزيجات يتحمل مسؤولية فشلها.
زيجات محكومة بالفشل
وتقول منال الدباغ: “هذا للأسف حاصل بمجتمعنا، حيث يحاول الأهالي إخفاء عيوب أبنائهم، وتكون الصاعقة بعد الزواج؛ حين تكتشف الزوجة أنه مريض ويعاني من خلل ما، ومن القصص الغريبة التي أذكرها أنّ أسرة أجبرت ولدها على الزواج لتكتشف العروس ليلة الدخلة أنّ عريسها من الجنس الثالث، وخوفاً من الفضيحة وكلام الناس اضطرت الزوجة للصبر، وأن تعيش مع زوجها كالأصدقاء، وبعدها تم الانفصال. وفي قصة أخرى كانت صدمة عروس وأهلها كبيرة، بعد معرفة حقيقة العريس الذي لم يكن إلا مريضاً نفسيّاً يعاني من انفصام في الشخصية”.
وتعتبر فوزيه عبد السيد:” أنّ مثل هذه الزيجات محكوم عليها بالفشل، بل إنها من أسباب ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع، عوضاً عن الأضرار النفسية والإحساس بالمرارة والظلم الذي تشعر به الزوجات ممن ابتلين بمثل هؤلاء الأزواج، الذين لم تجد أسرهم وسيلة علاج لهم سوى بتزويجهم من فتيات من خارج العائلة، اللاتي تصدم أحلامهن الوردية بمشاكل لا حصر لها”.
بنات الناس حقل تجارب!!
وفي الإطار ذاته، تقول سناء صلاح: “بنات الناس لسن حقلاً للتجارب، ومن المؤسف أنّ الكثير منهن ذهبن ضحايا لمثل هذه الزيجات. وتضيف: أذكر قصة لإحدى الزوجات عندما تفاجأت بعد أسبوع من زواجها بحالة زوجها، الذي كان في حالة هلوسة، فأصابها الرعب، وأقنعها أهل الزوج بأنه مصاب بحالة نفسية، ولكنها اكتشفت الحقيقة لاحقاً؛ وهي أنه مدمن على الحبوب والشراب، وقد عاتبت أهل زوجها، وصمدت لمدة أربعة أشهر، وبعدها طلبت الطلاق؛ لأنه لم يعد بمقدورها التحمل.
اليوم غير الأمس
ويرى مدرس الرياضيات قاسم عبد الحسن :” أنه ربما كانت هذه العبارة صالحة لأجيال سابقة، وكانت غالباً تؤتي ثمارها لعدة أسباب منها: أنّ هذا الشاب يمكن احتواؤه؛ لأنه يعيش في مجتمع صغير، وهذا يجعله أكثر تحملاً للمسؤولية بعد إجباره عليها؛ خوفاً من انتقادات مجتمعه، أما الآن ومع هذه المغريات الحياتية والتطور التكنولوجي لا يمكن أن تنجح “زوجوه يمكن يعقل”، فالشباب لم يعد قادراً على تحمل المسؤولية، والدليل ارتفاع نسب الطلاق بشكل مخيف”.
ويؤيده في ذلك الممثل محمد الجبوري الذي يرى:” أنّ فكرة الزواج بتلك الطريقة فيها كثير من الظلم والغش للزوجة، لذلك من الضروري أن تتحرى الزوجة وأهلها بالسؤال عن العريس، وكما يجب أن يتم إدراج فحص المخدرات والأمراض النفسية ضمن قائمة الفحص ما قبل الزواج”.
  وفي رأي مخالف يرى حسين فاضل “ موظف “احتمالية :”نجاح مثل هذا النوع من الزواج في بعض الأحيان، إذا كان الزوج يملك قابلية لتحمل المسؤولية، أما إذا كان لا يملك تلك المقومات فمن السهل جداً إلقاء اللوم والأخطاء على الزوجة. وأذكر قصة شاب أدمن على تعاطي المخدرات، وتزوج بفتاة، وتسير حياتهما الزوجية حاليّاً كما يقال على البركة، تعصف بها الكثير من المشاكل”.
 ومن وجهة نظر ناصرالساعدي  “ محامي “،:” أنّ الزواج أنموذج فريدٌ في العلاقات الإنسانية، ولابد للمقبل على الزواج من صفات يتصف بها، ومنها: العقل، والحكمة، وتحمل المسؤولية، وإذا كانت هذه الصفات غير موجودة فيه فليعلم الجميع أنّ مصير زواجه الطلاق والفشل لا محالة”.
