عودة الاستثنائية الأمريكية

 إدوارد لوس
حتى الآونة الأخيرة، معظم العالم كان يتوق لأن تُصبح الولايات المتحدة بلدا طبيعيا. لقد شهِدَت ما يكفي من أجندة الحرية الخاصة بجورج دبليو بوش على نحو يجعلها تتخلى عن الاستثنائية الأمريكية إلى الأبد. وينبغي للناس أن يكونوا حذرين فيما يتمنونه. دونالد ترامب قد يكون المرشح للرئاسة الأمريكية الأكثر عُرضة للزلات – والنزعة العدائية – في التاريخ. لكنه أيضا أول من سخر من الاعتقاد بأن مهمة أمريكا ينبغي أن تكون دعم القيم العالمية. ليس من الواضح ما إذا كان يعتقد حتى أن مثل هذه القيم موجودة. من ناحية أخرى، هيلاري كلينتون هي مشجّعة هذه القيم بلا حرج. قالت في حزيران (يونيو): «اعتقد من كل قلبي أن أمريكا هي بلاد استثنائية. فما زلنا، بكلمات لنكولن، أفضل آخر أمل للأرض».
الواقعيون في الولايات المتحدة الذين يعانون منذ فترة طويلة – أولئك الذين يجادلون بأن أمريكا ينبغي فقط أن تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية – يجب أن يتساءلوا عمّا فعلوه ليستحقوا مثل هذا البطل. ترامب يتعهد بتجنّب التعقيدات الخارجية، مثل الحروب الاستباقية في العراق. هذا هو ما يُريد الواقعيون سماعه. كذلك الأمر بالنسبة لرأي ترامب أن حلفاء أمريكا ينبغي أن يدفعوا أكثر مقابل الدفاع عنهم، أو أن الصين يحق لها احتلال الجزر المرجانية في بحر مُسمّى على اسمها. لماذا ينبغي دائما أن تلعب أمريكا دور الحكم؟ لكن ترامب يُفسد الأمور حتما من خلال إضافة اللمعان الخاص به – الوعد بهجوم نووي على داعش، مثلا، أو ادّعاء أن الرئيس باراك أوباما هو الذي أسس الجماعة الإرهابية. مفتاح الواقعية الناجحة هو المكر التكتيكي والمعرفة العميقة للعالم. ترامب يُجسّد العكس. مع أصدقاء مثل ترامب، لا يحتاج الواقعيون إلى أعداء.
هناك أيضا احتمال أن يخسر لمصلحة هيلاري في تشرين الثاني (نوفمبر). هزيمة ترامب ربما تأتي على الرغم من غرائزه المتعلقة بالسياسة الخارجية، وليس بسببها. على مدى أعوام، قال الشعب الأمريكي إنه سئم المغامرات العسكرية، ويعتقد أن أعضاء حلف الناتو ينبغي أن يتحمّلوا مزيدا من العبء، وأن دور أمريكا العالمي ينبغي أن يكون أكثر تواضعا. بناء الأمة لم يعُد فائزا في الانتخابات، هذا إذا كان كذلك على الإطلاق. شعار ترامب «أمريكا أولا» قد تكون له سوابق مؤسفة (اختاره المتعاطفون مع الفاشية في أوائل الأربعينيات)، لكن كثيرا من الأمريكيين سعداء بمعناه الحالي. إذا خسر، سيكون ذلك بسبب مزاجه غير الرئاسي بشكل واضح والميل لإهانة كل مجموعة تقريبا في أمريكا. لسوء حظ الواقعيين أن سفينتهم ربما تغرق معه، ما يعني أن سفن الاستثنائية الأمريكية ستُبحر مرة أخرى في عهد هيلاري في كانون الثاني (يناير) المُقبل. أين كانت خلال أعوام أوباما؟ السياسة الخارجية التي اتّبعها أوباما لم تكُن استثنائية ولا واقعية لكنها مزيج من الاثنين. بعد بضعة أسابيع من توليه المنصب، سألتُ ما إذا كان قد اشترك في مدرسة الاستثنائية الأمريكية. أجاب أوباما أنه كان استثنائيا أمريكيا بالطريقة نفسها التي «اشترك بها البريطانيون في الاستثنائية البريطانية، واليونانيون في الاستثنائية اليونانية». عقيدته، بعبارة أخرى، كانت شخصية بشكل مُعلن. ونظرا لمدى القسوة في تشكيك نقاد أوباما بوطنيته، جوابه اليوم قد يكون أقل غموضا. من الصعب أن نتصوّر أن هيلاري تقول ذلك. الاستثنائي الحقيقي لا يترك أي مجال للشك. إنه يعتقد أن الولايات المتحدة فخورة بنفسها وترى أكثر من الأمم الأخرى، كما قالت ذات مرة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة.
ماذا يعني هذا لإدارة هيلاري؟ أحداث غير متوقعة من شأنها رسم الكثير من رئاستها، كما هي الحال دائما. نضال رونالد ريجان مع «إمبراطورية الشر» للاتحاد السوفياتي كان موضع نقاش بسب صعود ميخائيل جورباتشوف. بوش الابن تولى المنصب واعدا بسياسة خارجية متواضعة. تمحوّر بسرعة نحو أفغانستان والعراق. وغادر المنصب مع آلاف الجنود الأمريكيين في كل بلد. في الوقت نفسه، تعهّد بيل كلينتون بدعم حقوق الإنسان ومواجهة «جزّاري بكين». لكن لأسفه الدائم، غض الطرف عن الإبادة الجماعية عام 1994 في رواندا. هذا كان إلى حد كبير بسبب ما تعلّمه من حدث آخر – كارثة «بلاك هوك» في الصومال. كما أدخل الصين أيضا إلى منظمة التجارة العالمية. لكن في كل حالة، فلسفة الرئيس شكّلت الطريقة التي يستجيب بها إلى الأحداث. يفترض كثيرون أن هيلاري ببساطة ستلتقط عصا المايسترو من أوباما، بما أنها كانت أول وزيرة خارجية في عهده. لكن خدمة رئيس تختلف تماما عن كونك رئيسا. في كل مسألة عسكرية نشأت في فترة ولاية أوباما الأولى، كانت هيلاري تتبنى الرأي المُتشدد. في بعض الأحيان كانت على الجانب المنتصر، كما حدث في التدخل في ليبيا. كذلك طريقة خطابها في الحملة تختلف اختلافا بينا عن طريقة أوباما. في 2008 تعهد أوباما بإحياء السلطة الأخلاقية لأمريكا في عالم كان يترنح من حروب بوش التي دخلها باختياره. وهي تتعهد بالانخراط في عالم خطر بكل الأدوات الموجودة تحت تصرفها. وهذا نوع مختلف من الاستجابة. ذات مرة لخص أوباما نهجه في السياسة الخارجية بأنه يقوم على «عدم الدخول في تصرفات سخيفة وحمقاء». وفي لحظة نقدية نادرة قالت هيلاري إن مبدأ أوباما لا يرقى إلى كونه مبدأ تنظيميا. وكانت على حق بطبيعة الحال. لكن في هذه الأوقات الخطرة، الغريزة التي تدفع المرء لكيلا يتصرف بطريقة مؤذية ربما تستحق من التقدير أكثر مما تلقاه.

«نيوس».. أسلوب استكشاف النفط بسرعة أكبر وتكلفة أقل

          إد كروكس 
 
يتذكر جوناثان فايمان بوضوح الفرصة «العشوائية بالكامل» التي عرّفته على «نيوس» وقادته إلى مهنة في مجال النفط.
«صادف أن كنت مع صديق يعمل في شركة نفط، وكان سيذهب لرؤية نيوس. كان سيذهب للاستماع إليهم وهم يتحدثون عن منتجاتهم. وبعد أن انتهوا من عرضهم، واصلت طرح الأسئلة عليهم».
هذا كان في صيف عام 2014، ومع استمرار الأسئلة، قرّر فايمان أن هناك شيئا يُمكن أن يفعله في هذا المجال. بحلول أيار (مايو) من العام الماضي، اشترى صاحب المشاريع البريطاني نحو نصف الشركة مقابل 150 مليون دولار وأصبح رئيس مجلس إدارتها.
باعتباره أحد مؤسسي «أوكادا»، متجر التجزئة للبقالة على الإنترنت في المملكة المتحدة، وقبل ذلك رئيس تداول سندات الأسواق الناشئة في جولدمان ساكس، يبدو فايمان (47 عاما) رجل نفط غير محتمل، لكن القفزة من تجارة التجزئة على الإنترنت إلى استكشاف النفط ليست أمرا كبيرا كما قد يبدو. نيوس لا تُنتج النفط – بعد – لكنها تجمع وتُحلل البيانات الجيولوجية للبلدان التي تمتلك الموارد وللشركات، لمساعدتها على اتّخاذ قرار حول أين ينبغي أن تحفر وماذا يُمكن أن تتوقع.
تستخدم صناعة النفط بعض التكنولوجيا الأكثر تطوّرا في العالم للتحقق مما يكمُن تحت سطح الأرض. أجهزة الكمبيوتر العملاقة الثلاثة الأقوى، الموجودة في أيد تجارية خاصة، تملكها توتال الفرنسية وإيني الإيطالية – وهما اثنتان من أكبر شركات إنتاج النفط الأوروبية – و»بتروليوم جيو سيرفيسس»، الشركة النرويجية التي ترسم خرائط التكوينات الصخرية تحت قاع البحر. نيوس تحاول المنافسة في ذلك المجال، لكن من أجل الموارد البرية، بتكلفة منخفضة بشكل حاد.
الشركة تملك تاريخا متقلّبا، بما في ذلك تغيير اسمها مرتين منذ تأسيسها تحت اسم «تيرالايانس تكنولوجيز» في أوائل العقد الأول من الألفية مع دعم من «كلاينر بيركنز» و»جولدمان». لكن هدفها بقي نفسه: استخدام تحليلات البيانات المُتقدمة لإنتاج نماذج جيولوجية أرخص وأكثر دقة. وبحسب تعبير الشركة، إنها «حيث يلتقي وادي السليكون ببقعة النفط».
يتحدث فايمان من منزله المُطلّ على سنترال بارك في نيويورك، ويقول إنه رأى في النفط صناعة ناضجة للتعطيل. «في ذلك الوقت كانت الشركة تجد من الصعب الحصول على التكنولوجيا المُعتمدة، وكان الأمر حرفيا مثل الاستماع إلى شخص يصف صناعة البقالة».
«لقد حصلنا على هذه الشركات الضخمة. مثل محال السوبرماركت، شركات النفط تملك ميزانيات عمومية كبيرة جدا، وهذه هي الطريقة التي تتنافس بها. لديها استثمارات ضخمة في قواعد الأصول، وإذا تغير العالم لا يُمكن أن تتغير بسرعة كبيرة». بهذا المعنى، حقل النفط قبالة الساحل الغربي لإفريقيا هو مثل صندوق كبير، خارج متجر البلدة. الشركات التي لديها احتياطيات نفطية عالية التكلفة مُهددة من شركات الإنتاج ذات التكلفة المنخفضة، تماما كما كانت المتاجر القائمة تتعرّض للضغط من متاجر التجزئة على الإنترنت.
يقول فايمان: «لقد أنفقت أموالك، واتّخذت قرارات، أنت الآن مُلتزم [بقاعدة الأصول]؛ أنت متشبث بها. ولذلك ما تفعله هو أنك تُنفق كل وقتك على أمل ألا يتغيّر أي شيء». لكن «واقع العالم هو أن كل شيء يتغيّر». في مجال النفط، الأصول ذات تكاليف الإنتاج الأعلى عادة ما تكون الحقول البحرية التي يتم اكتشافها في الوقت الذي تغوص فيه الصناعة إلى المياه الأكثر عمقا بكثير. ويُجادل فايمان بأن إنتاج النفط والغاز الفعال من حيث التكاليف في المستقبل سيكون إلى حد كبير في البر، كما كانت طفرة الزيت الصخري في الولايات المتحدة.
وأفضل الحقول البرية، مثل تلك التي في الشرق الأوسط، تُنتج النفط الأقل تكلفة في العالم، حتى احتياطيات الزيت الصخري في الولايات المتحدة الأكثر تحديّا غالبا ما تُقدّم قيمة أفضل من المشاريع البحرية المُعقدة في المياه العميقة.
وزيادة إنتاج النفط والغاز البري في العالم تعني العثور على احتياطيات جديدة، لكن فايمان يقول إن «نيوس» يُمكن أن تستكشف الموارد بسرعة أكبر بكثير وأرخص من المعدلات التي تعرفها الصناعة. وباستثناء الإمكانية لتعطيل صناعة راسخة، يقول إن مصدر الجذب الكبير الآخر لـ «نيوس» هو أن «التكنولوجيا تتغير، وتتغير بسرعة كبيرة. وما كنت أنظر إليه مع نيوس كان تكنولوجيا معالجة البيانات».
المصدر المعتاد لفهم باطن الأرض هو المسح الزلزالي: إطلاق الموجات الصوتية في الأرض واستخدام أجهزة الاستقبال لالتقاط الصدى، الذي يُمكن استخدامه لبناء صورة للتكوينات الصخرية. وأسلوب «نيوس» هو استخدام بيانات أخرى، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية، والمسح الكهرومغناطيسي، وقياسات الجاذبية، وتحليلها لتشكيل التكوينات الصخرية بدون الحاجة إلى مسح زلزالي كامل. لكن مهما كانت تكنولوجيا «نيوس» جيدة، فإن العثور على أنموذج أعمال لجعلها ناجحة تجاريا لم يكُن بالأمر السهل. يقول فايمان: «هنا كانت أعمال تم إنفاق نصف مليار دولار عليها». على الرغم من «السلسلة المذهلة من الاستكشافات»، لم تكُن هناك «طريقة حقيقية لجني المال منها، لأنهم لم يُفكّروا في كيفية معالجة ما كان لديهم».
أحد الأجوبة هو بيع خدمات «نيوس» لبلاد بحاجة إلى فهم مواردها بشكل أفضل. وهي تعمل في كازاخستان على مشروع أوراسيا، الذي يستهدف تطوير موارد نفط وغاز جديدة في وحول بحر قزوين شمالا.
و»نيوس» مُربحة منذ الآن، لكن فايمان يعتقد أنها بحاجة إلى الوصول إلى الإنتاج بنفسها. غير أن السوابق ليست مشجعة. تاريخ شركات خدمات النفط التي قرّرت أنها تريد الإنتاج بنفسها مليء بالإخفاقات. لكن مع 150 مليون دولار من أمواله الخاصة في خطر، فايمان لديه حافز لإنجاح الأمر.
عندما غادر «أوكادا» في 2009، العام الذي بلغ فيه الـ 40 من العمر، كان بإمكانه التقاعد. لكن بعد كسر ساقه في عام 2012، وقضاء ستة أشهر وهو يدخل ويخرج من المستشفى، أدرك أمرا ما. «لقد كنت في حيرة عندما غادرت أوكادا. أود القول إن الأمر كان سهلا تماما والقيام به كان مريحا، لكن في الواقع لم يكُن كذلك. كنت أعتقد أن عدم القيام بأي شيء بدا كأنه أمر رائع، لكنه لم يكُن كذلك». رتشارد هربرت، الذي كان حتى وقت قريب يشغل منصب كبير الإداريين التشغيليين للتنقيب في بريتش بتروليوم، يقول إن فايمان لديه في نيوس ما يبدو أنه «حزمة متكاملة وجذابة للغاية من التكنولوجيات» من أجل تجميع وتحليل البيانات الجيولوجية.
وطموح فايمان أن يصبح هو نفسه منتجا للنفط يتطلب المزيد من رأس المال والقدرات. «وهذا أمر مختلف تماما. لكن جوناثان حطم كثيرا من النماذج المعيارية مع أوكادو. ومن الواضح أنه يحب التحدي».

