دمج «ياهو» و«أميركا أون لاين» لتحدي «جوجل» و«فيسبوك»

      ليزلي هوك 
قبل تأسيس «ياهو» في عام 1994، الإنترنت لم تكُن شيئا أكثر من «مشروع أبحاث حكومي»، كما قالت ماريسا ماير، أمس الأول. لكن على مدى العقدين التاليين، تأثير ياهو «الإنساني» ساعد على تحويلها إلى مجموعة من المنتجات التي لا يستطيع كثير من الناس العيش من دونها: شبكة الإنترنت، ومحركات البحث، والبريد الإلكتروني، وعلى ما يبدو اختيار غير محدود من المحتوى. وأضافت الرئيسة التنفيذية أن ياهو، بكل بساطة، «غيرت وجه العالم إلى الأفضل».
مع ذلك، كانت تعليقاتها أيضاً بمثابة تأكيد إلى أي مدى تراجعت ياهو في الأعوام الأخيرة. الشركة التي وصلت قيمتها إلى 125 مليار دولار في ذروتها عام 2000، أصبحت واحدة من الضحايا الرئيسيين لهيمنة جوجل على البحث والإعلانات الرقمية. بعد أربعة أعوام أمضتها في محاولة إحياء الشركة الرائدة، تحدثت ماير إلى المساهمين بعد أن وافقت شركة الاتصالات الأمريكية «فيرايزون» على دفع 4.8 مليار دولار مقابل الأعمال التشغيلية في ياهو.
جنباً إلى جنب مع «ماي سبيس» MySpace و»أميركا أون لاين» AOL، تُشكّل ياهو ثلاثي شركات كانت يوما ما أكبر الأسماء في عالم الإنترنت، لكن طغت عليها وتيرة التغيير الرقمي العنيفة.
في عام 2008، حاولت مايكروسوفت شراء ياهو مقابل 44 مليار دولار، مراهنة على أن الجمع بين اثنين من اللاعبين الرقميين المتعثرين يُمكن أن يوقف صعود جوجل السريع. لكن جيري يانج، المؤسس المشارك لياهو ورئيسها التنفيذي في ذلك الحين، رفض العرض، خوفاً من أن تؤدي دعاوى قضائية ضد مايكروسوفت إلى تُدمير «الفخر الأرجواني» لشركته.
فيرايزون الآن تختار الشركة مقابل عُشر السعر تقريباً – لكن حجتها إلى حد كبير مثل حجة مايكروسوف قبل ثمانية أعوام. فهي تعتزم دمج ياهو مع أمريكا أون لاين، التي اشترتها مقابل 4.4 مليار دولار العام الماضي، لبناء «الرقم ثلاثة» ذي الصدقية في الإعلانات الرقمية بعد جوجل وفيسبوك – مُعتقدةً أن اثنتين من شركات الإنترنت الرائدة، المتلاشية، يُمكن أن تنجحا معاً فيما فشلتا فيه بشكل فردي.
المُطّلعون على استراتيجية فيرايزون يقولون إن التنفيذيين في الشركة يعتقدون أن المسوّقين في حاجة ماسة إلى بديل لجوجل وفيسبوك، اللتين تتشاركان وفقاً لمجموعة الأبحاث «إي ماركيتر»، أكثر من 50 في المائة من سوق الإعلانات الرقمية في الولايات المتحدة.
ماري ميكر، من كلاينر باركنز كوفيلد آند بايرز، صندوق رأس المال المغامر في الولايات المتحدة، تحسب أن 85 سنتا من كل دولار جديد تم إنفاقه على الإعلانات الرقمية في الولايات المتحدة في الربع الأول من 2016 ذهب إلى هاتين الشركتين.
ولأن المعلنين يصبحون أكثر قلقا بشأن الاحتكار الثنائي الرقمي، فإن صفقة فيرايزون لشراء ياهو كانت موضع ترحيب من قِبل السير مارتن سوريل، الرئيس التنفيذي لشركة WPP، أكبر مجموعة إعلانات في العالم، الذي قال: «إن لديها القدرة لتكون القوة الثالثة بعد جوجل وفيسبوك».
بعض المستثمرين في ياهو، مثل المجموعة الناشطة «ستاربورد»، كانوا يضغطون من أجل عملية دمج بين ياهو وأمريكا أون لاين منذ أعوام، بحجة أن الشركتين سيكون لهما من الحجم ما يجعلهما مصدر تهديد حقيقي. أمريكا أون لاين وياهو معاً ستُسيطران على 6 في المائة تقريباً من سوق الإعلانات الرقمية في الولايات المتحدة، على افتراض أن الصفقة ستنتهي العام المُقبل كما هو مُخطط – ويعتقد التنفيذيون في فيرايزون أن بإمكانهم زيادة تلك النسبة أكثر من خلال إنشاء منصة إعلانات مميزة. مثل هذه المنصة يُمكن أن تستهدف المستخدمين ليس فقط على أساس العمر أو الجنس، بل أيضاً على أساس موقعهم – شيء تعتبر شركة الاتصالات الخليوية مؤهلة بشكل فريد لتنفيذه. ويعتقد التنفيذيون في فيرايزون أن إضافة جمهور ياهو العالمي البالغ أكثر من مليار إلى مشتركي الهاتف الخليوي البالغ عددهم 100 مليون في فيرايزون من شأنه منح الأعمال ثقلا كافيا للمنافسة ضد جوجل وفيسبوك.
أمير روزوادوسكي، المحلل في باركليز، يقول: «في حين أن صفقة أميركا أون لاين جلبت عددا من تكنولوجيات الإعلان، إلا أننا نعتقد أن فيرايزون تتطلّع إلى الحجم المحتمل من قاعدة مستخدمي ياهو لتسريع أعمالها».
لم تعط فيرايزون كثيرا من التفاصيل عن أداء أميركا أون لاين منذ إنهاء عملية الاستحواذ في حزيران (يونيو) الماضي. لكن في نيسان (أبريل)، قالت مجموعة الاتصالات إن أعمال الإنترنت سجلت إيرادات في الربع الأول بلغت 669 مليون دولار – الأعلى منذ خمسة أعوام.
أحد الأشخاص الذين يُقدّمون المشورة لفيرايزون في الصفقة وصف سعر الشراء المشترك لأمريكا أون لاين وياهو بأنه «مبلغ لا يذكر» بالنسبة لشركة لديها قيمة سوقية تبلغ 230 مليار دولار، وتدفقا نقديا حرا بلغ أربعة مليارات دولار في الربع الأول.
بالنسبة لشركة فيرايزون، الخطر الأكبر سيكون البقاء ساكنة في الوقت الذي ترتفع فيه سوق الهاتف الخليوي في الولايات المتحدة والشركات المنافسة الأصغر، مثل T-Mobile US، تكسب الزبائن من خلال العروض الترويجية ـ في الربع الأول خسرت فيرايزون ثمانية آلاف من مستخدمي الهاتف الخليوي الأكثر ربحاً.
وللتحوّط ضد سوق الاتصالات المُشبعة، كانت فيرايزون تستثمر بشكل كبير في الشركات الرقمية وفي ما يسمى «إنترنت الأشياء».
ويعتقد بعض المحللين أن فيرايزون سوف تشتري مزيدا من الأصول بعد إبرام صفقة ياهو في الربع الأول من العام المُقبل. وقال مايكل رولينز، المحلل في «سيتي جروب»: «نحن نتوقع أنها ستستمر في ملاحقة الفرص العضوية وفرص الاستحواذ لتسريع حجم منصتها».
وقالت ماير إنها فخورة بفترة ولايتها في ياهو، كونها «أخذت أصول الإنترنت من عصر سطح المكتب وجعلتها جاهزة للجوال» – على الرغم من أنها ترددت عندما سُئلت ما إذا كانت ستنتقل إلى فيرايزون العام المُقبل.
لقد حوّل المساهمون في ياهو انتباههم الآن إلى ما سيحدث للأصول غير الأساسية، التي تُعتبر ذات قيمة أكبر بكثير من الأعمال التشغيلية نفسها. حصة ياهو في «علي بابا»، مجموعة التجارة الإلكترونية الصينية، و»ياهو اليابان»، تساويان بحسب مصرف جيفيريز الاستثماري، نحو 40 مليار دولار، في حين أن محفظة من براءات الاختراع يُمكن أن تساوي مليار دولار.
وقال إيريك جاكسون من «سبرينجاول»، إحدى الشركات المُساهمة في ياهو: «هذا السعر الذي دفعته فيرايزون هو في النهاية المنخفضة من التوقعات. كنّا نفضل رؤية رقم أعلى من ذلك بكثير».
«مع ذلك، هذا هو حجر الدومينو الأول الذي يجب أن يسقط لرؤية تسييل الحصص المتبقية في علي بابا وياهو اليابان. هذا هو المكان الذي من المحتمل أن القيمة الأكبر يُمكن أن تنفتح فيه أمام المساهمين – نحن نتوقع أن يُركّز المجلس بشدة على ذلك».

