الواقع النقدي العربي يسري في أوصاله الجمود
حوار/ قاسم وداي الربيعي
خيرة مباركي ..تونسيّة – جزائريّة ( من أب جزائري ) أستاذة حاصلة على الإجازة في اللغة والآداب العربية ..فنّانة تشكيليّة وناقدة .. النّقد الأدبي والتشكيلي.. ولها محاولات في الشّعر .. فهي تكتب الشعر لكن بحذر شديد وسط أجواء متخمة بالشعراء ’ والحديث عنها يعني حديث يشمل كل هذه المجالات فهي تشكيلية مميزة ولها حضورها وهي ناقدة نشطة وقفت كثيرا عند العديد من الشعراء العرب فهي مميزة بأسلوبها الجميل الذي جعلها محط أنظار الكثير التقت معها المستقبل العراقي في حوار تناول أنشطتها وبداياتها وما تحاول الوصول إلية.. كانت البداية حيث الطفولة وأحلام الشباب وما كانت تروم الوصول إلية
_ البداية والمشروع الشعري
انطلاقتي الفنّيّة التّشكيليّة حين أحسست برابط خفي وانجذاب للخطوط والألوان ..دخلت عالم الفن التشكيلي ومنه خضت العديد من المسابقات وتحصّلت على العديد من الجوائز الوطنيّة ..ثم كانت انطلاقتي مع المعارض رغم صغر سنّي وكنت في مرحلة الثانوية ..وترسّخ اهتمامي بالفن التشكيلي ضمن الأنشطة الجامعية وأحرزت على أوسمة شجعتني للمضي ولكنها السياسة .. جعلتني أختار الابتعاد لمدة طويلة ..أمّا الشعر والأدب فهو عشقي ولكن أقرأ ولا اكتب ..فقط بعض التجارب باللغة الإنجليزية .. ليقين بداخلي يراودني دوما أن الكتابة مسؤولية : إما أن تُبدع فتتفرّدَ أو تترك .. وهذا اليقين ترسّخ بفضل تجربتي مع تدريس عيون الأدب والشّعر وتلك العوالم التي يحلق فيها المبدع المتفرد ..لتكون تجربة النقد الأقرب إلى عقلي ووجداني ..حين أرتحل مع المتنبّي في فيافيه ومع ألشابي في فراديسه ودرويش في منافية ..والسّياب في غربته … حينئذ أدرك أنّي كيان يعانق مجاهيل الفن ويستعذب عنت البحث والتّقصّي ..
_كيف ترين الواقع النّقدي العربي الآن وسط هذا الزحام من النقاد والنقد
ما نلحظه في الواقع النّقدي العربي اليوم مشهدا باهتا يسري في أوصاله الجمود ويسطو عليه الفتور ..حثيثا متمهّلا ..لا يصل إلى مستوى حركة الأدب والشّعر ومراحل تطورهما رغم الحاجة الماسّة للنّقد والتّحليل والتّقويم كفاعل في تقوية الأدب وتطوير مناعته ..وهذا بيّن من خلال الكمّية الهائلة من الأدباء والشّعراء وأعمالهم الإبداعيّة مقابل النّتاج النّقديّ الشّحيح …هذا إلى جانب الافتقار إلى النّقد الأكاديمي الواعي بخفايا المُنتَج النّصّي ومجاهيله وبميول النّفس الشاعرة وبحركية الواقع إلى جانب قيم العبارة وثابت الأسلوب ..وفي غياب كل ذلك تعيش السّاحة الأدبيّة فوضى نقديّة ..بين نقد حرفي تكون فيه العملية النقدية مجرد إعادة لمعاني النص وبين نقد آلي يكون فيه صاحبه متأثّرا بالمناهج الغربيّة الوافدة أو التراثيّة الرافدة في كل ذلك يتحوّل الناقد إلى صدى صوت غيره وجهاز ناطق بمصطلحاته لتكون بمثابة التّسجيل الآلي الذي يخرج عن آليات النّص ليوشّحه بتواشيح مستعلية وكلام فوقانيّ لا يخدم النص الأصل …
_الرّسم أم النقّد شاغلك الأول؟ ومن تجدينه القريب إلى نفسكِ
الرسم عندي هو ذلك الشريان الذي يصل النبض ببقية الأعضاء حتى أحيا …هو واحتي الخصبة التي ألتجئ إليها لحظة الشعور بالحاجة إلى التنفيس عما يثقل الخاطر ..و البوابة التي تحملني إلى كل العوالم .. أما النقد فالممارسة وطبيعة عملي واختصاصي في الأدب تجعله من أهم اهتماماتي ..لذلك فكلاهما يشغل تفكيري وكلاهما موصول بالآخر في علاقة جدلية .. فأنا ألج بالرسم إلى عوالم لا متناهية وأستفيد منه في النقد وهذه الرؤى النقدية البعيدة وتحليقي في أكوان النص توسع أفق الانفتاح على فضاءات اللوحة ..وتجعلني أكثر سلاسة مع المادة اللونية والقماش .. وأهمّية كل منهما تولد أثناء لحظة شعورية تفرض ميلاد العمل التشكيلي أو النقدي .. وهذه اللحظة هي القادح في ميلاد العمل الفني .. كلاهما اللوحة والنص نتاج تأثر بملابسات وظروف خارجية إن كان للوحة أو النص الأصلي للمنتج النقدي ..لأن العمل النقدي وليد حالة انفعالية في مواجهة النص المقروء الذي يثيرنا فنتجه إليه بالدرس _ لمن ترسم ولمن تكتب المباركي وهذا الشعب العربي يضج بالموت والخراب ؟ ترى لمنْ الخطاب سيدتي