البروفيسور روفيلي.. مشروع شحاذ متشرد ينتهي إلى عالـم فيزياء

          لودوفيك هنتر
 
غادرت موجات من الفوتونات، التي تنتقل بسرعة الضوء، الشمس في رحلتها نحو لندن الدافئة قبل ثماني دقائق. وفي الوقت تقريبا تقريبا، وصل البروفيسور كارلو روفيلي قبل الموعد المحدد لتناولنا الغداء معا، وجلس على الطاولة المحجوزة لنا، وطلب الليمونادة وفتح نسخة من المجلة الأدبية «لندن بوك ريفيو» التي وجدته يقرأها، بعد أن طلب كوبا آخر من الليمونادة، عند وصولي الذي لم يلحظه.
يعتبر روفيلي من بين أبرز علماء الفيزياء النظرية في العالم. وهو مختص في الجاذبية الكمية، وهي نظرية تحاول حل ما يصفه بـ «واحدة من المسائل الكبرى المفتوحة» في الفيزياء. وأعماله مهمة بما فيه الكفاية لتتم مناقشتها في مؤتمر مدته خمسة أيام، «مهرجان كارلو»، الذي عُقد في أيار (مايو) متزامنا مع عيد ميلاده الـ 60. لكن السبب في انضمامه إلى صفوف المشاهير من العلماء هو موهبته في ترويج العلوم شديدة التعقيد.
كتابه «سبعة دروس مختصرة في الفيزياء» كان من الكتب الأكثر مبيعا في موطنه إيطاليا في عام 2014 وهو مترجَم الآن إلى اللغة الإنجليزية. استنادا إلى عمود نشر في الصحيفة اليومية الإيطالية «إل سول 24 أور»، الكتاب يجعل العالَم الذي يدير الرأس والذي يشتمل على الفوتونات والبروتونات والإلكترونات والجلوونات والكوانتس، والثقوب السوداء الساخنة، والزمن غير المتصل، مفهوما بصورة أنيقة لدى عامة الناس.
في مطعم كلارك، كان يرتدي قميصا أسود اللون ذا أكمام قصيرة وبنطالا. وشعره الرمادي الأشعث يبدو أكثر قتامة عند صدغيه، كما لو أنه يدل على النشاط العقلي المكثف الذي ينتشر فيما بينهما. يضع نظارات لقراءة قائمة الطعام ويقاوم محاولاتي لإغرائه بأن يسمح لشهيته بأن تنطلق جامحة – باختياره، مثلا، كافيار إكسمور، الذي يبلغ سعره 67 جنيها لكل قطعتين – مقابل اختيار متواضع يتمثل في سلطة موزاريلا الجاموس مع سلطة الفاصولياء الخضراء والتين الأرجواني، وأوراق الكورنيش وتتبيلة البلسميك. للشراب، يفضل اختيار الماء H2O على اختيار C2H6O، الذي هو في هذه الحالة كأس من النبيذ.
موقع المطعم، وهو من مظاهر كينسنجتون المعروفة، في مكان شاسع وطلق الهواء، مع همهمة المتحدثين من حولنا. يجلس روفيلي تحت لوحة زرقاء شبه مجردة رسمت من قبل هوارد هودجكين تدعى «فروست». في مكان آخر، بعيدا عن الأنظار، يوجد عدد من الرسومات بريشة لوسيان فرويد، الذي كان يزور مطعم كلارك كل يوم تقريبا.
الثوم خارج القائمة
اختيار هذا الموقع الذي انتقاه الناشرون في المملكة المتحدة، يعكس اهتمامات روفيلي الثقافية، على الرغم من أن الفن لا يلاحظه أحد. كما أنه يأخذ في الحسبان مختلف الأمور التي لا يحبها روفيلي. وهذه تشمل المطاعم ذات الضجيج والطعام الحار المذاق و- بشكل غير اعتيادي لإيطالي يعيش في جنوب فرنسا – الثوم.
يقول بالإنجليزية «في عائلتي، لم نكن نأكل الثوم»، مضيفا أنه «ورث عن والده اشمئزازه من طعام منطقة البحر الأبيض المتوسط». لكن أسلوبه الكريم والمنفتح يتفق مع جانب آخر من الصورة النمطية الوطنية. يقول وهو يبتسم «أنا إيطالي الجنسية، لذلك يمكنك أن تطرح علي أي سؤال تريده».
أعلنت أنني أود البدء بالاعتراض على فكرة جاءت في كتابه «سبعة دروس مختصرة في الفيزياء» لا أوافق عليه.
يقول مندهشا «أوه، هل أنت عالم؟» كلا، أجبته بشكل معتبر، أنا الناقد المختص في موسيقى البوب لدى «فاينانشيال تايمز». يضحك روفيلي، ليس بالطريقة الازدرائية التي يتسم بها شخص متعجرف يجلس على طاولة مرتفعة، لكن بأسلوب حذر كشخص غير متأكد بعد من الموضوع الذي أقحم نفسه فيه.
الفقرة من الكتاب التي اقتبستها تتعلق بتنديده بـ «سوء الفهم وعدم الثقة بالعلوم التي يظهرها جزء مهم من ثقافتنا المعاصرة». أقول له «إن الأمر على العكس من ذلك، لأن المكانة الثقافية للعلماء لم تكن قط أعلى مما هي عليه الآن. فقد ألغيت الأوهام المتعلقة بمهووسي المختبرات، أو العباقرة الشريرين وحلت مكانها رؤى تتعلق بالإنجاز الفكري البطولي. كما أن الموارد تميل إلى تشجيع العلماء أيضا». في عام 2010 تمت حماية التمويل الذي تقدمه الحكومة البريطانية للعلوم في الجامعات في الوقت الذي عانت فيه العلوم الإنسانية تخفيضات كبيرة.
يتابع قائلا، ويداه على الطاولة تتلاعبان بالملعقة الوحيدة والشوكة كما لو أنه يجري تجربة لطيفة تتعلق بالاحتكاك «أتعْلم، أعتقد أنك على صواب. لكني أود أن أقول إن هذا أمر حديث. المملكة المتحدة ربما البلد الأقل تأثرا بهذا «الارتياب في العلوم». تتعرض أجزاء كبيرة من ثقافة فرنسا وألمانيا لسيطرة وهيمنة الأفكار البابوية العالية بأن المعرفة الحقيقية ليست المعرفة العلمية، العلوم وكأنها من الدرجة الثانية. الوضع أسوأ في الولايات المتحدة. أعني، عندما لا يؤمن كثير من الأمريكيين بالتطور أو التغير المناخي، أعتقد أن هذا يخلق مشكلة». يظهر النادل ومعه الطعام، ويضع سلطة موزاريلا الجاموس أمام روفيلي: الجبنة مستوردة وجاءت بالطائرة من نابولي، كما هي الطماطم التي ترافق سلطة اللوبستر التي طلبتها، التي تصل مع مجموعة من أوراق الجرجير والأفوكادو. يعلن روفيلي أن طبقه «جيد» لكنه لم يتوسع في الكلام. من حيث الفيزياء، يعتبر الطبق الأبسط في القائمة، كونه يتطلب الطاقة الأقل في مسيرة تحوله من مواد أساسية خام إلى وجبة طعام في مطعم راق.
يقول «أحب الطعام البسيط. أعيش بجانب البحر، أستيقظ في الصباح لأرى البحر الأبيض المتوسط. لدي قارب صغير، وأخرج في رحلة ومعي الخبز والجبن والطماطم، وأنا سعيد في حياتي».
موطنه هو كاسيس، المدينة الخلابة على شاطئ البحر بالقرب من مرسيليا، حيث يعمل في مركز الفيزياء النظرية في جامعة إيكس – مارسيليا. أما مناصبه الجامعية السابقة فقد كانت في إيطاليا والولايات المتحدة.
الألمانية لغة الفيزياء
يقول روفيلي وهو يتناول السلطة «للعلم أنماط مختلفة، فالجامعات الأمريكية مفتوحة بشكل استثنائي أمام الأفكار الجديدة، وهناك مجال أكبر بكثير لتحمل الاختلاف في الرأي وأيضاً تشجيعه، ومع ذلك تقدم أوروبا أحياناً مساحة أكبر لكي يفعل المرء ما يحلو له».
وتعتبر ألمانيا، في رأيه، أفضل دولة من حيث إجراء نقاش علمي قوي «هذا أجمل ما فيها، فكل ما يفعله من يختلف معك هو فقط النظر إلى عينيك، ثم يقول لك: أنا لا أتفق معك، أنت مخطئ. أما في فرنسا فكل شيء معقد وضبابي ومشوش، وأنت لا تستطيع الذهاب إلى بروفيسور كبير وتقول له، أنا لا أتفق معك، لأنه سيشعر بالاستياء الشديد».
كانت اللغة الألمانية هي لغة الفيزياء الرئيسية حتى مجيء النازية وصعودها في ألمانيا. أسأله: هل هناك قيمة لقراءة نص علمي في لغته الأصلية، مثل قراءة مارسيل بروست باللغة الفرنسية مقارنة بقراءة ترجمة عنه؟
عندها صرخ روفيلي وهو يتراجع منكمشاً في كرسيه «كيف عرفت أنني أقرأ روايات بروست»؟، قالها كما لو أنه ووجِه بتحرك ذهني علمي للأشياء لا يمكن توضيحه.
تبين بعد ذلك أنه كان في ذلك الحين يقرأ رواية «البحث عن الزمن المفقود» باللغة الفرنسية، التي قرأها أول مرة عندما كان طالباً. وبعد ذلك بدأ الضحك على تلك المصادفة الغريبة. (وهو يقول عن قراءة النصوص العلمية بلغتها الأصلية: «العلماء لا يفعلون ذلك عادة، وهذا خطأ، أنا أعتقد أن عليهم أن يفعلوا، لكي يتعرفوا على كيفية خروج الأفكار»).
يقارن روفيلي في كتابه حول الفيزياء، «سبعة دروس مختصرة»، معادلة لأينشتاين حول انحناء المكان مع «الجمال النادر لرباعية بيتهوفن؛ وَتَرية متأخرة»، وهو يضع النظرية العامة في النسبية في مستوى مسرحية الملك لير لشكسبير، أو الجمال الراقي في سقف كنيسة سيستين Sistine Chapel. وفي عام 2011 نشر كتابا عن حياة الفيلسوف الإغريقي القديم أناكسيماندر.
قال وهو يضع شوكة في حبة تين «أفضل ما في الثقافة الإيطالية هو التراث المأخوذ من عصر النهضة في جمع الأشياء معاً، بدءا من جاليليو، يعتقد بعض نقاد الأدب في إيطاليا أن جاليليو هو أفضل كاتب في النثر. الفكرة في الأساس هي أن على رجل العلم أن يعرف كل ما في الثقافة، في كل ما يفعل. أنا بالتأكيد لست الوحيد بين الفيزيائيين الطليان الذين درسوا الإيطالية واليونانية وتاريخ الفلسفة، وهذا يندر أن تجده خارج إيطالياً».
ولد روفيلي في فيرونا في عام 1956، كان والده مهندساً أنشأ شركة للبناء، وكان مثالاً على التعجيل بنهوض إيطالياً من الدمار الذي لحق بها في أيام الحرب، ودخولها الحداثة. وهو يقول عن والده «كان رجلاً ذكياً جداً، لكنه ليس أكاديمياً» وأن أمه بقيت في البيت، مثلما تعودت كثير من النساء عمله في ذلك الوقت «لتعتني بطفلها، وكنت أنا الطفل الوحيد لديها. وكانت أمي أيضاً امرأة ذكية للغاية، ومع ذلك كانت عطوفة جداً، لكنها لم تكن من طبقة برجوازية عالية. جاء والدي من طبقة برجوازية، لكن ليس من طبقة عالية جداً».
العدالة والسلام العالمي
وقال عن تربيته في بواكير حياته، إنها كانت تنشئة حنونة في»عائلة مثالية»، ومع ذلك رفض تقاليدها حين كان مراهقا. ويقول عن ذلك «كنت متمرداً كما كان حال الشباب في سبعينيات القرن الماضي. بدأت في مرحلة ما من تلك الفترة بتطويل شعري، ولم أكن أرغب في الذهاب إلى الجامعة. كانت خطتي أن أصبح شحاذاً، مثل أي متشرد».
مدير قسم الأكل يذرع الغرفة، لإعادة ملء أكواب الماء وتقديم الخبز، الذي قبلنا به نحن الإثنين. ويعود روفيلي ليحدثني حول طريقه المتعرج في عالم الفيزياء النظرية.
اختار أن يدرس الموضوع في جامعة بولونيا، اختيار «عشوائي إلى حد كبير» للحصول على درجة جامعية. وما أثار فزع والديه، أنه كان طالب علوم فاترا، يفضل قراءة الأعمال الأدبية والفلسفة. كما ألقى بنفسه أيضا في سياسة بولونيا الراديكالية. كانت الفترة بين منتصف وأواخر السبعينيات فترة تصاعدت فيها المواجهات بين الحكومة الشيوعية في المدينة وطلابها، الدعاة اليساريين الذين يعارضون الحكم الاستبدادي.
يقول روفيلي «اعتقدنا بشكل ساذج جدا أننا كنا جزءا من حركة ضخمة يمكن أن تخلق مزيدا من العدالة والمساواة والسلام في العالم. الحركة كانت واسعة النطاق لأنها امتدت من الماركسية اللينينية في طريقها إلى الهبيين دعاة السلام الذين يدخنون الماريجوانا ويغنون أغاني هاري كريشنا».
في عمر 20 عاما، بعد سنة واحدة من التحاقه بالجامعة، أمضى تسعة أشهر في التجول في جميع أنحاء كندا والولايات المتحدة حيث كان يقف في الطريق وينتظر أن تحمله سيارة مارة، بإلهام من كُتَّاب «بيت». كانت حياة أشبه بفرقة «بينك فلويد»، والنظرة اليوتوبية وتناول حبوب الهلوسة، أي كل المثل العليا المعاكسة للثقافة.
يقول «بالتأكيد. كانت حبوب الهلوسة مهمة بالنسبة إلينا. كانت أمرا جادا بالنسبة لنا. لقد كان تعليما جيدا، ألا تثق بالأفكار الواردة وتحاول أمرا مختلفا نوعا ما. وهذا، في اعتقادي، لعب دورا. أيضا، منحتني تلك الفترة الغريبة، أنا وكثيرين في الواقع، الشجاعة للمضي قدما. وفي مجال العلوم تكون بحاجة إلى ذلك».
أخذ النادل أطباقنا التي أفرغنا محتوياتها على مهل. يقول روفيلي «أتعْلم، ربما أطلب بعض الحلوى». ومن ثم يختار مسرعا حلوى بانا كوتا ببلسم الليمون مع التوت البري والكروكان. طلبت مساعدته في اختيار حلوى البودنج الأكثر تقدما من حيث الفيزياء. تبين أنها حلوى أفوجاتو، يصب فيها قهوة أسبرسو الساخنة فوق آيسكريم الفانيلا. يشرح روفيلي قائلا «إنها تحارب ضد المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية. إنها محاولة مؤقتة يائسة لإيقاف الزمن. إنها ما أحاول القيام به في دراساتي الفيزيائية». بعبارة أخرى: الآيس كريم الموجود أمامي سيذوب.
كان حب روفيلي للفيزياء يسير وفق عملية مشابهة لنقْل الطاقة في أواخر السبعينيات، اشتعلت كما إيمانه بالسياسة في الوقت الذي تراجع فيه الإيمان بالأمور المعاكسة للثقافة.
يقول «اتخذت العلم مسارا لي منذ ذلك الحين. بمعنى من المعاني، في العلوم يمكنك إحداث ثورات، فالأمور تتغير بالفعل. ونظرتنا للعالم تغيرت».
نظريات فيزيائية
والمجال الذي بدأ التحدث فيه هو واحد من أصعب مجالات الفيزياء النظرية. حيث تحاول الجاذبية الكمية التوفيق بين الدعامتين الأساسيتين لفيزياء القرن العشرين: ميكانيكا الكم، التي صاغها أولا الفيزيائي الألماني ماكس بلانك في عام 1900، والنظرية العامة للنسبية، التي اكتشفها ألبرت أينشتاين، صديق بلانك، في عام 1915. وكل فكرة منهما تتعلق بقوانين الزمان والمكان والجاذبية وتعد أساسية بالنسبة إلى الفيزياء الحديثة. مع ذلك، لا تنسجم أي منهما مع الأخرى.
تعد الجاذبية واحدة من نقاط التناقض. هناك نظرية تدعى «جاذبية حلقة الكم» بذل روفيلي جهدا حيويا كبيرا لتطويرها مع زميله لي سمولين، الذي يصفه بأنه «صديقه وشريكه المفضل»، وهذه النظرية تتناول ذلك التناقض. إن ثبتت صحة النظرية، فإنها يمكن أن تمثل واحدا من الأسرار التي يسعى الجميع إلى حلها في علم الفيزياء.
يقول «إن النظرية موجودة، فهي مكتوبة. وهناك أمور لم نفهمها بعد، لكن التساؤل هو كيف نختبرها».
إذا تبين أنها ناجحة، فإن أقران روفيلي الذين أمضوا فترة حياتهم المهنية يعملون في وضع نهج مناقض، نظرية الأوتار – التي يرفضها روفيلي بأدب – يمكن أن يجدوا أن كل الجهود الشاقة التي بذلوها والتضحيات التي قدموها لم تأت بشيء. يواصل قائلا «إنها أشبه بلعب كرة القدم، إما أن تخسر وإما أن تفوز».
وصلت الحلوى التي طلبناها. وكمساعد مختبر مؤقت («هكذا كنت أبدو، حقا؟»)، قمت بصب القهوة على آيسكريم الفانيلا خاصتي وروفيلي يحدق في. وبالتالي بدأ يعمل قانون الديناميكا الحرارية الثاني في الوقت الذي كان يخضع فيه الآيسكريم لعملية لا رجعة فيها من التفكك الحرارء الإنتروبي.
روفيلي يراقب بلطف، وهو يأكل بعض الحلوى «هذه هي حياتك، أليس كذلك»؟ وبالتطلع قدما، يتوقع تحقيق فتح مهم في بحوثه المتعلقة بالجاذبية الكمية: «كنت أقول، حسنا لن أرى هذا في حياتي. أما الآن، أتأمل، قبل موتي، أن أتوصل إلى بعض النتائج». لديه صديقة، طالبة سابقة تعمل فيزيائية في هولندا. تزوج مرة واحدة من قبل، لكن هذا الزواج انتهى منذ 15 عاما. يقول «كانت لدينا خطط: الحياة والعائلة والأطفال وكل تلك الأمور». لكن الخطة لم تنجح: ليس لديه أولاد. ومن ثم مر بفترة «صعبة» في أعقاب انتهاء زواجه، لكن هذا أصبح من الماضي. ويقول «كانت حياتي دائما في صعود وهبوط. وأنا الآن في الـ 60 من عمري وأشعر أنني في صحة جيدة».
في تشرين الأول (أكتوبر)، سيتم نشر كتابه «الواقع ليس كما يبدو»، وهي الترجمة الإنجليزية لكتابه الذي صدر في عام 2014. ويعكف الآن على كتاب جديد يتعلق بالزمن، ولهذا السبب يعيد قراءة بروست. يعترف بأن كتب العلوم الشعبية يمكن أن تؤدي إلى التشتت عن العمل البحثي الجاد. لكن العلم، بالنسبة إلى روفيلي، لا يوجد في فراغ.يقول «إذا عملت على شيء كالفيزياء النظرية، تشعر وكأنك محاصر داخل غرفة، وحولك كل تلك الكتابات، والناس في الخارج لا يعلمون ذلك. تكون لديك رغبة في إخبارهم، وهي رغبة طبيعية في الإخبار، إضافة إلى وجود أناس يقولون لك: ماذا تفعل، هل يمكنك أن تشرح لنا»؟ تم تنظيف صحن الحلوى وصراع حلوى أفوجاتو ما بين الموت والحياة انتقل إلى داخل معدتي. فترة عصر مشرقة في لندن تنتظر رزفيلي، يعود بعدها إلى مارسيليا، وإلى جهوده في تحويل طريقتنا في رؤية الكون.
يقول «الجاذبية الكمية مسألة قاومت الجهود لحلها لفترة طويلة بصورة تدعو إلى الاستغراب. الكهرباء، وكيفية عمل الذرات، وما هو الضوء – كل هذه مسائل كبيرة ومهمة ترددت الإنسانية أمامها في الماضي، لكن الحلول جاءت بعد ذلك. هذا هو جمال العلم، أليس كذلك»؟