الحـرب علـى الإرهـاب: دروس من عملية «نيس»

هوارد لافرانتشي
في غضون ساعات من الهجوم الإرهابي الذي وقع في مدينة «نيس» أثناء الاحتفال بالعيد الوطني لفرنسا، تعهد الرئيس فرانسوا أولاند بتعزيز الدور الذي تلعبه بلاده في الحرب على تنظيم «داعش» في العراق وسوريا.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، أدلى وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي كان قد حضر وقائع الاحتفال بالعيد الوطني مع المسؤولين الفرنسيين في باريس، بتصريح وصف فيه سوريا- موطن تنظيم «داعش» في الوقت الراهن- بأنها «حاضنة» الهجمات المروعة، التي وقعت في الآونة الأخيرة، ومنها الهجوم الذي وقع في مدينة «نيس». ووعد كيري في تصريحه بمضاعفة الجهد المبذول، لإلحاق الهزيمة بداعش، وإنهاء الحرب المستعرة الأوار في سوريا، والتي نتج عنها تداعيات وخيمة على تلك الدولة وعلى المنطقة، بل وعلى العالم أيضاً. 
ولكن، مع قيام «داعش» بنصح اتباعه في مختلف إنحاء العالم، بالبقاء حيث هم، وإلحاق الدمار والخراب بـ«الكفار» الذين يعيشون بينهم- بدلاً من السفر لسوريا والعراق لشن الارهاب – فإن السؤال الذي يخطر على البال حتماً هو: هل مازالت سوريا، كما يعتقد كثيرون، هي المفتاح لإنهاء جاذبية «داعش» العالمية، الآخذة في التزايد؟.. وهل سيؤدي سحق التنظيم في سوريا ودحره في الموصل، إلى إنهاء الهجمات التي تزايدت بشكل كبير، في أوروبا خلال الشهور الأخيرة، بل وضربت أماكن أخرى بعيدة عنها مثل أورلاندو، وسان بيرناندينو، والسعودية، وبنجلاديش.
شرط الهزيمة
ويقول الخبراء المتخصصون في شأن التطرف، إن هزيمة «داعش» في سوريا والعراق، شرط في غاية الأهمية، لإنهاء الجاذبية التي يتمتع بها التنظيم على الساحة العالمية، غير أنه يجب الأخذ في الاعتبار مع ذلك، أن داعش هو أيضا نوع من الخلافة الافتراضية، أي القائمة في الفضاء الإلكتروني، على شبكة الإنترنت، بقدر ما هي خلافة تتجسد في العالم المادي الواقعي أيضاً، مثل تلك التي تتقوض في الوقت الراهن بسبب الضغط، الذي يُمارس عليها من قبل عدة دول تقودها الولايات المتحدة في سوريا والعراق.
من خلال هذا المنظور، يمكن القول إن الأمر المرجح، هو أن يواصل التنظيم، وأنساقه المتطورة المكونة من مجلات تنشر على شبكة الإنترنت، وتغريدات على موقع تويتر، إلهام مرتكبي الفظائع الجماعية، مثل المذبحة المروعة التي وقعت في نيس، وأن يستمر ذلك الإلهام لبعض الوقت حتى بعد تدمير قيادة التنظيم المادية.
يقول «فواز جرجس» الخبير في حركات التطرف الإسلامي في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ومؤلف الكتاب المعنون«: داعش: تناول تاريخي» إن: «تدمير داعش، الخلافة، والأيديولوجية سوف يطلق عملية القضاء على التنظيم، ولكنها ستكون مجرد بداية نهايته». ويضيف جرجس: «لقد تمكن داعش من تعزيز سيطرته على الوصول، وتوسيع نطاق إلهامه للآلاف من الأفراد، من خلال أنشطته الخارجية وقدرته على مد نطاق عمله وتأثيره… ولكن الهجمات التي تتم تحت اسمه لن تتوقف، حتى بعد تعرضه للهزيمة».
هجمات جديدة
فضلاً عن ذلك، يحذر د.جرجس من أن فترة الاثني عشر شهراً المقبلة، قد تشهد المزيد من الهجمات المدمرة، مثل الهجوم الذي وقع في مدينة نيس، وذلك عندما تقوم «الذئاب المنفردة» التي ألهمها داعش بالاستجابة، للنداءات المتواصلة على شبكة الإنترنت من جانب التنظيم، والذين يدعوهم فيها لضرب أعداء الخلافة، في الأماكن التي يعيشون فيها.سيحتاج داعش بطبيعة الحال لتأمين موقع مادي، يستطيع منه توجيه الهجمات وإلهام الآخرين. يعني هذا أن جهود مواجهة داعش، يجب أن تكون متعددة الأوجه، وتشتمل على القوة الصرفة، والجهود الأقصر مدى من الناحية الزمنية، مثل الحملات المناوئة للرسائل الإلكترونية، كما يقول خبراء آخرون.
من بين هؤلاء «ماتيو ليفيت»، مدير «برنامج شتاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات» التابع لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يقول: «ترتبط الكثير من العمليات الإرهابية التي نراها أمامنا بخيوط ناظمة، وبعضها يرتبط بسوريا والعراق، وبوجود مادي لتخطيط بعض تلك الهجمات، أو لتوزيع ونشر رسائل ما».
ويضيف ليفيت: «ولكننا نرى أيضا أن الهجمات الملهمة من قبل داعش ترتبط على نحو فضفاض بذلك (الموقع المادي)، وهو ما سيتطلب مضاعفة الجهود الموجهة لمناوئة الراديكالية، ويعني أننا بحاجة للتعامل مع كل تلك الجوانب في وقت واحد».
«داعش» يخسر
في الرسائل الأخيرة، التي بثها «داعش» عبر منصاته العديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، بدا التنظيم وكأنه يستجيب لحقيقة خسارته لمساحات واسعة من الأراضي، وللصعوبات المتزايدة التي سيواجهها مقاتلوه المحتملون في الوصول لسوريا والعراق، في حالة حدوث ذلك. يقول المسؤولون الاستخباراتيون الغربيون، إن التنظيم قد بدأ بالفعل في إرسال بعض عناصره خارج سوريا، وتحديداً إلى الدول المجاورة مثل لبنان، والأردن، وليبيا، في محاولة منه ربما، لتأسيس قواعد جديدة أو تعزيز قواعد قائمة لشن العمليات منها.
ويقول «جرجس»: إن ما هو أكثر تدميراً للتنظيم من فقدان قاعدته في الرقة، سوريا، سيكون هو سقوط الموصل المدينة الاستراتيجية التي تقع في العراق، الذي شهد مولد التنظيم في الأساس.ولكن فقدان المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، لن يحدث قبل فترة تتراوح ما بين 8 إلى 12 شهراً، كما يتنبأ جرجس. وخلال تلك الفترة، سيقوم التنظيم، كما يتوقع ببذل قصارى جهده لتوجيه الضربات لمن يطلق عليهم «الصليبيون» الذين يهاجمون دولته المزعومة.
مواجهة إلكترونية
تقول جوليان سميث، الزميلة الرفيعة المستوى في «مركز الأمن الأميركي الجديد«CNAS»، التي تتمتع بخبرة واسعة في المجال الأمني ومجال السياسة الخارجية، مستمدة من عملها في البنتاجون والبيت الأبيض: «الجزء المتعلق بالفضاء الإلكتروني سينطوي على صعوبة خاصة، خصوصاً أن الدول الغربية ليست مجهزة جيداً للتعامل مع هذه الجزء». وتضيف سميث: «لا بد من الاعتراف بأننا لم ننجح في تقديم سردية مضادة ناجعة، وأننا نجد صعوبة بالغة في التعامل مع الجانب الخاص باستخدام التنظيم للفضاء الافتراضي».
و«جرجس» يرى أصداء لهجوم «أورلاندو» الذي وقع الشهر الماضي بوساطة نجل مهاجرين أفغان مولود في الولايات المتحدة، في الهجوم الذي وقع في مدينة نيس يوم الثلاثاء الماضي. 
وهو يحذر مع خبراء آخرين من أننا لم نتوصل بعد لمعرفة الدوافع، التي دفعت منفذ هجوم نيس لقيادة شاحنة كبيرة والاندفاع بها وسط المحتفلين بالعيد الوطني الفرنسي، ما أسفر عن مقتل 84 شخصاً على الأقل وجرح مئات آخرين من بينهم عدد كبير من الأطفال.
وسائل من «الإنترنت»
ويقول «جرجس»: إن الوسيلة المستخدمة في هذا الهجوم- استخدام شاحنة كأداة صدم- كانت من ضمن الوسائل التي ظهرت لسنوات، ضمن وسائل الهجوم المقترحة على شبكة الإنترنت، بوساطة تنظيم «داعش». يبدو الرجلان اللذان نفذا هجومي أورلاندو ونيس، كما لو كانا شخصين يعانيان من اضطراب نفسي، وصراع مع موضوع الهوية، والأزمات الشخصية. فـ(عمر متين)، الشاب الذي نفذ هجوم أورلاندو، حرص على إعلان ولائه لـ«داعش» حتى أثناء تنفيذ الهجوم على نادٍ للمثليين، يقال إنه كان يتردد عليه من آن لآخر. أما الشاب الآخر الذي نفذ هجوم نيس، فيقال إنه كان يشعر بالغضب بسبب طلاقه مؤخراً، ولكن لم يكن يعُرف عنه أنه متدين بشكل خاص، بل وقيل إنه كان ينخرط في تصرفات تتعارض مع القانون الأخلاقي الصارم الذي يعتنقه «داعش».
يقول جرجس: «كيف يمكنك التوصل لفهم عقلية شاب فرنسي من أصول تونسية، يقود شاحنة من أجل كسب عيشه، ويحيا في هدوء في شقة في أحد أحياء نيس؟..في اعتقادي أن هزيمة داعش سوف تطلق عملية وضع نهاية للإرهابيين المحليين، ولظاهرة الذئاب المنفردة، ولكنها لن تتمكن من إنهاء الإلهام الذي يقدمه التنظيم بشكل فوري».
علاج صعب
والسيدة سميث من مركز CNAS التي سبقت الإشارة إليها تقول: إن تطوير سردية فعالة مضادة لسردية «داعش» سيكون مسألة صعبة، وأن ذلك يرجع جزئياً إلى حقيقة أن الرسالة الجهادية يمكن الوصول إليها بسهولة، في حين أن معارضة تلك الرسالة ستنطوي على معالجة مظالم عميقة مثل العنصرية والتمييز، وهي مظالم لا تجد المجتمعات نفسها في مزاج مناسب لمعالجتها في الوقت الراهن. ويقول «ليفيت» من «معهد واشنطن»: إن الزيارة التي قام بها لفرنسا في الآونة الأخيرة، أظهرت له بجلاء أن الفرنسيين الذين يتعاملون مع الآلاف من المقاتلين العائدين من جبهات القتال في سوريا والعراق، بالإضافة إلى هؤلاء البعيدين تماماً عن شاشات الرادار، مثل الشخص الذي نفذ هجوم نيس، يقومون في الوقت الراهن ببعض الخطوات الحيوية في الداخل، بالإضافة إلى قيامهم بنقل القتال إلى معاقل داعش.وقال أيضاً: «إنهم يركزون بشكل خاص على كيفية التعامل مع التطرف الذي يتم على شبكة الإنترنت، ويحاولون السيطرة على مشكلة تهريب السلاح المنتشرة في مختلف أنحاء دول أوروبا».ويضيف «لديهم الكثير من الأشياء المستمرة منذ زمن، ولكن شأنهم في ذلك شأن الآخرين، يسابقون الزمن، من أجل تدارك ما فاتهم».

