من بين أفراد عشيرتنا الموزعة على بغداد والحلة والأنبار، ودير الزور وولاية اريزونا في جنوبي أفغانستان (وهي غير ولاية اريزونا الأميركية)، لم يحصل على شهادة عليا (ماجستير زراعة)، سوى ابن عمتي الحاج عباس عبد الله، وقد أهّله هذا التحصيل العلمي مصادفة لاحتلال موقع قيادي كبير في الدولة، وقد تأكد لنا ذلك من موكب الحماية الفخم الذي يرافقه في تنقلاته.

والحق فان الرجل -ليس لكونه قريبي- إنسان متدين ملتزم بالفروض، ونزيه نظيف اليد، بدليل أن احدا لم يوجه اليه تهمة الفساد المالي الى الان، وهذه من الحالات النادرة بين المسؤولين، وقد أمضى حياته -وهو على مشارف العقد السادس- بعيدا عن السياسة والاحزاب والانتماءات، يؤدي عمله بإخلاص شديد وكفاءة عالية، على ان اهم ميزاته التي كنت ارتاح إليها كثيرا، هي صراحته المطلقة، لا يزوق كلامه ولا يجامل، ويقول عن نفسه مالها وما عليها، ويواجه الآخر، كبيرا او صغيرا، بما له وما عليه، وباختصار فان ما يدور في رأسه، يجري على لسانه.

كان الحاج عباس يزور خاله (اي والدي) زيارة اعتيادية، دأب عليها مطلع كل شهر، لأن خاله تولى رعايته على افضل ما تكون الرعاية، بعد وفاة أبيه وهو في العاشرة من العمر، وظل الرجل وفيا، واشهد انه مع كل زيارة يأتي محملا بالهدايا الثمينة لافراد اسرتنا، حتى ان آخر (بدلة) ارتديتها واثارت غيرة زملائي في الجريدة، كانت واحدة من هداياه!!

ابن عمتي، الرجل المتدين النزيه الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، كان يحدثني في آخر زيارة، على انفراد، وقد علا الحزن صوته، انه يمر بأزمة نفسية حادة، فاغلب الذين يعملون معه أو المحيطين به، لا يحترمون القوانين ولا يضعون الله بين عيونهم ولا يقيمون وزنا لضمائرهم، وهو لا يدري كيف يتصرف وكيف يصحح الاعوجاج، وفي وجه من يقف والى أين يلجأ، حتى بات مكروها وعرضة للتآمر والتوريط، ومع ذلك كما حدثني فان هذه المحنة تهون كثيرا، أمام المحنة التي يتعرض لها من أفراد عشيرتنا، فهذا يريد التعيين، وهذا يريد القبول في الكلية الفلانية، وهذا يريد النقل الى دائرة أخرى وهذا يريد إيفادا او زمالة دراسية، وهذا يريد الحصول على قطعة ارض او شقة سكنية، وغير ذلك كثير، وجميع هذه (الطلبات) غير قانونية، ومخالفة للشروط والضوابط، ولهذا رفضت التدخل أو الاستجابة لها،، وهو الأمر الذي جعل العشيرة تقاطعني، بل ان بعضهم قال (الغريب أحسن من هذا القريب)، وبعضهم نعتني بنعوت مخجلة، وانا لا اود ان اقطع صلة الدم والرحم، لان هذا مخالف للدين والشريعة، ويتعارض مع مبادئي الاخلاقية، وحين انتهى من بث شكواه، قلت له مواسيا (يا حاج.. لقد انعم الله عليك بالشيء الكثير من الرزق الحلال، بيت فخم وقيصرية مؤجرة، ومزرعة كبيرة ورصيد مالي جيد، فلماذا لا تحيل نفسك على التقاعد، وتفتح اي مشروع خاص بك، وتريح نفسك من وجع الضمير ودوخة الرأس؟!)، تأملني طويلا وقد تلبسته الدهشة، ثم رد عليّ بصراحته المعهودة: انا أتقاضى راتبا قدره (7) ملايين، ونثريتي ومخصصاتي وايفاداتي تصل مع الراتب الى (15) مليون دينار، فهل أتخلى عنها لسواد عون العشيرة؟! ليذهبوا هم وصلة رحمهم ودمهم وقرابتهم إلى جهنم وبئس المصير!! 

التعليقات معطلة