حقائق عن دعوى وزير الدفاع: «سليم الجبوري ليس بريئاً»

 إياس حسام الساموك
مرة أخرى، وقع اعلاميون في أخطاء عندما نقلوا أخباراً تتعلق بالقرارات الصادرة عن القضاء، واخذ البعض يبني على هذه الاخطاء مواقف ويطلق اتهامات قبل أن يعود إلى المراجع القانونية المعتمدة في العراق، وهي التشريعات الصادرة عن البرلمان، أو أن يستشير محامياً أو متخصصاً في مجال القانون. وان حديثي بطبيعية الحال ينصب باتجاه من وقع في خطأ بحسن نيّة، لا من يحاول التضليل والتأثير على الرأي العام بغية مصالح مختلفة منها تأجيج الشارع بالضدّ من مؤسسات الدولة.
أغلب عناوين الصحف ما زالت حتى اليوم تطلق خبرا ينطوي على عبارة «براءة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري من التهم التي وجهّها ضدّه وزير الدفاع خالد العبيدي بالفساد، في وقت قياسي لا يتجاوز الساعتين او الثلاثة».
دعونا نفصّل كلمات العنوان، لكي نعرف الحقيقة وفقاً للسياقات القانونية، في البداية يجب معرفة نوع التهمة المسندة إلى الجبوري، وهي الابتزاز، لا الفساد كما روّج البعض.
العبيدي قال في إفادته بأنه يطلب الشكوى عن جريمة ابتزازه من قبل سياسيين بينهم الجبوري وجميعهم بحسب قوله طلبوا منه عقوداً لحمايته من الاستجواب وهذه العقود أيّ منها لم يبرم، أي أنه اقرّ بعدم وجود فساد.
طبقاً للقانون، فأن المحكمة تقوم بالنظر في الدعوى المعروضة امامها بالقدر الذي يطلبه المشتكي، وفي هذه الحالة التحقيق جرى عن ابتزازه في الوقائع التي ذكرها وزير الدفاع، وهي ذاتها التي تطرق اليها خلال جلسة استجوابه مطلع الشهر الحالي، كطلب تعيينات و مبالغ مالية ومجموعة عجلات مرسيدس والعجلات المصفحة، ولم يزد عليها شيئاً
أما عن كلمة «البراءة» فهي الاخرى غير صحيحة؛ لأن القرار القضائي صدر وفق المادة 130/ب من قانون اصول المحاكمات الجزائية.
بالعودة إلى القانون نجد أن الفقرة (ب) من المادة 130 تتحدث عن نهاية التحقيق في جزأين الاول بالاحالة مع توفر الادلة، والجزء الاخر بغلق التحقيق مؤقتاً لعدم توفر الادلة «الكافية».
الفقرة (ب) التي استند إليها القرار تبيّن أن غلق التحقيق واطلاق السراح هو مؤقت لمدة سنتين، والجبوري لا يزال متهماً حتى انقضاء تلك المدة، فاذا توفر دليل جديد يمكن النظر فيه واستئناف التحقيق مرة اخرى، وهي مدة مناسبة لمن يريد التحرّي عن أسانيد لمحاسبة رئيس مجلس النواب عن واقعة «الابتزاز».
أي أن الادلة التي قدمها المدعي لا تصلح مع احالة المتهم على المحاكمة لمحاسبته وفق القانون، علماً بأن القرار القضائي هو ابتدائي يخضع لطرق الطعن.
وهذا يعني أن الجبوري ليس بريئاً ويجب أن ينتظر سنتين من دون ظهور أدلة جديدة لكي يتحول القرار الصادر بحقه بمنزلة البراءة، ويتم غلق الدعوى نهائياً.
في حين أن قرار البراءة وفقاً للمادة 182/ ب تنطبق على عدم وجود أي دليل، او أن فعل المتهم لا يشكل جريمة، أو عند ظهور دليل واضح يفيد بأنه ليس هو من ارتكب الجريمة بل شخص اخر، وفي هذه الحالة فقط يستطيع «البريء» العودة على المشتكي لطلب التعويض لأنه لم يعدّ متهماً، وهذا النوع من القرارات يصدر من محاكم الجنايات والجنح، فلا يحق لقاضي التحقيق الحكم البراءة مطلقاً.
ولعل السؤال الابرز الذي يطرح هنا، ماذا قدم وزير الدفاع من ادلة لادانة الجبوري، والجواب واضح، أنهما دليلان لا ثالث لهما، فلم يقدم أي من الوثائق التي صورها الاعلام عند دخوله إلى هيئة النزاهة.
الدليل الاول: خمسة شهود، جميعهم بات اسمهم معروفا للرأي العام وهم وزيرا الصناعة والبلديات المستقيلان، ووزير الكهرباء، وقائد عمليات بغداد السابق، ومدير احد التشكيلات التابعة لوزارة الدفاع.
وبحسب الافادات فأن جميعهم نفوا امتلاكهم شهادة عيانية أو سماعية عن تورط «الجبوري» بهذه الافعال، بل ان اثنين منهم استنكرا طلب المشتكي سماع اقوالهما عما اعتبراه «صراعا سياسيا داخل الكتلة الواحدة».
والدليل الاخر المقدم من قبل العبيدي هو تسجيل صوتي في قرص «مدمج» طوله نحو ساعة ونصف الساعة، «غير مرخص قضائياً»، لحديث داخل الكتلة التي ينتمي إليها المدعي والمتهم بحضورهما.
برغم ذلك فأن المحكمة استمعت إليه ولم يتحدث فيه «الجبوري» عن عقود إنما تطرق إلى قضايا سياسية تتعلق بمستقبل كتلته في الانتخابات وهو كلام طبيعي يمكن أن يصدر من أي مسؤول، مع الاشارة إلى أن توجهات محكمة التمييز الاتحادية تفيد بأن التسجيلات الفيديوية والصوتية قرينة لا تصلح وحدها للادانة عن الجريمة بل تحتاج إلى دليل واضح يدعمها.
اما عمّن يدعي بضرورة تحليل الصوت العائد للجبوري للتأكد من صحته، فلا داعي من هذا الاجراء لأنه اقرّ قضائياً بأنه هو من تحدث في التسجيل.
وبالتالي نحن أمام دليلين، وهما شهود أنكروا قيام المتهم بالفعل، وتسجيل صوتي غير مرخص لم يتطرق فيه المتهم ايضاً إلى الابتزاز وهو قد جرى تسريبه إلى الاعلام ويمكن للجميع الاطلاع عليه.
كما صوّر البعض بأن الهيئة القضائية استعجلت اصدار القرار وأوهم الرأي العام بأن الدعوى تتلخص في المدة الزمنية المحصورة بين طلب الجبوري رفع الحصانة عنه وصدور قرار بالافراج عنه، وهذا تصور خاطئ ايضاً.
الجواب يكون بالعودة إلى امر السلطة القضائية بتشكيل لجنة هيئة قضائية تحقيقية ثلاثية ومدع عام وقد صدر في اليوم التالي للاستجواب، اي أن التحقيق استغرق نحو اسبوع بداية من الاستماع إلى اقوال المشتكي، والشهود بالاضافة إلى شخص اخر وجدت المحكمة ان الاستماع إلى اقواله ضروري لحسم القضية، فضلاً عن الاستماع إلى القرص المدمج وتفريغه على شكل كتابة والاطلاع عليه مرة اخرى.
إضافة إلى أن القضية قد اخذت دورها في هيئة النزاهة بتدوين الاقوال هناك واحالتها على القاضي المختص، واصدار اوامر بمنع سفر واستقدام المتهمين وهي بكتب صادرة من مديرية تحقيقات بغداد التابعة لهيئة النزاهة، وموقعة من قبل القاضي المختص.
أن الهيئة القضائية الثلاثية قد خصصت وقتها الكامل لانجاز التحقيق في الدعوى التي هي بالاساس في مرحلة التحقيق ولم تبلغ مرحلة المحاكمة بعد.
ولعل المرحلة الاخيرة في التحقيق وبعد استكمال الاجراءات يتم الاستماع إلى اقوال المتهم الذي حضر أمام الهيئة القضائية ودون افادته، وكان لازماً على الهيئة القضائية اصدار القرار وفق الادلة الموجودة.
وطبقاً لما ورد، هل من المنطق أن يحاسب القاضي والذي اقسم يمين الحفاظ على العدالة متهم وفق هذه الادلة، وخصوصاً أن الهيئة استكملت كامل الاجراءات التحقيقية قبل الاستقدام ولم يبق لها سوى خياري الافراج أو الاحالة على محكمة الموضوع؟.