سـيـاسـيـون مـن نـوع جـديـد

          سايمون كوبر
 
الطبقة السياسية يُمكن أن تستعيد الثقة – ويجب أن تفعل، وإلا سيكون هناك مزيد من الانتصارات الشعبوية بعد خروج بريطانيا. لكن كي تفعل ذلك، يجب أن تبدأ بإنتاج نوع جديد من السياسيين. هذا السياسي الجديد يكون مزيجا يجمع بين صفات جو كوكس، عضوة البرلمان من حزب العمال البريطاني التي قُتلت قبل استفتاء الشهر الماضي على خروج بريطانيا، وصفات دونالد ترامب. السياسي الجديد لن يكون لديه مجرد رسالة. سيجسّد رسالته التي ستعمل على نحو أفضل. بالتالي سيشبه بشكل مثالي أي شخص عادي من خارج النخبة الحضرية. عدم قدرة هيلاري كلينتون على هذا يجعلها مرشحة رئاسية ضعيفة. كوكس، في المقابل، جسّدت بريطانيا السائدة. باعتبارها ابنة عامل مصنع وسكرتيرة مدرسة، ولدت في باتلي، الدائرة الانتخابية في شمال إنجلترا التي انتهى بها الأمر بتمثيلها. هذا ليس مجرد مسألة صورة. السياسيون من خلفيات عادية يغلب عليهم أن يكون لديهم شعور بكيف يعيش ويُفكّر الناس العاديون. السياسي الجديد سيكون قد عمل خارج مجال السياسة. كوكس جاءت من الأعمال الخيرية وترامب من العقارات. ومثل هذين الاثنين اللذين دخلا السياسة عام 2015، فإن السياسي الجديد سيكون غير ملوّث بالهزيمة التوأم الحديثة: حرب العراق والأزمة المالية العالمية. السياسي الجديد لن يكون في جيب أي أحد. هيلاري كلينتون ينبغي أن تكون آخر زعيم لحزب كبير أخذ مبالغ كبيرة مقابل التحدّث في مناسبات المصارف. السياسي الجديد سيتجنّب ذلك، ليس لأسباب أخلاقية (لا تعتبر أبدا أساسا موثوقا للتغيير) لكن لأنه يريد أن يتم انتخابه. السياسي الجديد يفهم، كما يفعل ترامب، أن الأسلوب تغيّر بشكل جذري في الأعوام العشرين الماضية. رسائل البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، ووسائل الإعلام الاجتماعية، جعلت الخطاب أكثر عفوية وذا طابع ذاتي. السياسيون الذين يُلقون الخطابات المُحررة بعناية والخالية من الأخطاء سيظهرون بأنهم زائفون. باراك أوباما انتقل بنجاح إلى الأسلوب العفوي: لنُفكّر في مقابلته في الملف السمعي الرقمي في مرآب مارك مارون، أو في أدائه في برنامج “كوميديانز إن كار جيتنج كوفي” لجيري ساينفيلد. ترامب يفعل هذا بتغريداته التي تُعتبر عفوية إلى درجة المبالغة. السياسي الجديد سيعبّر عن التفاؤل، وهو شيء لم تستطع فعله حملة البقاء في استفتاء خروج بريطانيا. السياسي الجديد سيكون وطنيا (على عكس زعيم حزب العمال البريطاني، جيرمي كوربين، الذي لا يُحب أداء النشيد الوطني) لكن أيضاً ذا توجُّه دولي (لأن هذا هو العالم الذي نعيش فيه). وطنيته لن تكون أشياء أيديولوجية قديمة الطراز ترتكز على العِرق. بدلاً من ذلك، سيبني “طبقة نحن الجديدة” التي تتضمن الرجال البيض كبار السن من الطبقة المتوسطة، ومحبي موسيقى الجاز الحضريين، والنساء المسلمات المُحجّبات. وسيكون فخورا بكونه سياسيا، ولن يترشح على أساس نظام من الاشمئزاز ضد واشنطن أو وستمنستر. قبل كل شيء، التظاهر بأنك دخيل لا يُمكن أن ينجح إلا في المرة الأولى، ومن ثم لن ينجح إلا بالنسبة لك شخصياً. إذا كنت تمثّل حزبا قائما، عندها فإن تنظيم حملة ضد السياسة هو أمر مؤذ للذات. السياسي الجديد سيستمع أكثر مما يتحدّث. وينفريد كريتشسمان – من حزب الخُضر الذي تم انتخابه رئيسا لوزراء ولاية بادن فورتمبيرج المُحافظة في ألمانيا – يدعو هذا “سياسة أن يتم سماعك”. لكنه يُضيف: “أن يتم سماعك ليس كأن يتم إطاعتك”. السياسي الجديد سيستوعب حجج الآخرين لكن بعد ذلك يقرر بنفسه. السياسي الجديد ليس بحاجة إلى قضاء الكثير من الوقت في الاستماع إلى المستفيدين من التغيير، لأن معظمهم في صف الطبقة الحاكمة بأية حال. بدلاً من ذلك سيستمع أكثر إلى الذين خسروا بسبب التغيير. هل تذكرون نيلسون مانديلا، الذي خلال فترة انتقال جنوب إفريقيا من نظام الفصل العنصري كان يستمع إلى ما لا نهاية إلى البيض. في الوقت الحاضر، الخاسرون من التغيير معظمهم من الفقراء.
 للتركيز عليهم، السياسي الجديد سيتخلص من الهوس السياسي القديم بالناتج المحلي الإجمالي، لأنه في عصر عدم المساواة، الناتج المحلي الإجمالي يشوّه مشاعر الناخبين.السياسي  الجديد سيتولّى المنصب مع مبادئ، لكن ليس الكثير منها. حتى السياسيين الأكثر نجاحاً بإمكانهم تحقيق بضعة أهداف فقط أثناء تولي السلطة. 

ثقة المستهلك المتراجعة تؤلـم شركات الوجبات السريعة

 ليندسي ويب
هوارد شولتز، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لسلسلة مقاهي ستاربكس، لم يستطع أن يمنع نفسه من القول هذا الأسبوع إن الاضطرابات السياسية والاجتماعية هي الملومة جزئيا عن عدم بلوغ شركته الأرباح المستهدفة في الربع الثالث. بحسب شولتز، كان هناك «ضعف جوهري في ثقة المستهلكين» في الربع الثالث، أدى إلى انخفاض نمو المبيعات في السوق الأمريكية إلى 4 في المائة، مقارنة بنسبة نمو بلغت 8 في المائة في السنة الماضية. وقال إن المخاوف التي تحيط بالانتخابات الرئاسية والاضطرابات الاجتماعية والتوترات العنصرية والقلق المتزايد من الإرهاب هي من الأسباب التي رفعت من مستوى القلق في السوق الأمريكية.وأضاف: « يجب ألا يسيء أحد قراءة التحديات التي نواجهها نحن وكثير من الشركات الأخرى واعتبار ذلك شيئا تم حدوثه سابقا. إن ما نواجهه الآن أمر غير اعتيادي أبدا، وهو مبعث قلق وإزعاج». 
وتابع شولتز الذي كان يعمل على توسيع العروض الغذائية التي تقدمها ستاربكس، إن توقيت العودة لإطلاق برنامج الولاء أسهم في تفويت الأرباح التي تحققها الشركة. لكن هناك شركات أخرى في القطاع ألقت باللوم في انخفاض نمو المبيعات أيضا على ضعف مزاج المستهلكين.
وكشفت شركة «دونكين براندز»، التي تملك «باسكين روبينز» إلى جانب سلسلة الدونات، يوم الخميس عن أداء أضعف من المتوقع وقالت إن المستهلكين دخلوا في حالة من التراجع، خلال الربع الثالث.
وفي وقت سابق هذا الشهر قالت شركة «يوم براندز» Yum Brands المالكة لمطاعم كنتاكي KFC و»بيتزا هت» و»تاكو بيل» إن فروعها في الولايات المتحدة في حال من «الاعتلال» وإن مبيعاتها خلال الربع كانت ضعيفة.وقال جريج كريد، المدير التنفيذي لشركة Yum، أن مسحا أجرته «جين فوروورد» في شهر حزيران (يونيو) للفئة العمرية 18-30 عاما، أظهر أن ثلاثة أرباع المنتمين لهذه الفئة قالوا إنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة تمر بحالة تراجع، وهي نتيجة وصفها بأنها تمثل خبرا «سيئا يعكس ما يعتقده الناس في هذا الخصوص».وانعكست هذه الآراء والميول على شكل أرقام ظهرت في مؤشر أداء المطاعم الذي تنشره شهريا رابطة المطاعم الوطنية، الذي يقيس الاتجاهات الحالية والتوقعات في الأشهر الستة التالية. فقد انخفض المؤشر في أيار (مايو) بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 100.6 ـ يشير الرقم الذي يزيد على 100 إلى توسع ولكن بخطوات ضعيفة، وهو الاتجاه نفسه الذي كان واضحا في عدد من الأشهر الماضية.
وقالت رابطة المطاعم الوطنية إن الانخفاض نتج عن تراجع صاف، هو الأول في خمسة أشهر، في مبيعات المحال المشابهة مقارنة بمبيعات الفترة نفسها العام الماضي، مضيفة أن التوقعات بشأن ظروف الأعمال المستقبلية وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات ونصف.ولاحظ بريت ليفي، المحلل في دويتشه بانك، أن الانخفاض في نمو الوظائف كان يلقي بثقله في ما يبدو على مبيعات المطاعم، مشيرا إلى أن 80 في المائة من نمو إيرادات المطاعم يرتبط بنمو الوظائف.
لكن البيانات الأوسع عن ثقة المستهلكين ليست جميعها كئيبة. مثلا، بينت أرقام صادرة عن المؤسسة البحثية «كونفيرانس بورد» أن تحسنا طفيفا ظهر في حزيران (يونيو)، مقارنة بأيار (مايو) هذه السنة. وأظهر مؤشر مشاعر المستهلكين لشهر حزيران (يونيو) الصادر عن جامعة ميتشجان أن المشاركين الأغنياء في الاستبانة كانوا يشعرون بالقلق إزاء خسائر استثمارات حقوق الملكية في أعقاب تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أن مؤلف التقرير توقع حدوث انتعاش في تموز (يوليو) وآب (أغسطس). وهذا يشير إلى أن ثمة أشياء خاصة بالشركات وأخرى خاصة بالصناعة بشكل عام باتت على المحك الآن. وقال ليفي في تقرير إن الهبوط الأخير في المبيعات كان «نتيجة اقتران تباطؤ الحركة في فصل الربيع، مع الأحوال الجوية المتباينة، والإيقاع الترويجي الكثيف المستمر (…) الذي لم ينج منه سوى عدد قليل من الشركات». عمليات الترويج المذكورة تشتمل على عرض انتهى أخيرا بإعطاء وجبتين مقابل خمسة دولارات في ماكدونالدز، وهو عرض يقول موقع الشركة إنه سيعود، في حين أن شركة مطاعم الهمبيرجر «وينديز»، تقدم عرضا يشمل أربعة ساندويتشات مقابل أربعة دولارات، وتعرض «بيتزا هت» وجبة قيمة مقابل خمسة دولارات. وفي الوقت الذي تنتقل فيه ستاربكس بصورة متزايدة إلى الطعام، فإنها تجعل نفسها عرضة لتحديات من هذا القبيل، في حين أن الشعبية المتواصلة للمقاهي المستقلة تدفع بالشركة إلى توسيع أماكن بيع القهوة الراقية التابعة لها.ولا يقتصر التنافس على الشركات التي تقدم وجبات في الخارج. فمحال السوبر ماركت، من «وول مارت» إلى «كروجر»، إلى جانب شركة هول فودز، كانت تعمل على توسيع محال المأكولات السريعة والساندويتشات وتعرض داخل متاجرها بيتزا طازجة من الفرن ووجبات أخرى للزبائن لكي يتم تناولها داخل المتجر أو تؤخذ إلى البيت. على المدى القريب ربما يكون الأكل في هذه المحال هو السبب في ما يقدر محللون في «كي بانك كابيتال ماركتس» أنه تراجع بنسبة 3 ـ 5 في المائة في حركة المستهلكين في مطاعم الوجبات السريعة في الأسابيع الأخيرة.