خيرة مباركي فنانة ولكن أكثر من ذلك إنسانة وما ترسمه أو تكتبه وليد هذه الثنائية ..أنا جزء من هذا الوطن وقد يكون وعيي كفنانة شاعرة بوطأة الواقع وبأن هذا الوطن عظيم ولكنه سقط من عليائه ، وهذا هو الوجع الأكثر ..قد لا يؤلمك وضع من تعود العيش تحت الوصاية بقدر ما يحز في نفسك من كان شامخا سامقا ويخر مغشيا عليه .. خيرة جزء من هذا الوطن ، من نسله ، موصولة بآهاته وأحزانه .. بآماله وتطلعاته هي تنتظر الفجر وترنو إلى الصباح ككل عربي ..لهذا تراها في لوحاتها أو كتاباتها تارة حزينة أو غاضبة .. وتارة عاشقة أو متبرمة من عشقها كلٌّ موصول بذلك الإنسان الكامن فيها ..والمحرك الأساسي للعملية الإبداعية هو الوعي أولا والشعور والإحساس ثانيا ..ليأتي بعدهما الخيال ..ولو عدنا إلى أعمالي الفنية التشكيلية خاصة سنجد ترجمة لكل ما يقع ويحدث مثل لوحات : الوطن .. على جدار الدم ..انتفاضة السّكين ..طفولة تائهة في المجهول ..سِفْر الخروج …شتاء الغلابة …الخ وأحيانا تكون اللوحة معبرة عن أكثر من موضوع وكل ينظر إليها بمنظاره وحالته الشعورية ووعيه بالواقع مثل لوحة “عيون تعزف الموعد “ التي تصور حالة ترقُّب مجهولة .. قد يكون ترقبا وجوديا يفصح عن رفض للواقع و رنوّ لانجلاء الغيوم
_ كيف كانت المباركي تحاكي المرأة العربية في تجربتها الشعرية وفي الرسم ؟
من المعلوم أن المرأة العربية كان لها ولا يزال رصيدا ثقافيّا وفكريّا في جميع الأصعدة ..ولنا أمثلة كثيرة من كل الأقطار العربيّة حيث تربّعت العديد من العربيات على عرش الإبداع شأنها شأن الرّجل ..بل كان لهنّ دورا كبيرا في التغيير والنّهوض بالثقافة والأدب العربيين ..مثل نازك الملائكة وتميّزها في الشعر ومساهمتها الفعّالة في تطوير القصيدة العربيّة وفدوى طوقان وإصداراتها المتميّزة وعنبره سلاّم ألخالدي الكاتبة والمترجمة الروائية وهي أول من ترجم العمل الشهير “الإلياذة “ إلى العربيّة وغيرهنّ كثيرات ممن كان لهنّ الأثر البالغ في إثبات فاعليّة المرأة العربيّة ..من المؤكد أفتخر بهنّ وأعتبرهنّ القدوة لي في الفعل ونفي الجمود الذي طغى على المرأة العربية لعقود .. ولكن قناعتي شيء آخر .. لا أريد أن أكون إلا “أنا “ .. لي كياني الخاص والمستقل وأعمل وأنشئ صرحي كما أنشأت غيري صروحهنّ .. وإذا أردت أن أعرف تجربة شخص فلأنّي لا أريد أن أكرّرها أو أكون نسخة منها .. نريد أن تكون لنا أيضا صفحة من صفحات التّاريخ فيكون سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا كما قال الجاحظ ..
_ أحيانا الفن صراخ الشّعوب هل لديك معارض عربيّة وعالميّة أم تونس هي وحدها من تسمع صراخك ؟
الفن فعلا صراخ الشّعوب ..والفنّان هو تلك القناة التي توصل الصوت ليعبّر عن نفسه أو محيطه .. بمعنى هو الكفيل لينقل معاناة الشعوب ويعبّر عنها .. قد نشكل ذلك في العمل الفنّي ولكن هذا العمل يتجاوز بؤرة الواقع الضيقة لينفتح على أبعاد إنسانيّة مطلقة ويصبح صراخ شعبٍ دويّا يثير كل الشعوب ويحرك نوازعها ..لذلك فالفن ينبغي أن يمتد صداه إلى كل الأقطار ولا يتقيّد بمكان أو زمان .. ولعله إيماني القويّ بضرورة الانفتاح على كل الأقطار العربيّة وغيرها حتى يرى المولود الإبداعي النورَ ..وتمرر الرّسالة إلى الجميع … فيكتشف الآخر صراخنا ويعي به ونحن نحتاج فعلا إلى مثل هذه المبادرات الثقافيّة حتى نتبادل التّجارب والخبرات ونتعلّم أكثر ويكون لنا فرصة أكبر للتّغيير والنهوض بالثقافة والمثقف .. لهذا أفكر في إقامة معارض خارج تونس.