الأمن والخصوصية: أبواب تقود إلى بيانات مستخدمي الإنترنت

 جونزالو فينيا 
فريد قهرماني الذي نشأ في طهران، يتذكر عندما طلبت منه والدته أن يكون حذرا أثناء حديثه على الهاتف لأن «الشرطة السرية تتسمع دائما». بعد اختفاء كثير من أفراد عائلته، هرب والد قهرماني، وهو أكاديمي من أقلية عرقية، مع عائلته إلى كندا عندما كان الصبي في التاسعة من العمر.لكن مخاوف طفولته من مخابرات آية الله الخميني لا تزال حية في ذهنه. وهذا هو السبب في أن هذا الرجل، صاحب مشاريع التكنولوجيا الذي يتخذ فانكوفر مقرا له، تعهد بمبلغ مليون دولار لمساعدة جماعات الحملات المناهضة لما يراه تعديا متزايدا على الخصوصية والحريات المدنية في البلد الذي تبناه وفي الديمقراطيات الكبيرة الأخرى. يقول قهرماني: «يمكنك أن تسمعهم على الطرف الآخر من الخط – كانت رغبتهم في الاستماع إلى طفل كوميدية للغاية، ولكن كان لا يزال يتعين عليك أن تكون حذرا فيما تقوله. كان عليك أن تتوقع أفكارك قبل أن تنطق بها. أنا لا أقول إننا ما نزال نعاني حتى الآن، ولكن قلقي الكبير هو أننا نسير دون إدراك إلى مثل هذا النوع من البيئة».
وحتى الآن أدخلت كل من كندا وأستراليا وفرنسا ونيوزيلندا وغيرها صلاحيات لإعطاء الأجهزة الأمنية والشرطة سلطات مراقبة بعيدة المدى. لكن لا يوجد بلد يذهب شوطا طويلا بقدر المدى الذي ذهبت إليه المملكة المتحدة في وضع القوانين التي تعطي الجهات الحكومية القدرة والحق في جمع المعلومات. إضافة إلى الأشكال التقليدية للمراقبة المستهدفة، سيكون لدى الأجهزة الأمنية قريبا صلاحيات جديدة لاستخراج معلومات حول الأفراد عن طريق البيانات التي تولدها الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.
مشروع قانون سلطات التحقيق في المملكة المتحدة – الذي من المقرر استكمال مراحله النهائية من التدقيق البرلماني في الخريف – يضفي صفة رسمية على الصلاحيات الحالية التي تتمتع بها الأجهزة الأمنية لاختراق الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، ويتصيد مجموعات البيانات الضخمة. كما يوفر صلاحيات جديدة لإجبار شركات الإنترنت، دون أمر قضائي، على تسليم تفاصيل عن كل موقع يزوره الأفراد وعن كل التطبيقات التي يستخدمونها، وحفظ هذه المعلومات لمدة تصل إلى 12 شهرا. ويجب على الشركات أيضا إنشاء نظم، بحيث يمكن الوصول إلى المعلومات عند الطلب عبر قاعدة بيانات موحدة يمكن البحث فيها.
وهذا يعطي الوكالات الحكومية صلاحيات تتجاوز الصلاحيات الموجودة في الولايات المتحدة ومعظم الديمقراطيات الغربية الأخرى. وإذا ما أصبح هذا قانونا، فإن المملكة المتحدة ستكون وحدها مع روسيا، باعتبار أنهما الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان تجبران الشركات على تعقب تواريخ تصفح العملاء للمواقع.
دعاة الخصوصية، وشركات التكنولوجيا، والسياسيون، أثاروا مخاوف من أنه إذا أقدم بلد مثل بريطانيا مشهور بضوابطه الديمقراطية التي تمنع تركيز السلطة في يد الجهاز التنفيذي باتخاذ مثل هذا الإجراء، فإن بلدانا أخرى سوف تحذو حذوها.
ترد الحكومة بأنه في الوقت الذي يصبح فيه العالم رقميا بشكل متزايد، فإنها تحتاج إلى صلاحيات لمواكبة التغيرات التكنولوجية. التراجع عن هذ القانون سيقيد أيدي السلطات، كما تقول، ويجعل مهمة الحماية ضد الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الإنترنت أكثر صعوبة. وتعتبر الهجمات التي حدثت في فرنسا وبلجيكا وألمانيا في الأشهر الأخيرة تذكرة حية بالأمور التي على المحك.
ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، وعد العام الماضي بتشغيل 1900 موظف إضافي في جهاز الاستخبارات المحلية MI5، وفي الاستخبارات الخارجية MI6، إضافة إلى تخصيص مبلغ 1.5 مليار جنيه استرليني سنويا، تمويلا جديدا بحلول عام 2020 لمواجهة التهديد الإرهابي وهجمات الإنترنت.
التحدي الذي يواجه المجتمع، بحسب كاترين وين، وهي مختصة في حماية البيانات في مكتب المحاماة «بينسنت ميسونز»، هو الحصول على التوازن الصحيح بين الأمن والخصوصية.
وتقول: «المستوى الأمثل من المراقبة يعتبر مجهولا كبيرا. التهديدات تتغير طوال الوقت، والتكنولوجيا تتغير معها. ولكن من السهل جدا تجاوز الخط وأن يصبح الأمر تدخليا للغاية».
وعلى الرغم من أن على الوزراء الموافقة على المراقبة، وأن القضاء يشرف على قرارات استخدام هذه الصلاحيات لضمان تنفيذها بشكل صحيح – ما يسمى بـ «القفل المزدوج» لمنع التجاوزات – فإن معظم المطالبات ستخضع لأوامر قضائية تمنع شركات الاتصالات وشركات التكنولوجيا من كشف أنها تسلم معلومات للسلطات.
ويقول المدافعون عن الخصوصية إن مشروع القانون المذكور وضع خطة واضحة لصلاحيات المراقبة الجماعية التي ستكون تحت تصرف الأجهزة الأمنية، وهم يريدون تعديله، بحيث تكون المراقبة على أساس الاشتباه بدلا من أن تكون نتاجا للمعالجة المتطورة للبيانات. وهم يجادلون بأن الصلاحيات واسعة جدا، وأن اللغة في مشروع القانون عامة، لدرجة أنه ليس فقط الأجهزة الأمنية، ولكن أيضا الهيئات الحكومية، بدءا من هيئة الإيرادات والجمارك إلى وكالة المعايير الغذائية، سوف تكون قادرة على تحليل سجلات الملايين من الناس، حتى إن لم يكونوا موضع اشتباه في النشاط الإجرامي.
وتعترض صناعة التكنولوجيا أيضا على أجزاء من مشروع القانون، خصوصا حول تشفير البيانات. من جانبها، الحكومة تتمسك بخطتها لإجبار شركات التكنولوجيا على توفير ما يسمى الأبواب الخلفية، أو مفكك للشفرة، للسماح بفك تشفير الرسائل في حالات طوارئ وطنية غير محددة.
في عام 2014 اتهم روبرت هانيجان، المدير الذي تم تعيينه أخيرا في وكالة الاستخبارات الحكومية GCHQ، بعض شركات التكنولوجيا الأمريكية بأنها أصبحت «الشبكات المفضلة للقيادة والسيطرة» بالنسبة للإرهابيين، ودعاهم إلى تطوير علاقات أوثق مع مجتمع المخابرات.
لكن المشككون يقولون إن كميات هائلة من البيانات تعتبر عديمة القيمة لأنها تأخذ الكثير من الوقت والمال من أجل معالجتها. غير أن الزيادة في القدرة الحاسوبية والتكنولوجيا المخصصة لرسم الخرائط تعني أنها مفيدة بطرق لم يكن من الممكن تصورها حتى قبل بضع سنوات.
ويقول ريك فيرغسون، نائب رئيس البحث الأمني لدى «تريند مايكرو»، وهي شركة لأمن البرمجيات: «القدرة الزائدة على الحد من الوصول إلى عدد كبير من الناس فوق الحد يعتبر الآن أمرا شديد السهولة. سنكون في عالم تهدف فيه الخوارزمية إلى الوصول إلى نتيجة وليس إنسانا. نحن نتحرك نحو عالم نستطيع فيه في نهاية المطاف توقع الجريمة وملاحقة مرتكبيها قبل حدوثها».
«أداة للقمع»
تم الكشف عن مدى رصد البيانات الكبيرة من قبل الأجهزة الأمنية قبل ثلاث سنوات من طريق إدوارد سنودِن، اختصاصي الكمبيوتر الأمريكي والموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية. فقد قدم تفاصيل عن برامج المراقبة الجماعية السرية الأمريكية، وبصورة رئيسة من قبل وكالة الأمن القومي. وتبين بعد فترة وجيزة أن بريطانيا وكثيرا من البلدان الغربية الأخرى لديها برامج مماثلة قائمة.في الشهر الماضي أطلقت جماعة ضغط تسمى «الخصوصية الدولية» قضية قانونية ضد أجهزة الأمن البريطانية، متهمة إياها بدفع الاستخدام «النشط والتوسعي» لسلطاتها من أجل الوصول إلى مجموعات البيانات الضخمة، وتتبع كل شيء من معلومات السفر إلى سجلات الهاتف لتوليد أدلة في التحقيقات. هذه القضية التي من المقرر أن يحين تقديم حكم قضائي فيها في الخريف، أوضحت كيف أن وكالة الاستخبارات الحكومية، وجهاز MI5، كانا يستخدمان الصلاحيات بموجب المادة 94 من قانون الاتصالات لعام 1984 لإلزام شركات الاتصالات «القيام أو عدم القيام بعمل معين» يصب في مصلحة الأمن القومي. وعلمت المحكمة أن هناك حاليا 24 أمرا قُدمت إلى شركات الاتصالات، 15 منها تتطلب منها تسليم بيانات كبيرة الحجم تكون تحت الطلب. في أحد الأمثلة، اضطرت شركة O2 إلى تقديم معلومات إلى الأجهزة الأمنية في السر، ولم تخبر حتى مجلس إدارة الشركة.
وقال المحامي توماس دي لا مير، الذي يمثل مجموعة الضغط إن هناك خطرا من أن هذه «المراقبة المستمرة من الناحية العملية» يمكن أن تصبح أقوى أداة من أدوات القمع».
وجادل خلال جلسة استماع بأن هذه الأشكال غير المستهدفة من المراقبة قلبت التحقيقات رأسا على عقب. ففي حين كانت الاستفسارات الفردية المبنية على الشك تؤدي في الماضي إلى الأدلة، يجادل المدافعون بأن ما يفعل ذلك الآن هو المعالجة الخوارزمية للبيانات التي يمكن أن توفر تلك الخيوط والتي تعتبر بمثابة المراقبة الجماعية.
التصدي للإرهاب
تقول الحكومة إن الصلاحيات على النحو المنصوص عليه في مشروع القانون ضرورية لتوفير الأمن. وجادل فريقها القانوني في قضية منظمة «الخصوصية الدولية» بأن استخدام البيانات الشخصية بحجم كبير «أداة أساسية» من دون استخدامها ستكون المخابرات «بشكل ملحوظ أقل فاعلية في حماية المملكة المتحدة» ضد الإرهاب والتهديدات التي مصدرها الفضاء الإلكتروني والتجسس.
وتقول الشرطة إن الحاجة إلى المخابرات الآن أكبر من أي وقت مضى، وإن البيئة التكنولوجية التي يعمل فيها المجرمون والإرهابيون تغيرت بشكل كبير.
نيل باسو، المفوض المساعد في شرطة لندن، قال في حزيران (يونيو): «لا نزال بحاجة إلى معرفة من هم الأشخاص الذين يتصل بهم المجرمون، وكيف يفعلون ذلك، وأين يكونون عندما يفعلون ذلك، وما الأجهزة التي يستخدمونها، وما إذا كان بإمكانهم الوصول إلى المواقع الجنائية».
وكشف أيضا عن أن السلطات تريد هذه الصلاحيات ليس فقط لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، ولكن من أجل مزيد من المراقبة العادية.
وسأل باسو: «إذا كان لدينا احتيال على مستوى منخفض وإعداد أشخاص لتصرفات معينة من النوع الذي كان بإمكاننا أن نمنعها، كيف يمكنني شرح ذلك للجمهور وأن أقول فقط إنني غير قادر على التصرف، وأنه ليست لدي الصلاحيات لفعل ذلك؟». ظاهريا، يبدو أن الجمهور غير مبال. في نيسان (أبريل) الماضي أظهر مسح لمكتب مفوضية المعلومات، وهي هيئة رقابية مستقلة، أن أقل من ربع من شملهم المسح أعربوا عن قلقهم إزاء إمكانية حصول الأجهزة الأمنية على البيانات الخاصة بهم وكانوا ثلاث مرات أكثر عرضة للقلق بشأن وصول المجرمين إليها. ويعتقد نشطاء ومحامون أن المستوى المنخفض من القلق له علاقة أكبر بالافتقار إلى الوعي والرقابة العامة المحدودة، ويجادلون بأن مشروع القانون تم إرساله بسرعة إلى البرلمان ولم يحظ بالاهتمام الكافي. وبالكاد أظهر حزب العمال المعارض بعض المقاومة، وصوت له في مطلع حزيران (يونيو) وسط، ما قال بعضهم، مخاوف من الظهور بمظهر الضعف فيما يتعلق بالإرهاب. وتلاحظ كيت ماكميلان، وهي محامية تعمل في مجال الخصوصية لدى «كولير بريستو»، بعض التنازلات المهمة منذ أن وصل مشروع القانون إلى البرلمان، خصوصا فكرة أنه لا يمكن للأنشطة الخاصة بالنقابات التجارية الخضوع لسلطات التحقيق «لكن يتعين على المرء التساؤل عما إذا تم تقديم ما يكفي لحماية الجمهور».وتشكك في أن آخرين في أوروبا سيحذون حذو بريطانيا، لا سيما ألمانيا، التي كانت تناصر حقوق الخصوصية للأفراد من خلال قانون حماية بيانات الاتحاد الأوروبي الجديد الذي يعرف بـ «جي دي بي آر». وقد نشر المدعي العام في محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي رأيا مفاده أن أية قوانين تتعلق بالاحتفاظ بالبيانات ينبغي أن تحترم الخصوصية الشخصية ويمكن تبريرها فقط عند الضرورة في محاربة الجرائم الخطيرة.تضيف ماكميلان: «هناك رأي قوي (في المجتمع القانوني) يرى أن هذا التطور ربما يعمل على عرقلة مشروع قانون الملكية الفكرية في المملكة المتحدة». ولا يزال قهرماني، المهاجر الإيراني، متشككا إزاء مطالب الرقابة التي قدمتها ليس فقط الحكومة البريطانية بل أيضا التي قدمتها الدول الأخرى. يقول: «كانت كل من كندا وفرنسا تجمع كميات كبيرة من البيانات على مدى أكثر من أربع سنوات، ومع ذلك لا تزال تحدث الهجمات الإرهابية. في حالة الهجمات التي وقعت في باريس، تواصل الإرهابيون من خلال رسائل نصية قصيرة غير مشفرة. في الولايات المتحدة كانت تستخدم برامج تجميع البيانات المجمعة التابعة لوكالة الأمن القومي منذ فترة أطول حتى من ذلك. الحقيقة هي أنه لم يثبت في الواقع قط أن بإمكان تلك البيانات المجمعة بشكل ضخم إيقاف الإرهاب».