الوضع في ليبيا: تدخل أجنبي وحكومة هشة و«داعش» يتمدد

          خالد بن الشريف
 
التدخل العسكري الغربي المباشر بليبيا، والذي حسم المعركة مع نظام القذافي لصالح الثوار، ولم يزل هناك اليوم حديث عن تحركات أجنبية ذات طابع عسكري في ليبيا، تستهدف تنظيم «داعش» هناك.
في هذا الصدد، قال قائد سلاح الجو في القوات الليبية الموالية للبرلمان المعترف به في شرق البلاد، «شرق الجروشي»، إن «مجموعات من العسكريين الفرنسيين والأمريكيين والبريطانيين تعمل في ليبيا، على مراقبة تحركات تنظيم داعش».
وذكر أن هناك حوالي عشرين جنديًا في قاعدة «بنينا» ببنغازي، تقضي مهمتهم مراقبة تحركات «داعش» وكيفية تخزينه للذخائر، نافيًا أن تكون هناك قوات أجنبية تقاتل نيابة عن القوات الليبية.
وكان الرئيس الفرنسي، «فرانسوا أولاند»، قد أعلن مقتل ثلاثة جنود فرنسيين في حادث تحطم مروحية في الشرق الليبي خلال مهمة استطلاع، فيما قالت مصادر ليبية إن المروحية أسقطتها نيران «ميليشيا إسلامية».
وعقب مقتل العسكريين الثلاثة، شنت فرنسا غارات جوية، استهدفت مواقع لتنظيم «داعش» وأسفرت عن مقتل 16 مسلحا على الأقل، وفق ما نقلته وكالة «أسوشيتد بريس»، ويعد هذا أول إعلان لفرنسا عن تواجدها العسكري في ليبيا.
من جهة أخرى، اتهمت حكومة الوفاق الوطني الليبية، في بيان نشرته على «فيس بوك»، فرنسا بـ«انتهاك أراضيها»، بعد إعلان باريس مقتل ثلاثة جنود فرنسيين بليبيا، كما خرجت مظاهرات بمدن ليبية تندد بالتدخل العسكري الفرنسي، وقالت الحكومة الليبية، المؤيدة من قبل مجلس الأمن «إننا نرحب بأي مساعدة أو مساندة تقدم لنا من الدول الشقيقة والصديقة في الحرب على تنظيم داعش، ما دام ذلك في إطار التنسيق معانا».
واعتبر الدبلوماسي الفرنسي السابق، «باتريك حاييم زاده»، حسب ما ذكرت الوكالة الفرنسية للأنباء، مقاربة فرنسا في التعامل مع الوضع في ليبيا متسمة بـ«التناقض والانفصامية»، بسبب تأييد حكومة الوفاق الوطني، وفي نفس الوقت دعم قوات «حفتر»، مضيفًا «في ليبيا كلما زادت التدخلات والدعم للفاعلين المحليين، كلما تعقدت الأمور أكثر وابتعدنا عن الحل». وكانت تقارير إعلامية متواترة، خلال الشهور الأخيرة، تفيد بتواجد قوات خاصة أمريكية وبريطانية وروسية وفرنسية، تعمل في ليبيا على تتبع تحركات «داعش»، وراج أن بعضها يقدم خدمات استشارية وعسكرية لحفتر.
هذا وتثير ليبيا قلقًا غربيًا من أن تصبح معقلًا للجماعات الجهادية، ومنطلقًا لآلاف المهاجرين المتوجهين إلى أوروبا.
على الصعيد السياسي، انتقلت حكومة الوفاق الوطني الليبية، المدعومة من قبل الأمم المتحــــدة، إلى العــــاصمة طرابلس لمباشرة عملها هناك، وسط أجواء أمنية غير مستتبة.
وكانت الأطراف الليبية، قد توصلت بعد مفاوضات ماراثونية شاقة برعاية أممية إلى تشكيل حكومة وفاق وطني في 15 فبراير (شباط) من العام الجاري، مكونة من 13 حقيبة وزارية وخمس وزراء دولة. ولم يصادق مجلس النواب الليبي بعد على حكومة الوفاق الوطني، إلا أن المجلس الرئاسي أصدر تفويضا للوزراء بممارسة مهامهم الممنوحة.
ولا يبدو أن حكومة الوفاق تتمتع بقدرة على السيطرة على الدولة الليبية وإدارة شؤونها بفعالية، كما يظهر في خروج الكثير من الميليشيات والمجموعات المسلحة عن سلطتها، بالإضافة إلى أنها لا تحظى بقبول كامل الأطراف السياسية المتواجدة بليبيا، ناهيك عن أنها لا تسيطر، سوى على مناطق محدودة في التراب الليبي.
ومن ثمة تبقى الحكومة الليبية مهددة بالتشظي في أي وقت، حسب العديد من المراقبين، بالنظر إلى الانشقاقات السياسية الحادة بين القوى الليبية، وعدم قدرتها على الاستفراد بالسلاح، وتزايد حضور الجماعات الجهادية.
وقد بدأت القوات الموالية للحكومة الليبية منذ شهرين، عملية سمتها «البنيان المرصوص» من أجل تحرير مدينة سرت من سيطرة «داعش»، إلا أنه لا يبدو أن العملية نجحت حتى الآن، في ظل فعاليتها المحدودة وحظر الأسلحة المفروض على ليبيا من قبل مجلس الأمن.
وترى الدول الكبرى أن دعم حكومة الوفاق الوطني هي أفضل وسيلة لتوحيد الأطراف السيـــــاسية والعسكرية الليبية في مواجهة نفوذ «داعش» في البلد، وكذا لتحقيق شيئًا من الاستقرار في ليبيا الغنية بالنفط.