 
ويرى الساعدي  أنّ مقولة “زوجوه يعقل”مقولة قد تكون صحيحة أحياناً، ولكن غالباً لا تصح، والهداية بيد الله، ومن القصص في هذا الجانب لزوجة استطاعت تعديل سلوك زوجها المنحرف للأحسن فأصبح من المداومين على أداء الصلاة في المسجد. وهذه بالتأكيد من الحالات النادرة، والتي تدل على أنّ الزوج يملك قابلية للتغيير، ولكن إذا كان طائشاً فكيف سيتحمل مسؤولية أسرة وبيت وأبناء. ولذلك أقول الصحيح في العبارة”عقلوه ثم زوجوه”، ولا تكونوا سبباً في تعاسة الفتيات وزيادة نسب الطلاق في المجتمع. 

فعل الخير.. مسؤولية ومساندة حقيقية للآخرين

المستقبل العراقي/علا التميمي 
حرقة كبيرة وغصة مؤلمة شعرت بها السيدة  شذى محمد عند ذهابها إلى مدرسة بناتها لتتفاجأ بزميلات بناتها في الصف يلبسن ما رق من الثياب بالكاد يحميهن من برد الشتاء.
تقول “ إنه لم تغب صورة هؤلاء الطالبات عن بالي، وسوء أوضاعهن دفعني لسؤال مديرة المدرسة التي بدورها شرحت لها الحال المتردي الذي تعاني منها تلك الأسرة التي تخلى عنهم والدهم بعد زواجه من أخرى.
خمس بنات وفي أعمار مختلفة يرتدن المدرسة مشيا على الأقدام وفي أيام الشتاء والبرد الشديد من دون معطف أو حتى حذاء ثقيل يقي أقدامهن من الماء والهواء، يسكتن جوع معدهن الفارغة بقطعة خبز ، ولا يحملن في جيوبهن اي مبلغ من المال  ، هكذا وصفت شذى حالهن.
وتستهجن شذى قساوة قلب الأب الذي رمى أسرته لأم تعمل عاملة نظافة في إحدى المستشفيات لا تجني سوى قليل من الدنانير تدفع منهم إيجار بيت، كهرباء، ماء ومتطلبات المنزل.
تلك التفاصيل كانت دافعا لشذى لتتصل بكل من تعرفه، آخذة على عاتقها مسؤولية كسوة هؤلاء البنات وتقديم المساعدة لهن بهمة أهل الخير وفق قولها.
القصص الموجعة كثيرة والناس المحتاجة تكاد تكون في كل مكان.
 هكذا عبر السيد أسعد غريب “ 52 “سنة ،الذي يتألم كل يوم عند مروره بأحد الأحياء أثناء ذهابه إلى المنزل ليتكرر مشهد تلك العائلة التي تسكن منزلا بلا شبابيك وتحت سقف من “ الجينكو”.
ويصف غريب  تلك الغصة التي يشعر بها ويلوم الناس الذين لا يشعرون بغيرهم ومن يبقى من دون طعام طوال اليوم في حين أن الكثير من الناس يتناولون ثلاث وأربع وجبات.
هذا المشهد المتكرر كان هو شرارة تلك المبادرة الفردية التي قام بها غريب، الذي اعتبر أن هذا البيت هو من مسؤوليته كونه يمر من جانبه دائما، فبدأ من أسرته الصغيرة لتمتد تلك المبادرة وتشمل العمل.
ولم يكتف الرجل بتلك المساعدات التي قدمها البعض من أسرته وزملائه في العمل فما كان منه إلا أن قام بطلب المساعدة من أصدقائه عبر موقع التواصل الأجتماعي “الفيسبوك “وجعل توصيل المساعدات لتلك الاسرة مهمته الشخصية.
من جهته يشير اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي إلى :”أن بحث الناس عن فرصة لفعل الخير إنما هي انعكاس للقيم الأخلاقية والشعور بالمسؤولية،” لافتا إلى ضرورة :”أن يكون الإنسان دائما متكاتفا مع الآخرين ويحب القيام بالخير”. ويضيف الخزاعي :”أن اهتمام الناس بالخير ينبع دائما من شعور الإنسان الداخلي بواجبه بتقديم الخدمات للآخرين فيقوم بمشاركتهم في اللباس والطعام، الأمر الذي يخلق لديه شعورا بالإرتياح والتحسن.”