خـرافـة مـشـروع الـسـلام الأوربـي

          جون بليندر
في الوقت الذي تفك فيه بريطانيا 
روابطها مع الاتحاد الأوروبي، مع انبعاث المشاعر القومية عبر القارة الأوروبية، نجد لزاماً علينا لكي نكون واقعيين، تحدي خرافة عزيزة على قلوبنا تتسم بالغرور، هي أن هذا البناء العابر لحدود القومية، أي الخطة الأوروبية العظمى، نجح في منع نشوب الصراعات لعدة عقود.
لنقل إن الاستراتيجية الأصلية للآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي كانت ناجحة في زيادة التعاون بين دول كانت في السابق متعادية، وهي الاستراتيجية التي سعوا من خلالها إلى إيقاع الدولة القومية الأوروبية في شرك يتمثل في شبكة من العلاقات الاقتصادية للمساعدة في ضمان السلام بطريقة خفية. كان الهدف، بحسب العبارة المشهورة التي جاءت على لسان روبير شومان، وزير الخارجية الفرنسي، هو جعل الحرب «ليس فقط شيئاً لا يمكن أن يخطر على البال، بل شيئاً مستحيلا فعليا». ومع هذا جاءت هذه النية الخفية مقابل تكلفة باهظة. فقد ولد هذا في النخبة السياسية الأوروبية عادة الازدراء العميق للرأي العام والعملية الديمقراطية. خصوصا من حيث علاقة ذلك بالاستفتاءات التي كانوا يقولون عنها إن تعطي نتائج «خاطئة». كان هذا أحد المكونات الأساسية للاستياء الذي سبب صعود نجم الأحزاب اليمينية الشعبوية في الاتحاد الأوروبي. إن الادعاء الأساسي بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل الذي تمثل، أولاً، في مجتمع الفحم والفولاذ الفرنسي – الألماني في خمسينيات القرن الماضي، المستوحى من شومان، ومن ثم في الاتحاد الأوروبي، عمل على تطهير أوروبا من عداواتها السابقة، هو ليس فقط ادعاء خياليا، ولكنه أيضا مؤسس على سوء فهم للعلاقة بين الاقتصادات والأمن القومي.
وترجع فكرة أن التجارة توصل للسلام إلى زمن يعود إلى الفترة التي عاش فيها المنظر السياسي الفرنسي مونتيسكيو في القرن الثامن عشر. فهو الذي جادل في كتابه «روح القوانين» بأن الرغبة في الحصول على مكاسب مالية يمكن أن تكبح مشاعر التدمير الكامنة في الطبيعة البشرية. لقيت هذه الفكرة صدى عبر القنال الإنجليزي وأخذت شكل مبدأ العالمية الليبرالية الذي تبناه في القرن التاسع عشر، داعية التجارة الحرة والمناهض للإمبريالية، الإنجليزي ريتشارد كوبدين. جاءت أعلى موجة لهذا المبدأ مع نشر كتاب «الوهم العظيم» في عام 1910، للسياسي البريطاني نورمان أنجيل، الذي جادل فيه بأن التكلفة الاقتصادية للحرب هي دائماً أعلى من المكاسب التي تحققها. وفسر كثيرون نظريته بأنها تعني أن الحرب عبثية، وبالتالي لم تعد مرجحة، لكن نهاية هذا الوهم جاءت في عام 1914 (نشوب الحرب العالمية الأولى).
ومع ذلك أثبتت الفكرة القائلة إن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يحد من العدوان العسكري أنها فكرة متينة. إضافة إلى أنها كانت ملهمة للآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، كانت أيضاً جزءا مهما من الإعلانات الرسمية لمنظمة التجارة العالمية. وهناك الكثير من الأكاديميين ممن يؤمنون بهذا المبدأ بشكل ثابت، منهم روبرت شيلر، أستاذ الاقتصاد في جامعة ييل الحائز على جائزة نوبل. في الواقع يوجد في هذه الأطروحة بعض الأشياء الصحيحة. إذ مما لا شك فيه أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يعمل على رفع تكلفة الصراعات.
لكن توجد عوامل أخرى يمكن أن تقدم تفسيراً أفضل لذلك بخصوص فترة السلام الذي جاء بعد الحرب. ففي إطار الخطر النووي، في الفترة التي تلت مباشرة الحرب العالمية الثانية، كان الشعور بوجود عدو مشترك أثناء الحرب الباردة عاملاً مساعداً في جلب فرنسا وألمانيا معاً. إضافة لذلك، سهلت مظلة الحماية العسكرية الأمريكية من كبح جماح التنافس بين الدول. وفوق كل ذلك، أصبح مفهوماً أنه لم يعد هناك رغبة لدى ألمانيا، التي عانت هزائم هائلة في الحربين العالميتين المتعاقبتين، في أن تلحق بنفسها كارثة ثالثة. وضِمن الاتحاد الأوروبي قلت جداً شهية الدخول في صراعات في المستقبل المنظور. أما بالنسبة للأحزاب الشعبوية، فيقتصر عداؤها اليوم على العولمة والهجرة وبروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، وأي شيء آخر ترى فيه تهديداً لهويتها القومية.
أما في العالم القاسي الموجود خارج الاتحاد الأوروبي، فهناك القليل مما يشير إلى أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل كان مانعاً قوياً في وجه العدوان العسكري، وأكبر شاهد على ذلك هو التدخل العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم وشرقي أوكرانيا. وهكذا، مرة أخرى، تتغلب المشاعر القومية على المصالح الاقتصادية.
التفاعل المتبادل ذو الطابع الأعمق بين السياسة والاقتصاد في الاتحاد الأوروبي يرتبط بمنطقة اليورو. هنا يثبت الاعتماد الاقتصادي المتبادل أنه وصفة لزيادة الاحتكاك بين دول الاتحاد. من الناحية العملية، ميزان القوة القديم في سياسات أوروبا أصبح مركزاً داخل اتحاد نقدي غير مستقر. لكن الفارق هذه المرة هو ظهور ألمانيا لتكون الدولة المهيمنة على هذا الاتحاد، التي تُصر على سياسة التقشف خلال الأزمة التي عانتها دول منطقة اليورو، مع استمرار سجلها في تحقيق فائض في حسابها الجاري. في ظل غياب بنية ملائمة – مثل سياسية موحدة في المالية العامة، واتحاد مصرفي كامل، والتزام متبادل بخصوص الديون – أصبحت هذه العملة الموحدة آلية لتكاثر الاختلالات المستوطنة فيها.
ولا يتوافق هذا كثيراً مع تفكير كوبدين، مقارنة بفكر جون مينارد كينز الذي جادل في محاضرة ألقاها في دبلن عام 1933، بأن التجارة الحرة المقترنة بحركة رأس المال العالمي هي وصفة لصنع «الضغوط والعداوات».
لا شك أن الاتحاد الأوروبي حقق منذ تأسيسه إنجازات كبيرة. ومع ذلك الفكرة القائلة إنه كان القوة الرئيسة لتحقيق السلام والاستقرار في أوروبا ما بعد الحرب العالمية هي فكرة مبالغ فيها إلى حد بعيد، مثلما أصبح اليوم الاعتماد الاقتصادي المتبادل المكثف من خلال العملة الموحدة، وصفة لصنع الاضطرابات السياسية والاقتصادية. النخبة السياسية في أوروبا، في الوقت الذي تتأمل فيه تصاعد شعبية اليمين المتطرف، يجدر بها ألا تنسى عدد المرات في التاريخ الأوروبي التي انتصرت فيها الهويات القومية على المصالح الاقتصادية. تظل الحرب بين البلدان الأعضاء في أوروبا أمرا لن يخطر على البال، للأسباب غير الأسطورية المذكورة آنفا. أما التراجع نحو الحمائية المدمرة فهو مسألة أخرى.

تيريزا ماي تستوحي أفكارها من نيك تيموثي

          هنري مانس 
 
في روايته «برايتون روك» المنشورة عام 1938، سعى جراهام جرين لمعالجة تساؤلات كبيرة تتعلق بالحق والباطل على خلفية تصفية الحسابات بلا رحمة. تعد هذه الرواية الكتاب المفضل لدى نيك تيموثي، الذي – تماما كأي شخص – مكلف الآن بنقل السياسة البريطانية من جولة إسالة الدماء التي شهدتها أخيرا.
باعتباره كبير المساعدين لتيريزا ماي، ظهر تيموثي الملتحي بإسراف والبالغ من العمر 36 عاما، باعتباره الشخص صاحب السلطة خلف العرش، أو على الأقل واحدا من الأصوات الأكثر نفوذا أمام العرش. عندما أوقفت رئيسة الوزراء فجأة وبشكل مؤقت الخطط الصينية – الفرنسية لبناء مفاعل نووي في هينكلي بوينت، قاد تتبع جذور هذه الخطوة إلى مدونة كان قد كتبها قبل تسعة أشهر، محذرا فيها من التهديد الأمني الصيني.
وبالمثل، حماسة ماي الجديد تجاه استراتيجية الصناعة والتشكك في عمليات الاستحواذ الأجنبية ينسجمان بشكل ممتاز مع آراء يؤمن بها منذ فترة طويلة. فقد كتب لها معظم خطاباتها القليلة التي تميزت بتناول عدد من القضايا. يقول أحد الأصدقاء: «من الصعب أن تحدد أين يبدأ التلاقي وأين يتوقف».
يجري التمعن في كتابات تيموثي بحثا عن أدلة بشأن جدول أعمال رئيسة الوزراء. فقد كان متحمسا للمدارس الدينية، ومعاديا لفرض ضرائب للأغراض البيئية، ومنفتحا للتوصل إلى اتفاق مع الرئيس السوري بشار الأسد. واقترح أيضا أن يكون لحزب المحافظين طابع يقربه من «الطبقة العاملة»، ما يعد ابتعادا واضحا عن النزعة المحافظة التي أجمع عليها الرأي أثناء فترة تولي سلفها، ديفيد كاميرون. كتب في آذار (مارس): «نحتاج إلى أن نواصل مساءلة أنفسنا ما الذي سيقدمه حزب المحافظين لصبي ينتمي للطبقة العاملة من بريكستون، أو بيرمينجهام، أو بولتون، أو برادفورد؟».
وهذا يعكس كيف أن تيموثي، خلافا لإد ليويلن، كبير المساعدين السابق، لم يكن أحد المستفيدين من التعليم في مدارس النخبة. فهو مولود في بيرمينجهام، ودرس في مدرسة حكومية ممولة من القطاع العام، وبالتالي عندما وصل إلى مرحلة المراهقة المبكرة، كان لديه مبرر للتصويت لحزب المحافظين. يستذكر قائلا: «كنت أعلم أنه إذا فاز حزب العمال في انتخابات 1992، لكانوا قد أغلقوا المدرسة التي أتيحت لي فرصة الدراسة فيها».
بطله السياسي هو جوزيف تشامبرلين، رجل الأعمال والعمدة الليبرالي لبيرمنجهام في سبعينيات القرن الثامن عشر والحليف المحافظ فيما بعد. يشيد به تيموثي لأنه جعل الحزب يركز على الطبقة العاملة. وينسب آخرون الفضل إلى بنجامين دزرائيلي، رئيس وزراء حزب المحافظين الزئبقي ـ الذي يعد وريثه الواضح هو بوريس جونسون، وليس السيدة ماي.
في كلتا الحالتين، تبين خلفية تيموثي في بيرمنجهام وجود أصالة افتقر إليها داونينج ستريت أحيانا. فهو يدعم فريقي آستون فيلا وبيرمنجهام بيرز، وهما فريقان محليان لكرة القدم والكريكت. أعلن كاميرون نفسه مؤيدا لفريق آستون فيلا أيضا، لكنه خلط ذات مرة بين ذلك الفريق وبين ويست هام، الذي يلعب بالألوان نفسها.
ومع ذلك، أمضى تيموثي حياته العاملة كلها في محيط وستمنستر. فبعد دراسة السياسة في جامعة شيفيلد، عمل باحثا في مكتب مركزي تابع لحزب المحافظين وموظفا لدى ماي خلال وجودها في المعارضة. وإيمانه بالاستراتيجية الصناعية ينسجم مع وقته المحدود في القطاع الخاص.
في أعقاب انتخابات 2010 أصبح مسشارا خاصا لماي، التي كانت وزيرة للداخلية آنذاك. ومن خلال إحكام السيطرة على السياسة، ساعد في ضمان أن هناك حالات عبث أقل في وزارة الداخلية مما كان عليه الوضع في السنوات السابقة.
في بعض الأحيان كان يظهر بعض الجرأة – وحتى الروح الانتقامية – في الوزارة التي تشغلها ماي. مثلا، في عام 2011 اتهم برودي كلارك، رئيس وكالة الحدود في المملكة المتحدة آنذاك، بتخفيف عمليات التفتيش في مطار هيثرو دون أخذ الإذن من ماي. ووجد نفسه في موقع المساءلة في جلسات إحاطة قاسية، مقدمة على ما يبدو من وزارة الداخلية. وفيما بعد أقام دعوى مفادها أنه تم تغيير عمله بهدف دفعه إلى الاستقالة، وانتهت القضية بتسوية مكلفة. في حادثة أخرى في عام 2014، استقالت المستشارة فيونا هيل، زميلة تيموثي، بعد أن تم تسريب وثائق سرية تتعلق بنفوذ إسلامي مزعوم في مدارس بيرمنجهام بغية إحراج مايكل جوف، وزير التعليم السابق.
في النهاية، عبث له الحظ. فقد دافع عن ماي ضد عمليات توغل من جانب داونينج ستريت، بحيث كان ينخرط أحيانا في تبادل رسائل غاضبة عبر البريد الإلكتروني. ومن ثم راح يعطي نصائح مطولة إلى مكتب مجلس الوزراء حول ما إذا كان بإمكانه، بوصفه مستشارا ممولا من القطاع العام، يخوض حملة انتخابية لمصلحة المحافظين. وانتهى الأمر بإقصائه من قائمة الحزب الخاصة بالمرشحين للانتخابات العامة عام 2015، وفي نهاية المطاف مغادرة الحكومة. وبذلك اكتمل اغترابه عن زمرة كاميرون.
قضى تيموثي فترة الـ 12 شهرا التالية في تعزيز وضع المدارس المجانية المستقلة والممولة من الدولة. وخلال فترة الاستفتاء للاتحاد الأوروبي، لعب دوره بذكاء، مؤيدا فكرة الخروج من الاتحاد في الوقت الذي كان ينتقد فيه حملة المغادرة. وعندما استقال كاميرون، اصطف إلى جانب ماي والسيدة هيل.
تم استيراد دور كبير المساعدين من الولايات المتحدة من قبل توني بلير. وهو يوفر الأمل بأن يتم تأكيد سلطة رئيس الوزراء على الوزراء وعلى الحكومة البريطانية. ويستذكر جوناثان بويل، الرجل الأول الذي تقلد المنصب، قائلا: «ليس من واجبات كبير المساعدين إخبار رئيس الوزراء بالسبب في عدم التمكن من القيام بشيء ما. فهو لديه كامل جهاز الخدمة المدنية للقيام بذلك».
فصلت ماي معظم كبار الوزراء الذين يمكن أن يقفوا في وجهها. وحتى مع ذلك، من يعرفون تيموثي يتساءلون ما إذا سيكون بمقدوره، بالاشتراك مع هيل، كبيرة المساعدين المشارِكة، أن يتمتع بقبضة قوية على القرارات، كالتي كان يتمتع بها في وزارة الداخلية. لديه الأفكار، لكن داونينج ستريت عالم فوضوي. وكما كتب باول: «قاعدتي الأساسية هي أن ست أزمات في وقت واحد قابلة للإدارة، لكن الأزمة السابعة هي التي يتبين في العادة أنها فوق الطاقة».

ريو 2016: تحذير السياح من خطر «مجرمي الإنترنت»