أردوغـان وتـوريـث الـحـكـم بتـركـيـا

      ميشيل الحاج
الذيول الإيجابية
هناك أكثر من نقطة إيجابية حققها الانقلاب العسكري التركي الموصوف بفيلم هزلي درامي، جمع الكوميديا والتراجيديا معا في فصوله القصيرة في مرحلة التنفيذ، لكنها نقاط واسعة الامتداد والآثار في ذيولها. 
والنقطة الإيجابية الأولى التي شرع المراقبون يلاحظونها، هي انشغال الرئيس اردوغان أثناء تعاطيه مع الانقلاب وذيوله، عن المسألة السورية، ما مكن جيش سوريا الديمقراطي، بالتعاون مع التحالف الأميركي، من إحكام السيطرة على معظم مدينة منبج الكردية الحدودية، بما فيها موقع القيادة العسكرية للدولة الإسلامية داعش، والمعروف أن السيطرة على منبج، تشكل نقطة انطلاق جوهرية تمهد لتبلور الإقليم الكردي في شمال سوريا الذي طالما عارض أردوغان تشكيله. وكانت تلك هي النتيجة الإيجابية الأولى التي تصب في مصلحة الأكراد، لكنها لا تتلاءم مع الرغبات الأردوغانية.
والنقطة الإيجابية الثانية هي عدم إعاقة تقدم القوات السورية بمؤازرة غطاء جوي روسي، لمحاصرة وإحكام سيطرتها على مداخل منطقة حلب الشرقية التي تسيطر عليها جبهة النصرة وكتائب أخرى كأحرار الشام وغيرها من التنظيمات المسلحة والمعارضة المتحالفة مع النصرة ضمن جيش الفتح.
فالعادة قد جرت في حالة هجمات سورية كهذه، أن يقدم أردوغان الدعم للقوات المعارضة المتواجدة في حلب، عن طريق السماح بعبور مزيد من قوات المعارضة للحدود التركية لتعزيز موقف اقرأنهم، ومرات بقصف المواقع الحكومية عن بعد ومن داخل الأراضي التركية، متذرعين بأن الدولة الإسلامية هي التي تنفذ عمليات القصف تلك، أما الآن، وقد انشغل الرئيس التركي بالتعامل مع المسألة الانقلابية، فقد تم إحكام الحصار على حلب، المدينة الأكبر في سوريا بعد دمشق، والتي طالما تطلع أردوغان الى ضمها للأراضي التركية، أسوة بقيام تركيا سابقا بضم إقليم الاسكندرون الى أراضيها، علما أن الانتداب الفرنسي قد انتدب تركيا لإدارة الإقليم لمدة زمنية محدودة، لكن تم لاحقا نسيان أمرها.
وهاتان الإيجابيتان، أشار اليهما بكلمات عابرة الدكتور فواز جرجس، المحاضر في الجامعات البريطانية، أثناء حوار أجري معه على قناة بي بي سي. وقد أشار اليهما باعتبارهما نتيجة تبدل ايجابي في السياسة التركية. ولم يوضح انه قد قصد أيضا نتيجة للحركة الانقلابية. 
وفي كل حال، تلك هي الايجابيات الوحيدة التي تسبب الانقلاب العسكري بتحققها، نتيجة ما بدا أنه انشغال أردوغاني بالتعامل مع المسألة الانقلابية، باعتبارها أولوية لا تعلو عليها أولوية أخرى.
والجدير بالذكر، أن البعض قد لاحظ فعلا أن حكومة أردوغان، ومنذ تولي بن علي يلدرم رئاستها، شرعت بتقليص الخلافات مع عدة دول ومنها اسرائيل وروسيا، مع نظرة أقل تشددا نحو المسألة السورية وكذلك المصرية، وهو السلوك التركي الذي بدأ يتبلور للعيان قبل أسبوع أو أكثر قليلا من وقوع الانقلاب العسكري. فهذا على الأقل، ما بدأت التصريحات التركية تشير اليه في الأيام القليلة السابقة على الانقلاب. ومن هنا يبدأ التساؤل ان كانت الانجازات على الجبهة السورية، كانت ثمرة تبدل في الموقف التركي، أم نتيجة انشغال حكومة أردوغان بالتعامل مع الانقلاب العسكري كما سبق وذكرت.
وقد يكون من المحتمل وجود تبدل صغير ولكن نوعي، في الموقف الأردوغاني من المسألة السورية. اذ أن الرئيس أردوغان كما يبدو، قد شعر أخيرا بالأخطار التي باتت تهدد نظامه، نتيجة انشغاله عنه، بتصعيد الخصومة مع العديد من الدول ومنها روسيا وسوريا. 
ويبدو أن معالم الاعداد لانقلاب عسكري ضده، طالما كان يخشاه في قرارة نفسه، كانت قد خطت بضع خطوات في طريق الاعداد للتنفيذ. 
واكتشف أردوغان معالمها قبل الشروع بتنفيذها، لكنه غض النظر عنها، ويرجح أنه قد أوعز لبعض مناصريه في القوات المسلحة، (كما ذكرت في مقال سابق استنادا الى اجتهادات وليس معلومات)، للانضواء تحت لوائها. 
فهذا التواجد الأردوغاني داخل حلقات المتآمرين، هو ما ساعده على احباط الانقلاب، وليس بالضرورة نزول الجماهير الى الشارع، كعامل فاصل شكل نقطة التحول التي أدت الى احباط الانقلاب. 
الذيول السلبية للانقلاب
المعلوم أن تركيا العثمانية، والتي يتطلع أردوغان الى العودة بتركيا الى عصرها، مبتعدا عن العلمانية الأتاتوركية، عرفت بنصب المشانق لمعارضيها وخصوصا لأولئك المعارضين في الوطن العربي. وبسبب المشانق العديدة التي علقت في ساحة المرجة الدمشقية، ثم في ساحة الشهداء في بيروت، سميت الأخيرة بذاك الاسم. وها هو الآن أردوغان أمامنا، يتطلع بشوق، كما توحي المؤشرات، الى حلم عثماني آخر يراوده بعد تشديد قبضته على البلاد، وهو حلم لا بالعودة الى العثمانية فحسب، بل أيضا الى زمن المشانق الذي يرفضه العالم المتحضر. وقد لا يدرك أردوغان في الوقت الحاضر عواقب خطوة كهذه، كما لم يدرك من قبل الا متأخرا، عواقب معاداته للعديد من الدول، بل لمعظم دول العالم، كأميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي والأكراد وبعض الدول العربية، كلهم في آن واحد. ولكنه سيدرك لاحقا مثالبها، إذا ما مضى قدما في خطواته الساعية للاستئثار بالحكم، والابتعاد عن أبسط مفاهيم الدمقراطية، مستخدما كل أساليب القمع الممكنة. ذلك أن معاداته عندئذ، لن تقتصر على اثارة عداء الدول الكبرى، والاتحاد الأوروبي، ودول الجوار العربي، اذ ستمتد أيضا الى الداخل التركي الذي يواجه أيضا نزاعا دمويا مع الأكراد. وقد يواجهه الشعب في نهاية المطاف بانقلاب، بل بثورة لن يكون قادرا على اختراقها أو مجابهتها. 
فالشعب التركي قد اعتاد في السنوت الأخيرة، على نسبة ولو محدودة من الدمقراطية، ولن يتقبل بتجريده منها بشكل كامل، كما يتوق أردوغان، متطلعا لأن يكون الحاكم بأمره طوال ما تبقى له من حياة، وربما حياة أبنائه من بعده. فقضية توريث الحكم قد لا تكون مستبعدة في الذهن الأردوغاني، كما كانت متأصلة في مصر في عهد الرئيس مبارك، وفي ليبيا في زمن العقيد القذافي. وها قد جاء الانقلاب الفاشل، ليساعده على تشديد قبضته على البلاد، وتحقيق حلمه بتعديل دستوري ينقل البلاد الى نظام رئاسي بل وغير علماني، يمكنه من البقاء في سدة الرئاسة فترة طويلة جدا من الزمن. فتلك هي العلة التي لا شفاء منها، والتي باتت متأصلة في حكام هذه المنطقة من العالم. 

تركيا بين انقلاب فاشل ومستقبل غامض!!