ويبين أن ثمار فعل الخير لا يحصدها فاعل الخير فحسب، حيث تشعر مثل هذه السلوكيات الأشخاص المحتاجين بأن هناك من يهتم بهم ويشعر بهم كما أنها تصفي القلوب وتقوي العلاقات المجتمعية والنسيج المجتمعي.
ويختلف الناس وفق الخزاعي في طرق تقديمهم للخير فمنهم من يميل إلى القيام بذلك بشكل شخصي من دون أن يعلن عن نيته بتقديم الخير، حتى لا يشعر الآخرين بالخجل أو “الجميلة” وآخرون يقومون بتشكيل مبادرات جماعية ضمن محيط الأسرة أو الحي أو العشيرة يقدمون من خلالها المساعدات النقدية والعينينة للأسر المحتاجة. ويشيد الخزاعي بمثل هذه المبادرات الفردية ويشدد على دور الأهل في تربية أبنائهم على الإحساس بالمسؤولية إتجاه هذه الفئة من الناس وغرس حب المساعدة في نفوسهم منذ الصغر. أما السيدة  منى صالح فما أن تسمع عن أحد يرغب بفعل الخير أو تقديم مساعدة حتى تسارع للاتصال به وإرشاده لعائلة مستورة ومحتاجة معتبرة أن هذا العمل مرضاة لله من جهة وتذكير للناس المكتفين بأن هناك من يبحث عن كسرة خبر لسد الجوع.
تقول صالح “ إننا قدمنا المساعدات العينية والمادية للكثير من العائلات ونتمنى أن يكون هناك من يرغب بفعل الخير”، لافتة إلى أنه وعلى الرغم من وجود الكثير من الناس الذين يرغبون بتقديم الخير إلا أن الفقراء والمحتاجين يفوقونهم بأضعاف مضاعفة. وتتابع الجمعيات الخيرية لا تستطيع أن تغطي جميع العائلات وهناك ومن هم بأمس الحاجة إلى الشعور بالشبع، والدفء حتى الارتواء، إلا أن فقرهم وعوزهم ينغص عليهم حياتهم ويسرق منهم حتى الشعور بالأمان.
من جهته يشير اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطر إلى أهمية مثل هذه المبادرات سواء كانت فردية أو جماعية وأثرها الإيجابي على نفسية المجتمع، لافتا إلى وجود العديد من الأشخاص الذين يحبون فعل الخير ويقدمون المساعدة للأسر المحتاجة والفقيرة.
وينوه مطر إلى أن الحاجة ليست وليدة الملاحظة فحسب، بل هناك جمعيات ومراكز وجماعات منظمة ترصد الأسر الفقيرة والمحتاجة وترشد الراغبين بفعل الخير عليها بصورة منظمة.
ويتابع أن العشوائية تخرج العمل عن إطاره الحقيقي، مؤيدا بدوره الجهود المنظمة التي تضمن وصول المساعدات لمن يستحقها بصورة لائقة ومن دون أن تسبب لهم الإحراج.
ويلفت مطر أن سعي الناس إلى فعل الخير يدل على الأخلاق الحميدة والتربية الصحيحة التي نشأ عليها هذا المجتمع، لافتا إلى الأثر السلبي الذي يخلفه الفقر والعوز على نفسية أصحابه الذي يخلق بدوره مشكلة نفسية واجتماعية.
مشيرا إلى وجود العديد من الناس الذين يملكون كرامة وعفة يرفضون التسجيل في الجمعيات أو حتى إظهار حاجتهم أمام جيرانهم، مؤكدا في هذا الوضع ضرورة البحث عن العائلات المهمشة التي تتحفظ على الرغم من شدة عوزهم وفقرهم.
ويردف :”المشاركة الإنسانية لها تأثير كبير على نفسية الإنسان الفقير، حيث تخرجه من اليأس والإحباط وتشعره بان هناك من يهتم به ويشعر بهم ويقف إلى جانبهم ويساعدهم على تخطي المحن، فتخلق راحة نفسية وشعورا بعدم الغربة والألم وزوال الشعور بالظلم والقهر.
“الحالة التشاركية والتكافل والتراحم أساس النسيج الاجتماعي القوي”، قائلا إنها تخلق حالة إنسانية رائعة والشعور بالاستقرار، الأمر الذي يفرز مجتمعا سليما وآمنا خاليا من العقد النفسية”.