 سام جونز 
مع تدفق آلاف الزائرين الأجانب على ريو دي جانيرو لحضور الألعاب الأولمبية، يكثف مجرمو الفضاء الإلكتروني نشاطهم للحصول على غنائم كبيرة. وتحذر شركات استخبارات إلكترونية ومسؤولون حكوميون غربيون من أن الحفل الرياضي الذي يدوم أسبوعين في البرازيل يمكن أن يفضي إلى بعض أعلى مستويات النشاط الإجرامي الإلكتروني منذ سنوات. والخوف هو أن الجماعات المنظمة داخل البرازيل، وفي الخارج، تتطلع للاستفادة من وفرة السياح المتعطشين للمعلومات هناك، الذين يشكلون مجموعة من غير المرجح أن تفكر في المسائل الأمنية عندما تزور وتتصفح المواقع الإلكترونية للعثور على أخبار، أو لفتح مرفقات البريد الإلكتروني لإيجاد الأدلة أو الخرائط.
وقال جينس مونراد، من «فاير آي»، وهي شركة مختصة في بيع الأمن الرقمي: «إن هذا حدث يصنف من ضمن الفئات ذات المخاطر الكبيرة عندما يتعلق الأمر بالجريمة الإلكترونية».
وخلال الشهر الماضي، حذر مسؤولون أمريكيون من خطر تعرض الزائرين لتهديد القرصنة في البرازيل. ونصح بيل إيفانينا، وهو مسؤول تنفيذي أمريكي في الاستخبارات الوطنية، الأمريكيين بترك هواتفهم وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم في البيت واستخدام هواتف مؤقتة فقط.
وكانت الألعاب الأولمبية هدفا رئيسا للقراصنة من قبل. فقد تعرضت دورة ألعاب لندن عام 2012 إلى نحو 165 مليون حدث أمني إلكتروني، بحسب ما قال مسؤولو الأمن آنذاك.
وتعاني البرازيل منذ فترة وبشكل كبير من الجريمة الإلكترونية. فلديها ثاني أعلى حالات الاحتيال المصرفي عبر الإنترنت، وكان هناك ارتفاع في النشاط الإجرامي؛ لأن المهاجمين يستفيدون من شبكات الشركات ذات البنية الدفاعية الضعيفة والبنية الأساسية الأمنية الرقمية الضعيفة.
وعلى الرغم من الانتشار واسع النطاق لحالات الجرائم الإلكترونية في البرازيل، إلا أن الشركات والمنظمات الموجودة داخل البلاد تصنفها باستمرار على أنها تهديد منخفض الأثر.
على شبكة الويب المظلمة – جزء من شبكة الإنترنت التي تتطلب برمجيات معينة للوصول إليها – كانت المنتديات المستخدمة من قبل قراصنة الجرائم الإلكترونية غارقة في مناقشات تتعلق بكيفية استغلال الحدث المقام في ريو.
ووفقا لـ «فورتينت»، وهي مجموعة رائدة مختصة في أمن الشبكات، في حزيران (يونيو) وحده كان هناك ارتفاع نسبته 83 في المائة في عناوين المواقع الإلكترونية الخبيثة والسيئة في البرازيل.
وكانت الشعلة الأولمبية قد وصلت أخيرا إلى ملعب ماراكانا في ريو دي جانيرو وانطلقت الألعاب، بعد رحلة ملحمية مليئة بالصعاب قطعت خلالها 12 ألف ميل عبر البرازيل.
فبينما كانت الشعلة تشق طريقها داخل المدينة المضيفة يوم الأربعاء، استخدم رجال الشرطة قنابل الصعق والغاز المسيل للدموع لإخلاء الطريق وإبعاد المتظاهرين الغاضبين بسبب تكلفة استضافة دورة الألعاب الأولمبية. إنها رحلة كشفت عن التحديات الفريدة التي تواجه أول ديمقراطية في الأسواق الناشئة تستضيف دورة الألعاب.
في حزيران (يونيو)، في لحظة غريبة لكن شاعرية بشكل غريب، وبينما كان يجوب موكب الشعلة مدينة موسورو الواقعة شمال شرقي البرازيل، خرجت امرأة مسنة من بين الحشود حاملة مكنسة في يدها لتشعلها من شعلة الألعاب.
صرخت: «الشعلة، الشعلة» بينما كانت تركض بين الجماهير الهاتفة، وهي ترفع المكنسة المشتعلة في الهواء.
هذه المرأة أعادت غير قصد تمثيل الأسطورة اليونانية المتعلقة بأصول التقليد الخاص بشعلة الألعاب الأولمبية، أي اللحظة التي فيها سرق بروميثيوس النار من الإله زيوس ليتشاركها مع البشر.
لكن بالنسبة لدونا إرين، وهو الاسم الذي تُعرَف به في بلدتها، كان ذلك بالنسبة لعاملة النظافة السابقة في أحد المستشفيات، مجرد مشهد آخر من الغرائب المثيرة التي حولتها إلى أحد المشاهير المحليين، بحسب ما يشرح ابنها ومديرها، كيرجينالدو. يقول: «السلطات لم تتسبب في أية ضجة. يمكنهم أن يروا أنها مجرد امرأة مسنة».
حتى أن إنتاج الشعلة الخاصة بدورة ألعاب ريو، أو في الواقع الـ 12800 شعلة الخاصة بالحدث، بدت وكأنها شيء رمزي. مثل عرض ريو استضافة دورة الألعاب عام 2009 كان تصميم الشعلة أمرا طموحا بشكل كبير، ربما أكثر من اللازم. هذه الشعلة التي هي من تصميم ستوديو تشيليس آند هاياشي، الموجود في ساو باولو، تمتد بطول 5.5 سنتمترات عموديا عند مرورها بين حاملي المشاعل – إشارة إلى الطبيعة الترحيبية للبرازيليين.
يقول مؤسس الاستوديو، جوستافو تشيليس: «أردنا أن نمثل البرازيل بطريقة غير نمطية. اللجنة الأولمبية نفسها قالت لا ينبغي لنا أن نُظهِر فقط الكرنفال وكرة القدم والسامبا».
برازيل عام 2009 التي ركبت موجة الازدهار العالمية للسلع الأساسية وكانت في سبيلها لتحقيق أفضل نمو لها منذ عقود، أرادت أن تفعل ذلك بالضبط: أن تبين للعالم أنها مختلفة وجديرة بالاحترام.
لكن ما تسبب في فزع اللجنة الأولمبية، أن تصميم تشيليس كان مبتكرا جدا بحيث أن البرازيل لم تكن لديها الآلات، أو الدراية الفنية اللازمة لتنفيذه. وتم تسليم العقد إلى المجموعة الهندسية الإسبانية «ريكام ليزر»، التي صنعت المشاعل في برشلونة.
يقول بيري باريوس، مؤسس شركة ريكام: «إنها ربما المرة الأولى والأخيرة التي لا تجري فيها صناعة المشاعل في البلد المضيف». بعد رحلة مكوكية إلى اليونان لحضور حفل إضاءة الشعلة الإلزامي في أولمبيا، الذي تبعه احتفال الأمم المتحدة في جنيف، وصلت الشعلة الأولمبية على متن طائرة مستأجرة إلى برازيليا في الثالث من أيار (مايو).
ما كان ينبغي أن يكون لحظة مشهودة طغت عليه أزمة سياسية كانت تمر بها البرازيل – بعد أيام فقط أقيلت الرئيسة ديلما روسيف من منصبها، ظاهريا بسبب مخالفتها قوانين الميزانية، ولكن أساسا بسبب الحالة الوخيمة التي وصل إليها الاقتصاد. خلال فترة السنوات السبع التي تم منحها للبرازيل للإعداد لدورة الألعاب، انتقلت الدولة من وضع السوق الناشئة إلى بلد يعاني مشاكل مالية واقتصادية حادة أغرقتها في أسوأ حالة ركود في التاريخ. ويقول خبراء الاقتصاد إن حزب العمال الذي تنتمي إليه الرئيسة روسيف، فشل خلال سنوات الازدهار في إجراء الإصلاحات اللازمة لزيادة الإنتاجية، الأمر الذي كان من الممكن أن يسمح للصناعة بأن تزدهر وربما حتى سمح للبرازيل أن تصنع الشعلة الخاصة بها. على مرأى من حراس الأمن، بدأت الشعلة الأولمبية بعد ذلك رحلتها عبر 500 بلدة ومدينة في البرازيل. في مدينة ماناوس الأمازونية تميز الحفل بظهور حيوان الجاكوار الأليف، الذي قتل في وقت لاحق بعد محاولته الهرب، ما أثار موجة غضب عالمية.
في ساو باولو سقطت لويزا هيلينا تراخانو وهي تركض حاملة الشعلة. وبعد يومين اصطدم شرطي يركب دراجة نارية بزميل له خلال الموكب.
وفي أنجرا دوس ريس، في ريو، ذكرت وسائل إعلام محلية أن مجموعة قامت بمحاولة سرقة الشعلة وإطفائها في خضم الاحتجاجات. إذا كانت البرازيل قد استضافت دورة الألعاب الأولمبية بحيث يأخذ العالم هذا البلد على محمل الجد، فإن النقاد يقولون إنها فشلت فشلا ذريعا، مشيرين إلى مشاكل ريو التي لا تحصى، مثل التلوث والجريمة والبنى التحتية الضعيفة، وهذا أمر يختلف عليه آخرون. يقول باولو سوتيرو، مدير معهد البرازيل في مركز ويلسون: «كانت البرازيل بلدا جادا عام 2009 ولا تزال كذلك»، مضيفا أنها حققت تقدما ملحوظا على مدى السنوات السبع الماضية، ولا سيما في محاربة الفساد. لذلك، فهي تستحق الحصول على ميدالية ذهبية».

«التكلفة الباهظة» تحبط المدن الراغبة باستضافة الألعاب الأولمبية

          مراد أحمد وجوي ليهي
 
بالنسبة لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي أقيمت في سوتشي في روسيا عام 2014، طالب فلاديمير بوتين بإنفاق هائل من أجل تحويل منتجع تزلج يقع في جبال القوقاز إلى مكان مناسب لاستضافة «أعظم عرض على وجه الأرض».
وقد امتدت الهبات لبناء خط سكة حديد طوله 31 ميلا يربط المطار الذي يقع بالقرب من المدينة الساحلية آدلر بجوار البحر الأسود، ليصل إلى منتجع التزلج كراسنايا بوليانا. وبتكلفة تقدر بحدود 8.7 مليار دولار، كان الخط أكثر تكلفة من من التكاليف التشغيلية لمعظم الألعاب الأولمبية، بما في ذلك ألعاب الدورة الصيفية عام 2016، التي ستفتتح في ريو دي جانيرو يوم الجمعة.
وفقا لتقارير وسائل الإعلام، نادرا ما يستخدم خط السكة الحديدية اليوم، ما يجعله المثال الأحدث لمشروع مكلف وفاشل مدفوع بدورة الألعاب الأولمبية، وهو مثال يقدم تحذيرا صارما للمضيفين المحتملين بأن ذلك السيرك بشعار الخمس نجوم لن يكون أمرا سهلا. تضخم حجم الإنفاق المرتبط بالألعاب في سوتشي ليصل حجم الإنفاق الإجمالي إلى 51 مليار دولار، ما يجعلها الألعاب الأكثر تكلفة في التاريخ. واستأثرت التكاليف المرتبطة بالرياضة وحدها بمبلغ 21.9 مليار دولار.
على النقيض من ذلك، ستكون فاتورة ريو 2016 التي يقول المنظمون إنها تساوي 4.1 مليار دولار، متواضعة. لكن حتى هذا الإنفاق يشكل مشكلة، مع غرق البرازيل في حالة ركود عميقة بحيث إنها استنفدت حماسة الجمهور للحصول على مشروع فائق كهذا.
الحركة الأولمبية ليست غريبة على الأزمات. فقد ألقت الهجمات الإرهابية والفساد بظلالهما على الألعاب السابقة والمخاوف من حدوث ذلك خيم على ريو. واجتاحت فضيحة رشا الاستعدادات لإقامة الألعاب في طوكيو عام 2020، ما أدى إلى إلغاء خطط لبناء استاد أولمبي بتصميم عصر الفضاء واستقالة بعض المنظمين والشخصيات السياسية. وسيطر على الفترة الي سبقت حفل الافتتاح في ريو فضيحة المنشطات التي انتهت إلى منع عديد من لاعبي ألعاب القوى الروس من المشاركة في الألعاب.
مع ذلك، بالنسبة لكثير من أعضاء اللجنة الأولمبية الدولية، المنظمة التي تحكم الألعاب وتديرها، ما يشكل أكبر تهديد لمستقبل الألعاب هو التكلفة المتصاعدة لإقامة أكبر حدث رياضي في العالم. تقديم العروض لاستضافة دورة الألعاب الصيفية لعام 2024 جاء على نمط الدورة الشتوية لعام 2022 – مدينة تلو أخرى تخلت عن طموحاتها الأولمبية بسبب عائق التكلفة.
يقول مايكل باين، وهو رئيس سابق للاتصالات ومستشار في اللجنة الأولمبية: «اعتقد بوتين أنه كان يقدم معروفا للجميع، بقوله: انظروا كم أنفقت على دورة الألعاب الأولمبية. لكنه عمل على إخافة وإبعاد جميع المضيفين المحتملين الآخرين. إن كنتَ عبارة عن مدينة صغيرة، أين يمكن أن تجد مبلغ 50 مليار دولار؟».
الطفرة والانهيار