      السيد العادلي
 رغم زحمة الأحداث العالمية وانتشار الإرهاب في العديد من العواصم والمدن الكبرى حول العالم وآخرها ما حدث أمس في المركز التجاري في مدينة ميونخ الألمانية، إلا أن الحادث الأكبر الذي يشغل بال المحللين والخبراء السياسيين في العالم كله، الانقلاب الفاشل الذي قام به مجموعة من الضباط الأتراك ضد حكم أردوغان في تركيا.
نتفق أو نختلف حول سيناريوهات الانقلاب سواء كان مدبرا من جانب أردوغان وحزبه كي يتمكن من تفصيل دستور جديد يخدم في النهاية حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا كي يتحكم في سير العملية السياسية ومستقبل البلاد سياسيا خلال العقود القادمة، أو أن هؤلاء الضباط كانوا يحلمون فعلا بثورة تصحيح ضد الفاشية الأردوغانية كما وصفوها.
هنا سؤال يطرح نفسه على الأحداث ويتساءل العالم الآن عن مستقبل تركيا بعد الانقلاب الفاشل الذي حدث يوم الجمعة الموافق 15 يوليو، خاصة أن هناك مخاوف حقيقية من محاولات أردوغان لتعزيز سيطرة حزب العدالة والتنمية على السلطة والتضييق على المعارضة المحلية أكثر، وضرب كل من تسول له نفسه الانقلاب أو النيل من هيبة الدولة التي تغيرت ملامحها خلال الأسبوع الذي تلا الانقلاب.
وكأن هذا الانقلاب أصبح عبارة عن نافذة ضوء قوية ومباركة لأردوغان لسحق دائرة الكيان الموازي الذي يتربص به منذ سنوات، ويتهم زعيمها فتح الله جولن بأنه وراء الانقلاب الفاشل، وهو الأمر الذي جعل أردوغان يطلب من أمريكا عدة مرات تسليم جولن للنظام التركي بتهمة محاولة الانقلاب علي الحكم في تركيا.
وقام بالفعل أردوغان وأنصاره في المؤسسات الحيوية التي زرعها بعمليات اعتقالات واسعة وصلت إلى 60 ألف عسكري وقاضي ومعلم ولواءات شرطة وقادة أحزاب وهو رقم خيالي يجعل المتابعين لهذا الانقلاب يعتقدون أن هذا الانقلاب عبارة عن تمثيلية أردوغانية للنيل من معارضيه بالدولة التركية ونشوب حرب علانية بين الحكومة التركية من جهة، وفلول الانقلاب وطالت يد الاعتقالات كل أنواع وأشكال الخونة سواء من دعم الانقلاب بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصًا بعد تأكيدات من الحكومة التركية أن لديها أسماء دقيقة لكثير من الأشخاص الذين يدعمون فكرة الانقلاب على الحكومة قبل القيام به، وأن هناك أكثر من 200 مليون دولار رصدتها دول بالمنطقة للإنفاق علي هذا الانقلاب بحد زعم بعض المسئولين الأتراك وعلى رأسهم الرئيس أردوغان.
وينظر الاتحاد الأوربي بقلق بالغ للتطورات السريعة التي تمر بها الدولة التركية بعد الانقلاب الفاشل، وأصبح هناك قلق متزايد بعد مطالبة أردوغان نفسه بعودة أحكام الإعدام بعد أن تم إلغاؤها في عام 2004 للوفاء بالمعايير اللازمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولم تعدم أحدًا منذ 1984 وعبرت ألمانيا عن قلقها بعد إعادة حكم الإعدام إلى القانون التركي، وأن هذا الأمر سينهي تماما على فرصة دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
كما تحدثت أمريكا وحلفائها عن مشاهد وصفتها بالـ “مقززة” من التعسف والانتقام بعد فشل الانقلاب في تركيا، وقد وردت تصريحات من الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة تفيد بأنه على تركيا احترام الديمقراطية والحريات وأن العدسة الأوروبية أصبحت مسلطة الآن أكثر من أي وقت مضي على ما يحدث في تركيا وأن القوى الغربية تتابع بقلق بالغ التطورات التي تحدث لحليفتها وعضو حلف شمال الأطلسي التي أصبحت تعيش في منطقة تعاني من الحروب والإرهاب والهجرة، وتملك ثاني أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أيضا حليف أساسي للولايات المتحدة ضد داعش بعد أن وافقت في الأشهر الأخيرة على فتح قاعدة إنجرليك الجوية أمام طيران التحالف الدولي الذي ينفذ طلعات جوية في سوريا والعراق ضد داعش، وأصبحت الأراضي التركية عبارة عن مطار كبير تهبط فيه وتقلع منه طائرات حلف شمال الأطلسي في الوقت الذي تشاء وتفعل ما تريد في أي وقت.
لكنهم وأقصد “القوى الغربية يعلمون جيدا أن أردوغان قبل الانقلاب ليس هو أردوغان بعد الانقلاب، وأن العملية الانقلابية الفاشلة أظهرت بعض التصدعات والتشققات في أجهزة معينة في الدولة، وقد أظهرت هشاشة نسبية كادت تسيطر على الدولة والحكم، وكاد حلم أردوغان يتبخر في لحظات، لكن القدر والحرب الجوية التي دارت في سماء تركيا والطيران الأمريكي الموجود في قاعدة “إنجرليك الجوية” وسقوط عدد كبير من الطيران التركي وصل إلى 25 طائرة أجهضت مخطط الانقلاب إلى حد كبير.
لكن هناك تأكيدات على أن أردوغان سيستخدم كل الطرق والأساليب المشروعة وغير المشروعة لإخضاع خصومه السياسيين محليًا وإقليمًا ودوليًا في تنفيذ وتطبيق العديد من الملفات الحساسة التي يخطط لها، ضامنًا بين يديه إرادة الشارع والأحزاب إلى رفضت الانقلاب، وأيدت الحكومة المنتخبة ديمقراطيا والتي حمت الشرعية وسعت للتخلص من الانقلابيين بنزولهم إلى الشوارع تلبية لطلب الرئيس، وأن هذا الرئيس سيستغل تحويل النظام السياسي في البلاد إلى نظام رئاسي بشكل مطلق دون أدنى معارضة، ومن يختلف معه سيكون الاعتقال وقد يكون الإعدام وسيكون أردوغان قد جمع بين يديه كل أوراق اللعبة السياسية في البلاد، ويسعى للقيام باستفتاء والتصويت لصالح تعديل دستور البلاد وتغيير النظام السياسي، حيث يهدف أردوغان لتبني فكرة النظام الرئاسي الشبيه بالنظام الموجود في الولايات المتحدة بما يعزز سلطاته كرئيس، وفي هذه الحالة يكون قد نجح في قتل ملك الشطرنج الذي كان ينظر له أنه الوحيد القادر على منافسته في المستقبل، وأقصد هنا “جولن ورفاقه” الذين يمثلون صداعا مزمنا في رأس السلطة التركية والحلم الأردوغاني.
وقبل القيام بخطوات تمكين النظام الرئاسي، لابد أن يقوم أردوغان بعدة خطوات مهمة وهي: 
-إعادة هيكلة الجيش وتسكين أنصاره على رأس الأسلحة الحساسة مثل الدفاع الجوي والبري وإخضاع الجيش وسلطاته وقياداته لإعادة هيكلة تضمن ولاء القادة العسكريين للحكومة واستراتيجيتها وبتر أي محاولة انقلاب أخرى في المستقبل، ومن المتوقع أن يتم فصل تام لجهاز الاستخبارات العسكرية عن سلطة الجيش لأن الجهاز أثبت فشله أو تواطؤ القائمين عليه مع الانقلابيين والكيان الموازي، وأن تتبع الأجهزة الأمنية للرئيس مباشرة بحيث تستقي أوامرها النهائية من الرئيس وتشكيل جهاز للأمن القومي يضم فيه جهازا للاستخبارات العسكرية والشرطة، وأن يعيد تشكيل جهاز المخابرات الحربية بالكامل، خاصة أن هناك تأكيدات تقول أن جهاز المخابرات كان يعلم بموعد حدوث الانقلاب قبله بخمس ساعات ورفض إبلاغ أردوغان.
-التواصل مع الأحزاب المعارضة الرئيسية في البلاد بعد الانقلاب وشكرهم على موقفهم المشرف الداعي لاحترام القانون والشرعية وحماية الديمقراطية في البلاد، وهو الأمر الذي يجعله يتقرب أكثر من المعارضة خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا تم اعتماد النظام الرئاسي لأنه يعلم أن حجم المعارضة سيزيد بشكل كبير، وبالتالي عليه الاعتماد على قادة المعارضة الموالين له لتنفيذ مخططه الرئاسي.
-تغيير خريطة التحالفات التركية الإقليمية والدولية وفتح صفحات جديدة مع الدول التي كان قد تسبب في زيادة الشقوق السياسية مع بلاده مثل روسيا والتخلي عن المملكة العربية السعودية التي كادت تورطه في سوريا والعراق ليترك المملكة تواجه عواصف كبيرة خلال المرحلة المقبلة قد تنتهي بتفكيكها إلى عدة دويلات وانتهاء حكم آل سعود.
في النهاية يجب أن يعلم أردوغان ورفاقه أن اللعبة لم تنته بعد، وأنه رغم انتصاره الساحق ووأد الانقلاب في ساعتين تقريبا، إلا أنه مازال يشعر بأن هناك انقلابا قادما وأنه من الممكن حدوث محاولة انقلابات جديدة قادمة لكنها لن تكون سهلة لأن التاريخ أثبت أن الانقلاب الفاشل يعقبه انقلاب ناجح، وأن محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذتها مجموعة من الجيش التركي على أردوغان، لا تعني أن الأمور استتبت وأن الأخير أحكم سيطرته على الجيش، خاصة بعد الإهانات النفسية التي قام بها أنصاره خلال الأسبوع الفائت، وأن الجيش لن يسمح بأن يتحول إلى أداة يحركها أردوغان كيفما يشاء، وأن أردوغان سيخطئ خطأ كبيرا عندما يتصور أن الانقلابات أمر لحظي يمكن السيطرة عليه وإخمادها وينتهي مفعولها سريعا، كما أن الجيش لن ولم ينس أن هناك سبعة آلاف من قادته وجنوده أصبحوا رهن الاعتقال وقتل الكثير منهم على أيد أنصاره بعد دعوته لهم للنزول للشارع لحمايته من العسكر كما وصفهم .

