منذ أحد عشر شهراً، وأنا منشغل بكتابة مذكراتي، كلما وجدت إلى ذلك فرصة سانحة، وقد أنجزت حتى الآن قرابة 423 صفحة، ومازال أمامي الجزء الأعظم والاهم غير أنني في أثناء مراجعة المسودات قبل خمسة أيام، لاحظت أن المذكرات تنحو منحى المقالات الصحفية وأحيانا تبدو اقرب ما تكون الى تحليل ظاهرة سياسية او اقتصادية او ثقافية او اجتماعية، وهذا غير جائز بالطبع في هذا النوع من الكتابات ذات النكهة الشخصية المعبرة عن سيرة الفرد الذاتية، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، إنني انصرفت لأحاديث مطولة عن أسلوب التعيينات في الدولة العراقية على مدى تسعين سنة، وقد استغرق ذلك 27 صفحة، حيث تناولت في البداية طريقة التعيين في العهد الملكي، والتي كان القانون هو قاعدتها العامة، ولا أهمية تذكر للاستثناءات النادرة ويقصد بالقانون وجود شروط وضوابط للتعيين يخضع لها ابن الوزير وابن العامل على حد سواء!
ثم انتقلت إلى العهد الجمهوري ما بين 1858 – 1968، وأشرت الى ان القاعدة العامة لسلطة القانون ظلت هي السائدة في الاتجاه العام، ولكن الخروقات الاستثنائية اتسعت رقعتها بحكم طبيعة الأنظمة في هذه المرحلة ذات الهوية العسكرية والعشائرية، ومع تولي حزب البعث مقاليد السلطة للمدة ما بين تموز 1968 لغاية نيسان 2003، بدأت القاعدة القانونية بالتراجع شيئا فشيئا إلى أن اختفى القانون تماما لصالح (الواسطة) التي أخذت نمطين، الأول فردي أي أن هناك مسؤولا كبيرا يتوسط ولا تردج وساطته لتعيين هذا المواطن او ذاك سواء كان بعثيا ام مستقلا غير ان هذا النمط لا أهمية فعلية له، اذ ما قورن بالنمط الثاني، وهو (الواسطة الحزبية) اي لن يحصل على وظيفة ضابط في الجيش مثلا او الشرطة او الأمن او المخابرات او الاستخبارات.. الخ كما لن يحصل المواطن على أمر تعيين في سلك التعليم الابتدائي او الثانوي او الخارجية.. الخ، اذا لم تكن واسطته تزكية من المنظمة الحزبية تؤكد انتماءه وولاءه للحزب والثورة وكانت هذه التزكية او الوساطة تقوم بالطبع على المفاضلة، اي ان العضو المتدرب مقدم في التعيين على النصير والعضو العامل مقدم على المتدرب وعضو الفرقة مقدم على العضو العامل.. وهكذا !! ومن هنا اصبح 85% من العراقيين بعثيين بالوظيفة لا بالقناعة!
اما بعد سقوط النظام السابق وقد نسي الناس تماما اسم القانون فمرت التعيينات بمرحلتين الاولى هي التزكية او الترشيح من قبل الاحزاب المتنفذة حصريا، اي ان المواطن لا يحصل على وظيفة من دون (ورقة) تزكية وترشحه للتعيين ومن هنا أصبح 99% من المواطنين حزبيين لا بالقناعة، خاصة وان الراتب الوظيفي بات مغريا اما المرحلة الثانية فانحسرت فيها قوة التزكية وتراجع النفوذ الحزبي امام سلطة (الرشوة) التي أصبحت فوق القانون والواسطة والأحزاب ولهذا السبب مزقت مسوداتي غير آسف عليها، لأنها لا تصلح أن تكون مذكرات بل..!!