في عام 2009، عندما اختيرت ريو لتكون المدينة المضيفة عام 2016، كانت البرازيل تمر بواحدة من أفضل فتراتها الزمنية. بعد إطلاق حزمة تحفيزية لإنعاشها من الأزمة المالية العالمية التي تأثرت بها، توسع الاقتصاد بنسبة 7.5 في المائة في عام 2010 – المعدل الأسرع منذ عقود. اليوم يواجه الاقتصاد أعمق حالات الركود منذ أكثر من قرن، متأثرا بانهيار سوق السلع الأساسية العالمية، لكن الأمر زاد تعقيدا بسبب سياسات الحكومة التدخلية وفضائح الفساد.
لقد كانت ولاية ريو دي جانيرو الموشكة على الإفلاس بمثابة تحذير من حدوث «كارثة» حتى تدخلت الحكومة الاتحادية في حزيران (يونيو) ومنحتها تمويلا طارئا من أجل الإجراءات الأمنية. لحسن الحظ بالنسبة للألعاب، تكون الحكومة المحلية، التي تبدو أنها في وضع مالي أفضل قليلا، مسؤولة عن جزء كبير من البنية الأساسية، بما في ذلك الساحات والملاعب، ويبدو أنها وفت بوعودها. تقول السلطات إن امتداد خط المترو المهم الذي يربط مناطق الشاطئ بوسط المدينة مع الحديقة الأولمبية سيتم افتتاحه هذا الأسبوع.
يقول رودريجو توستيس، مدير العمليات التشغيلية للجنة تنظيم الألعاب في ريو لعام 2016: «لقد حصلنا على حق إقامة الألعاب في ما كان يعد الوقت الأفضل للبرازيل منذ 50 عاما ونقوم بتقديم ذلك خلال الفترة الأكثر تعقيدا خلال الـ 50 عاما الماضية. لكننا لم نيأس أبدا وسنقدم تجربة مشاهدة ألعاب رائعة للجميع».
انخفض الدعم العام للألعاب، مع إظهار استطلاع للرأي أجرته «داتافولها» أن 50 في المائة من البرازيليين يعارضون استضافة الألعاب في بلادهم، وهو ضعف الرقم الذي تم تسجيله في استطلاع أجري في عام 2013.
تحسب حكومة المدينة بأن تكلفة الألعاب ستبلغ 4.1 مليار دولار كنفقات مباشرة مثل الساحات وقرية ألعاب القوى، وجاء 80 في المائة من هذا التمويل من القطاع الخاص. وهذا المجموع لا يشمل النقل وغيره من تكاليف البنى الأساسية الأخرى. ويشير بعضهم إلى أن التكلفة ستكون أعلى.
تقول سايمون بيريرا، وهي مقيمة في كانتاجالو فافيلا، التي تطل على إيبانيما، وجافيا، وكوباكابانا، الأحياء الأكثر ثراء في ريو- إن المال المخصص للألعاب كان يمكن إنفاقه وبشكل أفضل على الخدمات مثل مستشفيات الدولة المتداعية.
وتقول أيضا وهي تتطلع نحو لاجوا، البحيرة الجميلة في ريو، حيث تجري رياضة التجديف: «لسنوات، لم تقم الحكومة بعمل أي شيء. بالتأكيد، لم نحظ بأية ميزات أو منافع هنا. لكن ينبغي لنا الاستفادة القصوى من ذلك واستخدام تلك المرافق عندما يتم افتتاحها أمام الجمهور بعد انتهاء دورة الألعاب».
الضربة المالية
كادت دورة الألعاب الأولمبية عام 1976 التي أقيمت في مونتريـال أن تؤدي إلى تعرض المدينة الكندية للإفلاس، وأصبحت مثلا لكيف يمكن لاستضافة دورة ألعاب أن تصاب بالاختلال. استجابت اللجنة الأولمبية عن طريق زيادة التسويق التجاري، وتقديم مليارات الدولارات من الرعاية وحقوق البث وتقسيم العائدات مع المدن المضيفة لتخفيف الضربة المالية.
لكن الأزمة العالمية عملت على تحويل أولويات الحكومات المثقلة بالديون وجعل المدن أكثر حذرا من حيث تقديم العروض لاستضافة الألعاب.
وعلمت اللجنة الأولمبية بالتغير الحاصل في مزاج عديد من المدن المضيفة المحتملة حتى قبل حدوث النفقات المفرطة في سوتشي، بحسب ما يقول أناس قريبون من اللجنة. وتبلورت مخاوفها في عملية تقديم العروض لاستضافة دورة الألعاب الشتوية لعام 2022. وفكرت مدن في بولندا وألمانيا وسويسرا والسويد وأوكرانيا في أمر الاستضافة، لكنها جميعا وضعت عروضها على الرف وقالت كل واحدة منها إنه لا يمكنها تبرير النفقات. وأصبحت آمال اللجنة الأولمبية معلقة بأوسلو التي عرضت مقترحا ممتازا، لكن حكومة النرويج حاولت جاهدة إقناع شعبها بأن الألعاب تستحق صرف مليارات الدولارات. وجاءت الضربة القاضية في تشرين الأول (أكتوبر) 2013، عندما كشفت الصحف اليومية بعض الامتيازات – بما في ذلك حفل استقبال مع ملك النرويج – التي طالب بها أعضاء اللجنة الأولمبية في حال فازت المدينة بحق استضافة الألعاب.
يقول جيرهارد هايبيرج، وهو عضو نرويجي في اللجنة الأولمبية الدولية قاد أيضا اللجنة المنظمة لدورة الألعاب التي أقيمت في لايليهامر عام 1994: «ساعدت التقارير الناس الذين كانوا قد أصبحوا سلبيين من قبل، ليقولوا: يا للهول، اللجنة الأولمبية تطالب بهذا؟ كما أنها أثرت في تفكير السياسيين».
مع انسحاب أوسلو، ما تبقى فقط هو ألماتا في كازاخستان، وبكين، الفائز النهائي في المنافسة على التاج.
وعملت الهزيمة على استثارة إصلاحات اللجنة الأولمبية الدولية الهادفة إلى تقليص النفقات وفتح المجال لإمكانية إقامة الألعاب في مناطق جديدة، مثل إفريقيا وجنوب شرق آسيا. كما أرادت أيضا إرغام المدن على الأخذ بجدية أكثر فكرة وجود إرث دائم جدير بتلك النفقات الضخمة والهائلة.
جدل اقتصادي
الحكومات التي غالبا ما روجت للألعاب كرمز للحيوية الوطنية، جادلت سابقا بأن مناسبة الألعاب تخلق حافزا ماليا يدوم فترة العرض التي تستمر مدة 17 يوما لكن السياسيين يخسرون حجتهم المتعلقة بالقيمة الاقتصادية للألعاب.
يقول ستيفان زيمانسكي، وهو أكاديمي مختص في قطاع صناعة الرياضة في جامعة ميتشيجان، أجرى بحوثا حول الأثر الاقتصادي للألعاب الأولمبية: « تقول الحكومات إننا سنحصل على حفلة كبيرة ونتيجة لذلك سنصبح أغنياء. هذه فكرة سخيفة».
تقول اللجنة الأولمبية الدولية إن كثيرا من الأرقام الرئيسية المرتبطة بالألعاب الماضية، مثل مبلغ الـ 51 مليار دولار المرتبط بسوتشي، هي أرقام مضللة. فهي تقول إن مشاريع البنى التحتية وخطط التجديد ينبغي أن يتم فصلها عن الميزانية التشغيلية، التي يتم دفع جزء كبير منها من خلال مبيعات التذاكر، والبضائع، وحقوق البث. ويتحدى خبراء الاقتصاد ذلك، قائلين إن الإنفاق على البنى التحتية ما كان ليحدث لولا الألعاب وينبغي بالتالي أن يتم إدراجه.
وحلل باحثون في كلية سعيد لإدارة الأعمال في أكسفورد بتحليل 30 دورة ألعاب شتوية وصيفية ونشروا نتائجهم الشهر الماضي. وعلى الرغم من أن الدراسة تعرضت للطعن بقوة من قبل اللجنة الأولمبية، إلا أنها تدعي بأنه لم تأت أية لعبة ضمن إطار الميزانية الأولية، وتقريبا نصف المدن تجاوزت الأهداف الموضوعة بأكثر من 100 في المائة.
ويقدر أندرو زيمباليست، أستاذ الاقتصاد ومؤلف كتاب «الحدود القصوى للسيرك: المغامرة الاقتصادية وراء استضافة الألعاب الأولمبية وكأس العالم»، أن دورة الألعاب الأولمبية الصيفية يمكن أن تؤدي إلى ظهور عجز يصل إلى 15 مليار دولار.
ويضيف: «يقال أحيانا إن العجز سوف يتم التعويض عنه على المدى الطويل من خلال زيادة السياحة والتجارة والاستثمار. والبيانات لا تشير إلى أن هذا سيحدث». كما يشير إلى دراسات تظهر أن السياحة في لندن وبكين انخفضت في الأشهر التي أقيمت فيها الألعاب، في الوقت الذي ارتفعت فيه السياحة الخارجية لأن السكان المحليين حاولوا تجنب حضور الفعاليات. ويشير بحث آخر إلى أن هناك أثرا قليلا، أو معدوما على التجارة أو الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المستقبل، في الوقت الذي ينتهي الحال بالعديد من المدن إلى الإنفاق من أجل الحفاظ على المرافق التي يقل استخدامها.
مع ذلك، يقول زيمباليست إن نسختين من الألعاب استطاعتا تفادي العواقب الاقتصادية السلبية. إحداهما دورة ألعاب لوس أنجلوس عام 1984، حيث اعتمد المنظمون بشكل رئيسي على الأماكن المتوافرة والرعاية المقدمة من الشركات لتحقيق ربح ضئيل.
والأخرى دورة ألعاب برشلونة عام 1992 عندما أطلقت المدينة الكاتالونية، بعد سنوات من نقص في الاستثمارات، خطة إعادة تطوير لترميم الواجهة البحرية فيها.
يقول البروفيسور زيمباليست: «كانت برشلونة مناسبة لإقامة دورة الألعاب من خلال الخطة التي كانت لديها من قبل. وتمت إقامة الدورة لتناسب المدينة. في أي مدينة أخرى، كان الوضع على العكس من ذلك تماما».
وتعتبر برشلونة مدينة ناجحة في دورة الألعاب التي أقيمت فيها رغم كونها الدورة الثالثة من حيث التكلفة الباهظة ولديها تجاوز ضخم في التكاليف، وفقا لبحوث كلية سعيد. وكانت كل من لوس أنجلوس وبرشلونة في تفكير اللجنة الأولمبية الدولية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، عندما أدخلت إصلاحاتها الواردة في جدول أعمال عام 2020. وكانت التغييرات الأهم في عملية تقديم العروض، بدلا من تشجيع المنافسة حيث تقدم المدن المتنافسة مبالغ كبيرة بشكل متزايد لنيل الأصوات، تمر الأطراف المهتمة بالموضوع بمرحلة «الدعوة».
وتقدم المدن المضيفة خططا للتجديد، في الوقت الذي تقدم فيه اللجنة الأولمبية النصح والإرشاد فيما يتعلق بكيفية تصميم الألعاب لتناسب تلك الطموحات. ويتم تشجيع المدن لاستخدام الملاعب الموجودة. وتم التخلي عن خيار أفضلية إقامة «دورة ألعاب مكثفة»، حيث تعقد معظم المنافسات في مكان واحد.
مع ذلك، الرسالة التقشفية لا تُحدِث أثرا يذكر في العروض الخاصة باستضافة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2024. في العام الماضي، سحبت بوسطن عرضها في أعقاب معارضة محلية لخطط كانت تهدف إلى أن يدفع دافعو الضرائب في حال تجاوزت الألعاب حد الميزانية. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) انسحبت هامبورج عقب خسارة استفتاء يتعلق بالقضية. وكذلك العرض المقدم من روما يتعرض لمأزق كبير بعد أن انتخبت المدينة الإيطالية فيرجينيا راجي، من حركة «خمس نجوم» المناهضة للمؤسسة عمدة لها.
وقالت راجي بعد فوزها في حزيران (يونيو): «بما أننا نعاني في الأصل من ديون تقدر قيمتها بحدود 13 مليار يورو، فلا تستطيع روما السماح بمواجهة مزيد من الديون من أجل إنشاء كاتدرائيات في الصحراء».
إذا كانت روما تريد الانسحاب، فإن لوس أنجلوس وباريس وبودابست ستغادر أيضا. فقط العاصمة الهنغارية لم تستضف أية ألعاب أولمبية، لكنها تعتبر «خيارا بعيدا»، وفقا لأرقام اللجنة الأولمبية الدولية، على الرغم من أن مهمة اللجنة هي البحث عن مناطق جديدة.
حتى مع وجود تلك المتاعب، يصر باين على أن الألعاب الأولمبية سوف تزدهر طالما أنه يحضرها مئات الملايين من الناس وتعتبر ذروة النجاح الرياضي. ويعتقد بعضهم أن الفضائح المتعلقة بتعاطي المنشطات تسببت في تكلفة باهظة للألعاب حيث خسرت مكانتها باعتبارها قمة العرش الرياضي، لكن باين لا يزال متفائلا.
ويقول: «يتعين عليك أن تكون نائما لكي لا تشعر بتلك المدن الآخذة في الانسحاب، وأن هناك مشكلة عميقة. لكنني أعتقد أن ريو سوف تفاجئ الجماهير. فهي ستبدو مذهلة عبر التلفاز. وتذكروا أن اللجنة الأولمبية الدولية تسيطر على إشارات البث التلفزيونية».