الطريق العالمي إلى الفوضى

فيليب ستيفنز
تم تأكيد دونالد ترامب باعتباره المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية. ورجب طيب أردوغان، الرئيس التركي، يشد المسمار السلطوي بعد انقلاب عسكري فاشل. والعشرات ماتوا في هجوم إرهابي مُروّع آخر في فرنسا. ويُمكن أن نضيف إلى هذه القائمة الضربة الموجّهة للتماسك الغربي بسبب تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، وتحدّي الصين لحُكم المحكمة الدولية فيما يتعلّق بمطالبها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي. في الظاهر، هذه الأحداث غير مترابطة. ترامب ربما لم يسمع أبداً بالخط الفاصل الخاص بالصين (ذي النقاط التسع) في بحر الصين الجنوبي. وبوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني، أظهر اهتماماً بعدم إدخال المهاجرين الأتراك أكثر من اهتمامه بشأن سلامة الديمقراطية في الدولة. المذبحة في نيس ربما تعود للحالة الذهنية المضطربة لمرتكب الجريمة بقدر ما تعود إلى التبشير للجماعة التي تُطلق على نفسها «داعش». الجنون، والسوء، سيمرّان.
لكن إذا أخذنا نظرة أعمق، فستظهر بعض الأنماط غير المريحة: صعود النزعة القومية، وسياسات الهوية، والاستياء من المؤسسات، والإحباط من النظام الدولي القائم على القواعد. فقدت الحكومات السيطرة، وثقة المواطنين. العداء للسياسات المحلية ينتشر إلى الساحة العالمية. هذا ليس عالم الفيلسوف هوبز تماماً، لكن اتجاه السفر واضح. الشعبوية اليسارية واليمينية في أوروبا تتغذى على الصعوبات الاقتصادية التي أعقبت الانهيار المالي عام 2008 وعلى المخاوف بشأن تدفق المهاجرين الفارّين من الحرب وفشل الدول في الشرق الأوسط وإفريقيا. فرنسا لديها حزب الجبهة الوطنية الذي يخاف من الإسلام، وإيطاليا لديها حزب حركة «خمس نجوم»، وإسبانيا لديها حزب بوديموس، وفي الآونة الأخيرة ألمانيا أصبح لديها حزب «البديل لألمانيا». التفكك قلَب لعبة الأدوار في الحرب بين أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط. لكن ترشيح ترامب وتصويت خروج بريطانيا هما حدثان من نوع مختلف. مهما كانت النتيجة من انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر)، فقد استولى ترامب على الحزب الجمهوري، وتقول استطلاعات الرأي إنه يحظى بدعم خُمسي الأمريكيين مقابل برنامج انتخابي تضرب جذوره عميقا في كراهية الأجانب، والانعزالية، والشعبوية الاقتصادية، ومعاداة النخبوية. بريطانيا دائماً ما كان فيها المناهضون لأوروبا، لكن تصويت خروج بريطانيا يُشير إلى خيبة أمل أوسع بكثير. ويتم انتقاد بروكسل باعتبارها مؤلف العولمة والهجرة والتهميش الاقتصادي. يقول المرشح الجمهوري إنه يود «تسديد لكمة» لخصومه. سيطرد ملايين المهاجرين المكسيكيين ويمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة. الانعزالية القوية ستجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. نشطاء حملة خروج بريطانيا المُتشدّدون وعدوا ببناء جدارهم في القناة الإنجليزية. أما بالنسبة لترامب، فإن الأجانب هم التهديد. جيزيلا ستيوارت، عضوة حزب العمال وناشطة حملة خروج بريطانيا، عبّرت عن شعورها بالمرارة عندما زعمت، بشكل خاطئ، أنه إذا صوّتت بريطانيا للبقاء، فإن خدمة الصحة الوطنية العزيزة ستُصبح مفتوحة أمام الملايين من المهاجرين الأتراك. العقيدة الشعبوية تزيل الوطنية وتضع محلها النزعة القومية، وتُعزّز ازدراء المؤسسات التقليدية. أي شخص يُطلَق عليه لقب «خبير» يُعتبر من المتعاونين بشكل وثيق مع النخبة. الجميع لديه الحق لإنتاج «الحقائق» الخاصة به. الشركات الكبيرة، والمصارف، والعولمة – أطلق عليها الاسم الذي تريده – هي عدو الطبقات العاملة البيضاء. بضع خطوات أخرى في هذا الطريق ستُعيدنا إلى «المؤامرات اليهودية» في الثلاثينيات. لا يُمكن لوم الناخبين على قلقهم. الكثير منهم لديهم مظالم مشروعة. الرأسمالية الليبرالية تُفضّل الأثرياء. والدخل المتوسط أصبح راكداً. الجبابرة الجُدد للرأسمالية العالمية – أبل، جوجل، أمازون، فيسبوك – يعتبرون الضرائب رسوما طوعية. والمؤسسات السياسية أصبحت متهاونة. لكن وصفات الشعبويين – الانقسام الدائم، والتشاؤم، والتطلّع إلى الداخل – وهمية بشكل واضح. رئاسة ترامب من شأنها جعل الولايات المتحدة فقيرة؛ وخروج بريطانيا سيفعل الشيء نفسه لبريطانيا. الضغوط لم تذهب دون ملاحظة في أماكن أخرى. أردوغان رأى فيما مضى مصير تركيا مرتبطا بأوروبا. الأسبوع الماضي أعلن أن الانقلاب الفاشل «هدية من الله» تصب في الجهود الرامية لتعزيز حكمه. إنه يُفضّل رأسمالية الدولة (والمحاسيب) على اقتصاد السوق. ويتصالح مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتستطيع أوروبا أن تحتفظ لنفسها بالعلمانية والتعددية وسيادة القانون. الرجل الذي قاد شاحنة عبر حشود من الأبرياء الذين يحتفلون بيوم الباستيل في نيس منح ولاءه لشكل مختلف من سياسات الهوية. الدول كانت تنهار في أنحاء الشرق الأوسط كافة وفي المغرب (العربي). ذهبت النزعة القومية العِلمانية وحل محلها التطرّف الديني. لكن الهدف من اعتداءات المتطرفين الإرهابية في الغرب هو إنتاج ردة فعل من القوميين. وهم ينجحون في ذلك. حزب الجبهة الوطنية برئاسة مارين لوبان قد يكون الفائز الكبير من الغضب في نيس. النزعة القومية التي مُحصّلتها صفر ليست السمة الوحيدة للشعبوية الغربية. من خلال رفض حُكم هيئة التحكيم على صحة مطالبها البحرية، قال مسؤولون في بكين إن الرأي العام لن يتسامح مع أي تراجع عن مطالب السيادة. وآخرون قد يعتبرون الرسالة بأن الصين الآن هي قوة عظيمة مرة أخرى بحيث لم تعُد تشعر بأنها مُلزمة بالقواعد المكتوبة قبل صعودها. سمعت أخيرا أحد الدبلوماسيين الغربيين يصف تحدّي الصين بأنه تهديد لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. كانت لديه وجهة نظر. بعد ذلك استمعت لبعض الخطابات في مؤتمر ترشيح ترامب في أوهايو. جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى لا يشمل احترام القانون الدولي. الأول، بالطبع، لا يُبرر الآخر. لكن، معاً، يُقدمان لنا تحذيرا بشأن الطريق الذي نتّجه إليه.

علاجات وهمية لأمراض سياسية حقيقية

          مارتن وولف
 
«لكل مشكلة معقدة هناك جواب واضح، بسيط وخاطئ». كان من الممكن أن يكون هنري لويس منكن يُفكّر في الوضع السياسي اليوم. العالم الغربي بلا شك يواجه مشكلات معقدة، ولا سيما استياء كثير من المواطنين. بالمثل، الطامحون إلى السلطة، مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة ومارين لوبان في فرنسا، يُقدّمون حلولا واضحة وبسيطة وخاطئة، ولا سيما، القومية والعداء للمهاجرين والحمائية.
العلاجات التي يوفّرونها وهمية، لكن الأمراض حقيقية. إذا استمرت النخبة الحاكمة في الفشل في تقديم علاجات مُقنعة، فقد تنجرف قريباً، ومعها الجهود للمزاوجة بين الحكومة الذاتية الديمقراطية والنظام العالمي المفتوح والتعاوني.
ما التفسير لرد الفعل العنيف هذا؟ جزء كبير من الجواب يجب أن يكون اقتصاديا. ارتفاع الازدهار هو أمر جيد في حد ذاته، لكنه يخلق أيضاً احتمال وجود سياسات تكون فيها محصّلة المكاسب والخسائر أكبر صفر. هذا يُعزز الديمقراطية لأنه عندها يُصبح من المُجدي للجميع أن يُصبحوا أفضل حالا في الوقت نفسه. ارتفاع الازدهار يؤدي إلى تصالح الناس مع الفوضى الاقتصادية والاجتماعية، وغيابه يُثير الغضب.
معهد ماكينزي العالمي يُسلط ضوءا قويا على ما يحدث في تقرير بعنوان، ينمّ عن الكثير: «أكثر فقراً من آبائهم؟»، يبين كيف أن كثيرا من الأسر تُعاني ركودا أو انخفاضا في الدخل الحقيقي. في المتوسط، ما يراوح بين 65 و70 في المائة من الأُسر في 25 اقتصادا من البلدان ذات الدخل المرتفع مرت بهذه الظاهرة بين عام 2005 وعام 2014. لكن في الفترة ما بين عامي 1993 و2005 عانى 2 في المائة فقط من الأُسر ركودا، أو انخفاضا حقيقيا في الدخل. وهذا ينطبق على دخل السوق. بسبب إعادة توزيع الموارد من المالية العامة، فالنسبة التي تُعاني ركود الدخل الحقيقي القابل للصرف كانت بين 20 و25 في المائة. معهد ماكينزي درس الرضا الشخصي من خلال استبيان شمل ستة آلاف شخص فرنسي وبريطاني وأمريكي. ووجد مختصون استشاريون أن الرضا يعتمد على ما إذا كان الناس يتقدّمون مقارنة بآخرين مثلهم في الماضي، أكثر مما إذا كانوا يتحسّنون مقارنة بمن هم أفضل حالا منهم اليوم. بالتالي، يفضّل الناس أن يصبحوا أفضل حالا، حتى وإن لم يكونوا يلحقون بركب المعاصرين الذين لا يزالون أفضل حالا. الدخل الراكد يُثير قلق الناس أكثر من ارتفاع عدم المساواة. التفسير الرئيس للركود الطويل في الدخل الحقيقي هو الأزمات المالية والانتعاش اللاحق الضعيف. هذه التجارب أتلفت الثقة الشعبية بكفاءة واستقامة رجال الأعمال والإداريين والنخبة السياسية. لكن هناك تحوّلات أخرى أيضاً كانت سلبية. من بينها الشيخوخة (ذات الأهمية الخاصة في إيطاليا) وتراجع مساهمة الأجور في الدخل الوطني (ذات الأهمية الخاصة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وهولندا).
ركود الدخل الحقيقي على مدى فترة أطول بكثير من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية هو حقيقة سياسية أساسية. لكن لا يُمكن أن يكون هو المحرك الوحيد للاستياء. بالنسبة لكثير ممن هم في منتصف توزيع الدخل، التغييرات الثقافية تبدو أيضاً مُهددة. كذلك الهجرة التي تجسد العولمة. المواطنة هي الأصول الأكثر قيمة المملوكة من قِبل معظم الناس في البلدان الغنية. وسيستاءون من مشاركة هذا مع الغرباء. وتصويت بريطانيا لمغادرة الاتحاد الأوروبي كان تحذيراً بهذا المعنى. إذن، ما الذي ينبغي فعله؟ إذا أصبح ترامب رئيساً للولايات المتحدة، قد يكون بالفعل قد فات الأوان. لكن لنفرض أن هذا لن يحدث، أو، إذا حدث، أن النتيجة لن تكون وخيمة بقدر ما أخشى. عندها ما الذي ينبغي فعله؟ أولا، أن نفهم أننا نعتمد على بعضنا بعضا من أجل ازدهارنا. من الضروري تحقيق التوازن بين تأكيدات السيادة ومتطلبات التعاون العالمي. الحوكمة العالمية، وإن كانت ضرورية، يجب أن تكون موجّهة نحو تحقيق أشياء لا تستطيع البلدان تحقيقها بنفسها. يجب أن تركّز على توفير الفوائد العامة العالمية الأساسية. اليوم هذا يعني أن تغير المناخ هو أولوية أعلى من زيادة انفتاح التجارة العالمية أو تدفقات رأس المال.
ثانياً، إصلاح الرأسمالية. دور التمويل مُفرط. استقرار النظام المالي في حالة تحسّن، لكنه يبقى مليئا بالحوافز السيئة. مثلا، يتم منح مصالح المساهمين أهمية مُفرطة على حساب مصالح أصحاب المصلحة الآخرين في الشركات. ثالثاً، تركيز التعاون الدولي في المكان الذي يُساعد الحكومات على تحقيق أهداف داخلية كبيرة. ربما الأكثر أهمية هو الضرائب. أصحاب الثروات الذين يعتمدون على الأمن الذي أوجدته الديمقراطيات المشروعة، لا ينبغي أن يتهرّبوا من دفع الضرائب. رابعاً، تسريع النمو الاقتصادي وتحسين الفرص. جزء من الجواب هو دعم أقوى لتلبية الطلب الكلي، ولا سيما في منطقة اليورو. لكن من الضروري أيضاً تشجيع الاستثمار والابتكار. قد يكون من المستحيل تحويل الآفاق الاقتصادية. لكن ارتفاع الحد الأدنى للأجور والإعفاءات الضريبية السخية للعاملين هي أدوات فعّالة لزيادة الدخل في الجزء السفلي من التوزيع. خامساً، محاربة الدجّالين. من المستحيل مقاومة الضغط للسيطرة على تدفق العمال غير المهرة إلى الاقتصادات المُتقدّمة. لكن هذا لن يعمل على تحوّل الأجور. بالمثل، الحماية ضد الواردات مُكلفة وستفشل أيضاً في زيادة نسبة التصنيع في العمل إلى حد كبير. صحيح أن النسبة أعلى بكثير في ألمانيا مما هي في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. لكن ألمانيا تدير فائضا تجاريا ضخما وتملك ميزة نسبية قوية في مجال التصنيع. هذه ليست ظروفا قابلة للتعميم.والأهم من ذلك كله، الاعتراف بالتحدّي. الركود الموجود منذ فترة طويلة، والاضطرابات الثقافية وإخفاقات السياسة تجتمع لزعزعة التوازن بين الشرعية الديمقراطية والنظام العالمي. ترشيح ترامب هو نتيجة لذلك. الذين يرفضون الاستجابة الشوفينية يجب أن يأتوا بأفكار مُبتكرة وطموحة تهدف إلى إعادة إنشاء ذلك التوازن. هذا الأمر لن يكون سهلا. لكن يجب ألا يكون الفشل مقبولا أيضاً. إن حضارتنا نفسها على المحك.

«سامسونج» تغيير الاستراتيجية فتنقلب حظوظها

          سونج جونج آه 
 
تماما في الوقت الذي بدأت فيه الهواتف الذكية تبدو كأنها غبية، وفي الوقت الذي تبحث فيه الأجهزة السلعية في صناعة التكنولوجيا للحصول على نجم نمو جديد، توقعت شركة سامسونج للإلكترونيات أفضل نتائجها الربعية منذ أكثر من عامين، متحدية بذلك تباطؤ المبيعات في القطاع.
قدرت «سامسونج» أرباحها التشغيلية للربع المنتهي بشهر حزيران (يونيو) بسبعة مليارات دولار، تعد الأعلى منذ الربع الأول من عام 2014. وهي شركة الهواتف الذكية الوحيدة التي لا تزال تتمتع بهوامش ربح عالية، في حين أن «أبل» و»إل جي للإلكترونيات» والشركات الصينية المنافسة تكافح لمواجهة تباطؤ الطلب.
توجيه الشركة الكورية القوي يشير إلى أن «سامسونج»، أكبر شركة لصناعة الهواتف الذكية في العالم، وجدت طريقة لإحداث انقلاب في حظوظها بعد أن شهدت الأرباح والحصة السوقية تنخفض خلال العامين الماضيين بسبب المنافسة من «أبل» والشركات الصينية. ويقدر محللون أن الأرباح التشغيلية في «سامسونج» من قسم الهاتف الخلوي بلغت أربعة تريليون وون (3.5 مليار دولار) في الربع الثاني، لتمثل أكثر من نصف إجمالي الأرباح التشغيلية في الشركة.
يقول بيتر يو، من «بي إن بي باريبا»: «في بداية هذا العام، لم يتوقع أي أحد هذا النوع من الانعكاس، في الوقت الذي كان يبدو فيه أن أعمال الهاتف الخلوي في «سامسونج» تفقد زخمها تماما مثل شركات صناعة الهواتف التي تعمل بنظام أندرويد. لكن «سامسونج» حققت عودة مثيرة للدهشة».
جهاز جالاكسي S7 الرائد والأحدث من «سامسونج»، قاد الانعطاف الجذري باعتباره منتجا أبسط يساعد الشركة على خفض التكاليف في الوقت الذي يتوقع فيه أن ينخفض نمو مبيعات الهواتف الذكية عالميا إلى النصف، إلى نحو 7 في المائة هذا العام، بحسب شركة جارتنر للأبحاث.
ويعتقد أن «سامسونج» شحنت 16 مليون جهاز جالاكسي S7 في الربع الثاني، بعد شحن عشرة ملايين وحدة في آذار (مارس) عندما ظهر الأنموذج أول مرة، مع نسخته المكلفة ذات الشاشة المنحنية التي تتفوق على مبيعات نظيرتها ذات الشاشة المسطحة. يقول دانيال كين، من «ماكواري»: «من الواضح أنهم تعلموا درسا من عامين من المعاناة. لقد شهدوا تحسنا كبيرا على جانب التكلفة وخليط المنتجات». وكانت «سامسونج» تطرح أكبر عدد ممكن من النماذج لمعرفة ما الذي ينجح. مع ذلك، تتابع الشركة الآن استراتيجية هواتف ذكية مختلفة على غرار شركة أبل، من خلال تبسيط عروض منتجاتها، تماما في الوقت الذي تعترك فيه أبل مع تباطؤ المبيعات وتوسيع مجموعة منتجاتها بحثا عن النمو. يقول مو: «سامسونج وأبل تنسخان الاستراتيجية الناجحة لكل منهما في الوقت الذي تتنافسان فيه وجها لوجه. جهود سامسونج لتبسيط منتجاتها تؤتي ثمارها في الوقت الذي تحقق فيه أقصى قدر من وفورات الحجم، بينما أبل تتطلع لفرص في السوق متوسطة التكلفة نظرا لتشبع السوق عالية الكلفة». الحصة السوقية للهواتف الذكية تأرجحت بين «سامسونج» و»أبل» في الأعوام الأخيرة. فبعد أن سيطرت أبل مع جهاز آيفون، بدأت «سامسونج» بالرد في عام 2010 مع أجهزة جالاكسي ذات الشاشة العريضة. لكن الشركة واجهت متاعب عندما أطلقت أبل أجهزة آيفون ذات الشاشة الأكبر في عام 2014، لتسرق نقطة البيع الرئيسية لهواتف جالاكسي. وتبين أن جهاز جالاكسي S7 حقق إقبالا كبيرا غير متوقع هذا العام في ظل غياب المنافسين الأقوياء، لأن مظهره ذا الحافة المنحنية يوفر عامل تفريق فعال، إضافة إلى ميزات مثل مقاومة الماء والغبار. كذلك شهدت «سامسونج» أيضا نموا قويا في منتجاتها الأرخص، مثل سلسلة جيه J.
وكتب سي دبليو تشونج، من «نومورا»، في تقرير حديث: «سامسونج هي الشركة الوحيدة التي تحقق أرباحا في السوق المتوسطة إلى المنخفضة التكاليف، مع هوامش أرباح تشغيلية بلغت 10 في المائة في هذه الفئة. في المستقبل، نتوقع ابتكارات الهواتف الذكية الراقية أن تأتي من تكنولوجيا الشاشات التي تعد سامسونج هي الشركة الرائدة فيها».
وعلى الرغم من أن هناك تساؤلات حول ما إذا كان زخم سامسونج مستداما، مع توقع أن تطلق أبل جهاز آيفون جديد في أيلول (سبتمبر)، إلا أن المحللين متفائلون بشأن التوقعات على المدى الطويل، مشيرين إلى التكنولوجيا المتطورة لدى «سامسونج» في مجال المكونات الرئيسية مثل الشاشة والرقائق. ويقول كيم دونج ون، من في هيونداي للأوراق المالية: «أرباحها من قسم الهاتف الخلوي يمكن أن تكون أقل بسبب العوامل الموسمية في النصف الثاني، لكن (…) أعمالها في مجال المكونات ستمنحها دفعة».
يتوقع محللون تغييرات تدريجية فقط في جهاز آيفون الجديد من أبل. ويرى يو أن «سامسونج» ستصبح الرائدة في أجهزة الجيل التالي، نظرا لهيمنتها في مجال لوحات عرض OLED ورقائق الذاكرة «ناند» ثلاثية الأبعاد التي تعتبر لا غنى عنها بالنسبة للهواتف الذكية الراقية. ومن المتوقع أن تصبح مزودا كبيرا للشاشات من أجل نماذج جهاز آيفون الجديدة المقرر إطلاقها العام المقبل، بينما من المرجح أن تدخل «سامسونج» هواتف ذكية قابلة للطي في وقت قريب، ربما يكون عام 2017. ويقول يو: «سامسونج مؤهلة لأن تتطور قبل الآخرين، لأنها تملك جميع المكونات التي تمكنها من ذلك. ستكون قادرة على التمتع بهوامش ربح أعلى من مستوى الصناعة لفترة طويلة». ويعكس ارتفاع سعر السهم في «سامسونج» مثل هذا التفاؤل. فقد ارتفعت أسهمها نحو 20 في المائة حتى الآن، بينما انخفضت أسهم شركة أبل 8 في المائة هذا العام. ويقول كيم: «الأمر لا يتعلق فقط بالهواتف الذكية. منتجات «سامسونج» الجديدة الأخرى أيضا تحظى باستقبال جيد من قبل السوق. من المشجع أن نرى أن «سامسونج» أصبحت رائدة، وليس فقط شركة تابعة، في بعض القطاعات مثل لوحات عرض OLED ورقائق ناند ثلاثية الأبعاد ومحركات الأقراص الصلبة».