توظيف حركة المد والجزر لانتاج الطاقة الكهربائية

         المهندس لطيف عبد سالم 
لا مغالاةً في القولِ إنَّ براءةَ الاختراع، الَّتِي نالها المُهَنْدِس البريطاني ( جارلس الغيرنون بارسونز – Charles Algernon Parsons ) في عامِ 1884 م عَنْ تصميمِه المِرْجَلُ البُخاري ( Steam turbine )، تُعَد حينئذٍ ميلاداً لعصرٍ جديدٍ في مجالِ إِنْتَاجِ القدرة الكَهْرَبائيَّة بسرعاتٍ عالية. وهو الأمر الَذي أفضى إلى اسْتِثْمارِ البُخار كبديلٍ ملائمٍ عَنْ القدرةِ الهيدْرُولِيكِية، والَّتِي جرى توظيف المتاح منها بعمليةِ إنتاج الطَّاقَةُ الكَهْرَبائيَّة بعددٍ مِنْ دولِ العالَم في أعقابِ الثَّوْرَة الصِناعيَّة، إذ عمدتْ الإدارات الصِناعيَّة حينئذٍ إلى تبني هذا الابتكارِ بمهمةِ اِسْتِغلالِ الطَّاقَةُ الكامنة فِي الرواسبِ المتعددة للوَقُودِ الأُحفُوريّ (Fossil Fuel )، بوصفِه تِقانة متطورة ساهمتْ إلى حدٍ بعيد فِي تغطيةِ حاجة البلدان الصِّنَاعية المتنامية لإمداداتِ الكَهْرَباء بعد أنْ أضناها البحث عَنْ طرقِ توليدٍ جديدة بفعلِ إخفاق محاولات بعض العلماء فِي صنعِ نماذجٍ متعددة مِنْ المحركاتِ البُخارية، والَّتِي لم يكن بوسعِها إِنْتَاجِ مِرْجَل بُخاري يتناسب مع متطلباتِ الحاجة الملحة إلى وجودِ مكائنٍ تعمل بقدراتٍ عالية وسرعات فائقة.  
مِنْ نافلةِ القول إنَّ البَشَريَّةَ شَهدت منذ منتصفَ القرن الماضي انخفاضاً كبيراً فِي معدلِ الوفيات بفعلِ الدور المؤثر لتطورِ الأنظمة الصِّحيةُ، وتنامي مسيرة التقدم فِي مجالي إِنْتَاجِ المياه النَقية لأغراضِ الشرب ومنظومات الصَّرْف الصِّحي، فضلاً عَنْ التطورِ المتسارع فِي صَنَّاعةِ الأَدوِية، وبالتالي زيادة معدلِ النُمُوّ السُكّاني العالَميّ، فعلى سبيل المثال لا الحصر وصل إجمالي عدد سُكّان العالَم فِي عامِ 1990 م إلى ما يقرب مِنْ ( 5.3 ) مليار نَسَمة، ليرتفع بعد نحو ربع قرن إلى ما يزيد عَنْ سبعةِ مليارات نَسَمة، الأمر الَذي أعطى مؤشرات واضحة عَنْ ملامحِ نُمُوّ احتياجات العالَم المُسْتَقْبَليَّة للطَّاقَةِ الكَهْرَبائيَّة. 
عَلَى الرغمِ مِنْ أَهمِّيَّةِ إِنْتَاجِ الطَّاقَةِ الكَهْرَبائيَّة، بوصفِها مِنْ   متطلباتِ العصر المهمة والأساسية فِي حياةِ الشعوب، إلا أنَّ التوسعَ المستمر باستخدامِ الوَقُودِ الأُحفُوريّ فِي مهمةِ تحويل الطَّاقَة الحَرارية الناتجة عَنْ احتراقِ عناصره إلى طاقةٍ مِيكانِيكِيَّة لأجلِ توظيفها بعمليةِ تشغيل المولدات في المحطاتِ الكَهْرَبائيَّة، إلى جانبِ ما استهلك مِنه فِي سلسلةِ الحروب الكبيرة الَّتِي طالت العالَم، أفضى إلى التسببِ فِي إحداثِ مشكلات كبيرة عَلَى الواقعِ البيْئَي لعمومِ البَشَريَّة، والَّتِي فِي المقدمةِ مِنها بإجماعِ آراء المنظمات العِلْميَّة تلوث الهواء، الأمطار الحَمْضِيَّةٌ، اتساع فتحة طبقة الأوزون، فضلاً عَنْ ذوبانِ الثلوج بشكلٍ مقلق فِي أماكنٍ كثيرة نتيجة الارتفاع الكبير بدرجاتِ الحَرارة المتأتي مِنْ تنامي ظاهرة الاحتباس الحراري الناجمة فِي الكثيرِ مِنْ جوانبِها عَنْ مخلفاتِ حرق الوَقُودِ الأُحفُوريّ، والَّتِي تُعَد بواعث رئيسة لغازِ ثاني أوكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، وثاني أوكسيد الكبريت وغيرها مِنْ غازاتِ الدَفيئَة أو غازات ( البَيْت الزُجَاجي ) المساهمة فِي الارتفاعِ المتسارع بدرجاتِ الحرارة كما لوحظ عَلَى مدارِ أكثر من قرنٍ مضى، والَذي مِنْ شأنِه التأثير عَلَى جميعِ بلدان العالَم، ولاسيَّما منطقة القطب الشمالي، الَّتِي مِنْ المرجحِ أنْ تكون الأكثر تضرراً بعد أنْ أكدت أحدث الدِّراسات العِلْميَّة عَلَى انْبِعاثِ غاز الميثان الَذي يُعَد أحد غازاتِ الدَفيئَة مِنْ قاعِ المُحِيط المُتجمِّد الشَماليّ بوتيرةٍ فاقت توقعات الخُبَرَاء. إنَّ سلبيةَ الآثار المترتبة عَلَى استخدامِ الوَقُودِ الأُحفُوريّ فِي النَّشَاطاتِ الخاصَّة بإنتاجِ الطَّاقَةِ الكَهْرَبائيَّة فِي ظلِ زيادة الطلب العالَمي عَلَى الطَّاقَة، والَذي مِنْ المتوقعِ أنْ يرتفع بحسبِ المتخصصين إلى نحوِ ( 60% ) بحلولِ عام 2030م، كان دافعاً قوياً وملحاً لدخولِ العالَم مرحلة جديدة مِنْ الوعي بأَهمِّيَّةِ التفكير في مَوْضُوعِ إقرار قوانين أكثر صرامة تقود في نهايةِ المطاف إلى خفضِ الانْبِعاثات الغازية المؤثرة سلباً عَلَى صِّحَّةِ الإِنْسَان وبيْئَة الحَياة، إذ أفضى خفض الصِناعات الثقيلة لانْبِعاثِ الغازات، والَّتِي بلغتْ ذروتها في أعوامِ العقد السادس مِنْ القرنِ المنصرم إلى  التقليلِ بنسبٍ متفاوتة مِنْ المخاطرِ البيْئَية المرتبطة بهذه المُشْكِلة.   
يمكن القول إنَّ مُشْكِلةَ التَلَوَّث البيْئَي باتت تؤرق العلماء والعقلاء، وتقض مضاجع المنظمات البيْئَية الساعية إلى حمايةِ البيْئَة مِنْ التدهور؛ بالنظرِ لتزايدِ النَّشَاطُات المساهمة بتدهورِ البيْئَة، والَّتِي مِنْ جملتِها الخطورةَ الناجمة عَنْ التوسعِ فِي إنتاج الطَّاقَةِ الكَهْرَبائيَّة بوساطةِ آلية حرق الوَقُودِ الأُحفُوريّ، الأمر الَذي ألزم القيادات الإدارية فِي أغلبِ بلدان العالَم البدء بمحاولاتٍ وقائيّة، وأنْ كان بعضها خجولاً بقصدِ إبعاد البيْئَة الدولية عَنْ مُشْكِلةِ التَلَوَّث، واتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية لأجلِ الحد مِنْ الإساءةِ لعناصرِها.  
بعد أنْ دَقَتْ نواقيس الخطر فِي جميعِ أرجاء المَعْمُورَة عبر مختلف القنوات حول خطر حرق الوَقُودِ الأُحفُوريّ فِي عمليةِ توليد  الكَهْرَباء، أصبح الميل إلى الاسْتِثْمارِ العالَمي فِي ميدانِ الطَّاقَةُ المُتَجَدِّدة الشغل الشاغل للكثيرِ مِنْ بلدان العالَم، الساعية فِي ظلِ ما يشهده العالَم مِنْ أَزْمَاتٍ ومُشْكِلات بيْئَية واقْتِصَادِيَّةٌ متفاقمة إلى توسيعِ نطاق الاسْتِثْمارات الخاصَّة بأنْشِطَةِ الطَّاقَةُ النَظيفة المتحصلة من مصادرٍ طبيعية غير تقليدية، لأجلِ ضمان اِستِدامة مواردها، وزيادة تدفقات رؤوس الأموال الخاصَّة، والمساهمة بجهدِ معالجة انْبِعاثات غَازات الدَفيئَة وخفض تَلَوَّث الهَواء المحلي، بالإضافةِ إلى تعددِ مصادر إنتاج الطَّاقَةِ الكَهْرَبائيَّة، والَّتِي مِنْ بينِها الطَّاقَةِ الشَمْسِيَّة، طَّاقَة الرَيَّاح، طَّاقَة الكُتْلة الحَيَويَّة، طَّاقَة المَساقِط المائيَّة، طَّاقَة حَرارة باطن الأَرْض، طَّاقَة حَرَكة الأَمْوَاج وموضوع بحثنا طَّاقَة المَدّ والجَزَر.
يشار إلى (المَدّ والجَزَر – tide)، بوصفِهما ظاهرة طبيعية تتعرض لهما مياه المُحِيطات و الْبِحَار بتأثيرٍ مِنْ القَمَر، فالمدّ هو الارتفاع الوقتي التدريجي في منسوبِ مياه سطح المُحِيط أو البَحْر، فيما يعني الجزر الانخفاض الوقتي التدريجي في منسوبِ مياه السطح. مع العرضِ أنَّ هناك عاملان مسبّبان لحدوثِها، هما قوة جذب القمر وَالشمس للأرض، فضلاً عَنْ قوةِ الطرد المركزية للأرض.
تعرف طَّاقَة المَدّ والجَزَر (Tidal) أو مثلما يشار إليها أحياناً باسمِ الطَّاقَة القَمَريّة (Lunar Energy)، بوصفِها أحدى أنواع الطَّاقَةُ المُتَجَدِّدة المتحصلة مِنْ حركةِ المَدّ والجَزَر المتمثلة باِرْتِفَاعِ مَاء الْبِحَار وَالْمُحِيطَات، وَانْحِسَارها بفعلِ جاذبيةِ القَمَر والشَمْس، ودَوَران الأَرض حول محورها. 
إلى جانبِ الأَهمِّيَّة البالغة لحَرَكةِ المَدّ والجَزَر فِي تطهيرِ الْبِحَار والْمُحِيطَات مِنْ الشوائب، وإزالة الرواسب مِنْ مصباتِ الأنهار والموانئ، فضلاً عَنْ تسهيلِ عملية النقل البحري ما بين الموانئ القريبة ومساعدة السفن عَلَى دخولِ الموانئ الَّتِي تقع في المناطقِ الضَّحْلة، شهدت السنوات الماضية سباقاً لاستغلالِ طَّاقَة الْبِحَار والْمُحِيطَات، والَّتِي تُعَدُّ إحدى أكبر مصادر الطَّاقَة النَظيفة غير المطروقة فِي العالَم. إذ برزت محاولات بعض الدولِ الساحلية عَلَى إقامةِ مشروعات إنْمَائية تقوم آلياتها عَلَى توليدِ الكَهْرَباء بالاستفادةِ مِنْ الطَّاقَةِ الحَرَكية المخزنة في تياراتِ ظاهِرَة المَدّ والجَزَر، والَّتِي كانت مقتصرة عَلَى استثمارِ اندفاع المَاء بحَرَكةِ المَدّ  فِي عمليةِ ري المزروعات، بالإضافةِ إلى توظيفِ قوة دفع المياه النَاجِمة عَن ظاهِرَةِ المَدّ والجَزَر فِي تشغيلِ الطواحِين المائيَّة التي يستغلها المزارعون فِي طحنِ محاصيلهم الزَرَّاعَية. وضمن هذا المعنى يمكن القول إنَّ استثمارَ طَّاقَة المَدّ والجَزَر فِي مهمةِ إِنْتَاج الكَهْرَباء، أفضت إلى تقليلِ الضغط عَلَى محطاتِ الطَّاقَة الحَرَارية الَّتِي تعمل بالفحمِ أو النّفط، وبالتالي تخفيف التَلَوَّث الَذي يصدر عَنْ حرقِ وقودها.   
 يمكن توليد الطَّاقَةِ الكَهْرَبائيَّة بوساطةِ حَرَكةِ المَدّ والجَزَر بطريقتين أساسيتين، أولهما طريقة بناء السدود أو الطريقة الشاطئية، والَّتِي تقوم عَلَى بناءِ سدودٍ لأجلِ التحكم فِي التياراتِ المائيَّة الناجمة عَنْ حَرَكةِ المَدّ والجَزَر، وتوجيهها بآليةٍ تضمن مرورها فِي فتحاتِ المراجل أو المراوح بقصدِ تدويرها والحصول عَلَى الطَّاقَة، حيث يجري نصب هذه المراوحِ فِي فتحاتٍ تحت سطح المَاء مِنْ أجلِ تدويرها بفعلِ التيارات المائيَّة، تمهيداً لمضاعفةِ عَزْم الدَوَران عبر ناقل الحَرَكةِ بقصدِ الاستفادة مِنْ هذا العَزْمِ فِي تحريكِ المولد الكَهْرَبائي الَذي يقوم بتوليدِ الطَّاقَةِ الكَهْرَبائيَّة بفعلِ الحقل المغناطيسي. ولعلَّ مِنْ المناسبِ الإشارة هنا إلى أنَّ أولى المحطات التوليدية العاملة بهذه التقانةِ، وأكبرها حينئذٍ جرى إقامتها عام 1961 م بمنطقةِ بريتاني في شمال غربي فرنسا عند مصب نهر رانس ( Rance )، لأجلِ استثمار ارتفاع المياه الناجمة عَنْ حَرَكةِ المَدّ فِي هذه المنطقة، والَذي يتراوح ما بين ( 12 – 16 ) متر فِي إنتاجِ طَّاقَة كَهْرَبائيَّة تقدر بنحوِ ( 240 ) ميغاواط. إذ تضمن هذا المشروع الَذي بَدَأَ إنتاجه الفعلي فِي عامِ 1966م إنشاء سد بطولٍ إجمالي قدره ( 750 ) متر بقصدِ تشكيلِ بحيرة بمساحةِ ( 22 ) كم مربع، بوسعِها حجز ما مجموعه ( 184 ) مليون متر مكعب مِنْ المَاء. وقد جرى إقامة ( 24 ) فتحة فِي هذا السدِ تحت سطح المياه لغرضِ ثبيت المراوح المشابهة للمرواحِ المستخدمة فِي توليدِ الطَّاقَة الكَهْرَبائيَّة مِنْ الرِياح، والَّتِي يتصل كل منها بمرجلٍ يولد قدرة كَهْرَبائيَّة قدرها ( 10 ) ميغاواط.
ومما هو جدير بالإشارةِ أنَّ هذه المحطةِ الَّتِي تصل قدرتها التوليدية السنوية إلى ما يقرب مِنْ ( 600 ) مليون كيلو واط / ساعة، حظيتْ بإتاحةِ إمكانية استخدامِ مراوحِها الطَّاقَة الفائضة مِنْ المحطاتِ الأخرى فِي أوقاتِ  الطلب الخفيف عَلَى إمداداتِ الكَهْرَباء، لأجلِ إعادة ملئ الأحواض بالماء، بالإضافةِ إلى إعادةِ استخدام الماء لتوليدِ الكَهْرَباء فِي أوقاتِ الذروة.    الأنموذج الآخر المعتمد فِي اسْتِثْمارِ طَّاقَة المَدّ بمهمةِ إنتاجِ الكَهْرَباء هو أسلوب الأبراج، والَذي تتلخص آليته بتثبيتِ مروحة أو مروحتان عَلَى برجٍ متين مع مراعاةِ كون المراوح تحت سطح المَاء لأجلِ تمكينِها مِنْ الحَرَكةِ بفعلِ الطَّاقَةِ الحَرَكية المخزنة فِي تياراتِ ظاهِرَة المَدّ سعياً فِي توظيفِ هذه الطَّاقَةِ بوساطةِ المولد بعمليةِ توليد الكَهْرَباء. ولإمكانِ تثبيت المراجل أو المرواح  فِي إحدى نماذج هذه الطريقةِ بعرضِ البحر بعيداً عَنْ اليابسةِ يشار إليها أحياناً باسمِ الطريقة البعيدة عَنْ الشاطئ.    
الْمُلْفِت أَنَّ استغلالَ الأبراج للتياراتِ المائيَّة بهذه الطريقة، يجعلها أكثر ملائمةً للاستخدامِ لضمانِ إجراءاتها التقيد بالمحدداتِ البيْئَية الرامية إلى المحافظةِ عَلَى بيْئَة الحَياة، إذ لا تشكل الأبراج عائقاً بحرياً مثلما هو حاصل فِي حالةِ بناء السدود، الأمر الَذي جعل هذه التِقانة تحظى بتصنيفِ ( صديق للبيْئَة )، بوصفِها طَّاقَةِ نَظيفة خالية مِنْ الغازاتِ أو المُخَلَّفات السَّامَّة، فضلاً عَنْ محافظةِ آليتها عَلَى الحَياةِ البَحْرية بعد أنْ تزايدتْ الأبحاث حَوْلَ أَهمِّيَّة السعي لتقليلِ احتمالات تعرض الحَيَوانات البَحْرية، ولاسيَّما الطُيُور والأَسماك إلى المخاطرِ المتمثلة بانخفاضِ الضغط أو الاصطدام بالمراوحِ جراء مرورها بالقربِ مِنْ هذه الوحداتِ التوليدية. وضمن هذا السياقِ تجدر الإشارة إلى نجاحِ الفرنسيين بتخفيضِ نسبة الضرر عَلَى الحَياة البَحْرية إلى ( 5 % ) بعد أنْ كانتْ نسبة الخطورة تقدر بنحوِ ( 15% ).     
 عَلَى الرغمِ مِنْ اعتراضِ بعض جماعات المحافظة عَلَى البيئةِ حَوْلَ المشروعات الخاصة باستغلالِ طَّاقَة المَدّ لإنتاجِ الكَهْرَباء بدعوى تدمير الحياة والنشاطات البحرية فِي المنطقة، تفكر بريطانيا حالياً بتغطيةِ ما نسبته (5 % ) مِنْ إجمالي احتياجاتها للطاقةِ عبر إنشاء أكبر محطة لتوليدِ القُدْرة الكَهْرَبائيَّة في العالمِ بطَّاقَةٍ تصميمية تصل إلى نحوِ ( 8500 ) ميغاواط باستخدامِ حاجز مائي يصل طوله إلى ( 16 ) كيلو متراً، مثبت عليه ( 216 ) مروحة لاستثمارِ علو مستوى المياه بحَرَكةِ المَدّ إلى نحوِ ( 15 ) متراً فِي أطولِ أنهار المملكة المتحدة المتمثل بنهرِ سيفرن، مستغلةً تفرد هذا النهر بخاصيةِ المَدِّ العالي الَذي لا يجاريه فيها عالمياً سوى مناطق معدودة بمقدمتِها خليج فندي فِي كندا عَلَى الساحلِ الشرقي لأميركا الشمالية، والَذي عُد مِنْ عجائبِ الدنيا السبعة الجديدة بمسابقةِ الطبيعة فِي تموز مِنْ عامِ 2009 م.    
إلى جانبِ ما ذكر أنفاً مِنْ إشارةٍ إلى بعضِ المحطات المَدّية، أَرَى مِنْ المناسبِ التنويه إلى بعضِ المشروعات الأخرى، والَّتِي مِنْ بينِها مَحَطَّةٍ بقُدْرةِ ( 20 ) ميغاواط أقامتها كندا لأغراضِ البحث العلمي عَلَى ساحلِها الشرقي في عامِ 1984 م عند منطقة نوفا سكوتيا المطلة عَلَى المحيطِ الأطلسي، فضلاً عَنْ مَحَطَّةٍ أخرى شيدتها الصين في عامِ 1986 م بقُدْرةِ ( 10 ) ميغاواط  في شمالِ غربي البلاد. وافتتحت في عامِ 2011 م بكوريا الجنوبية أكبر مَحَطَّةٍ لتوليدِ قُدْرة كَهْرَبائيَّة بوساطةِ حَرَكة المَدّ والجَزَر تصل إلى ( 260 ) ميغاواط باستخدامِ عشر مولدات كَهْرَبائيَّة يولد كل منها طاقة كهربائية قدرها ( 26 ) ميغاواط، منهيةً بذلك تسيد محطة رانس الفرنسية لميزتِها الأساسية بوصفِها الأكبر في العالمِ طوال ( 45 ) عاماً.  إنَّ اهتمامَ بعض الدول مثل الصين والأرجنتين والبرازيل باسْتِثْمارِ حَرَكة المَدّ والجَزَر وتوظيفها فِي مَوْضُوعِ تغطية قسماً مِنْ احتياجاتها المُسْتَقْبَليَّة للطَّاقَةِ الكَهْرَبائيَّة، يلزم القيادات الإداريّة فِي دَوَّلِ مَنْطِقة الخَلِيج البحث بإمكانيةِ الاستفادة مِنْ هذه الظاهِرةِ لتوليدِ القُدْرة الكَهْرَبائيَّة؛ بالنظرِ لكون الطَّاقَة المنتجة بهذه الوسيلة تُعَد طَّاقَةً غير نَاضِبَة، ولا تؤثر عَلَى بيْئَةِ الحَياة سلباً، فضلاً عَنْ مساهمتِها بتخفيفِ العبء عَلَى النّفط، والَذي يمكن استخدامه لتَنْميةِ الدَّوْلة وتطوير الخِدْمات. إذ عَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ ظاهِرةَ المَدّ والجَزَر فِي سواحلِ الخَلِيجِ تُعَد معقدة نوعاً ما بسببِ طبيعة الخَلِيجِ شبه المغلقة، فإنَّ الدِّراساتَ العِلْميَّة تشير إلى أنَّ ظاهِرةَ المَدّ والجَزَر تكثر في السَّواحِلِ الشَّمَالِيَّةِ مِنْ الخَلِيجِ بدَّوْلةِ الكُوَيْت، حيث يصل ارتفاع مياه المَدّ الَذي يحدث فيها مرتين باليومِ إلى نحوِ ( 11 ) متراً، ما يعني وقوعه ضمن شروط استخدام هذه التَقانةِ الَّتِي تقضي بأنْ لا يقل ارْتِفاع مياه المَدّ عَنْ خمسةِ أمتار.