تعود مراهقتي الثقافية الاولى، الى بدايات العقد الستيني من القرن الماضي فقد تقلبت بين امواج الحداثة والوجودية والماركسية، وربما كان للاصدقاء سارتر وعشيقته سيمون وكامو، تأثيرهم الواضح على تكوينتي الفوضوية، ومفاهيمي المتطرفة حول الحرية (في وقت لاحق فهمت الحرية باعلى مستوياتها على يد البوشين، الاب والابن ، وتطبيقاتها في العراق)، مثلما كان للرفاق انجلز ولينين وماركس، ولاحقا حميد مجيد موسى ومفيد الجزائري، تأثيرهم العميق في بلورة افكاري الطبقية، ولعل ولادتي ونشأتي في اسرة لا ينافسها احد على فقرها، قد عزز في عقلي الباطن، حقدا (ثوريا) على كل برجوازي وارستقراطي، بل وعلى كل من يرتدي دشداشة جديدة، او ربطة عنق انيقة او يتناول (قيمر العرب) على الفطور!! 

انا اعرف اليوم بعد ان بلغت مراهقتي الثقافية الاخيرة حافة القبر، ان مشكلتي الطبقية ما هي الا (حسد عيشه)، وردة فعل هوجاء تجاه المتع الحياتية التي حرمت منها في وقت مبكر من طفولتي، حيث لم اكن البس ولا اكل ولا اصرف ولا احظى بما يحظى به اقراني، ومع ان اوضاعي المادية واحوالي المعيشية، قد اصبحت الآن، بعد الاتكال على الله ومؤازرة المخلصين من رؤساء التحرير، في حالة تستحق الحمد والشكر، ولكن عقدة الفقر القديمة، وثقافة التفاوت الطبقي وفائض القيمة، لم تبرح ذاكرتي وروحي وموقفي، حتى بت اكره نفسي، ولهذا اعترف من دون حياء، انني على مدى السنوات الماضية، كنت انظر بعين الغيرة والحسد الى بحبوحة العيش التي يتنعم بها اعضاء البرلمان (مع ان بعض المسؤولين غيرهم اكثر نعمة بعشرة اضعاف، ولكن هذا هو حظ النواب الذي جعلني انشغل بهم، وانسى اصحاب الهبرات الكبيرة)، مثلما اعترف، انني تجاهلت ثقافتي، وأفكاري التقدمية، ورحت ابحث هنا وهناك عن ساحر كبير مجرب يفعل الأعاجيب، الى ان عثرت عليه، وطلبت منه أن يحل البرلمان، ويحول أعضاءه مثلنا إلى مواطنين من الدرجة الثانية، من دون حضانة ولا حمايات ولا رواتب فلكية، وقد استغرب من طلبي، ولكنه افرحني حين قال (هذا امر بسيط جدا إلا انه يكلفك مئة مليون دينار)، كان الرقم مفزعا، ولكني وافقت في الحال، وبعت داري السكنية التي لا املك غيرها، واعطيته المبلغ، وقد قطع لي وعدا بانه سينتهي من سحره في سبعة ايام، وهكذا عدت الى بيتي مزهوا بالسعادة!!

عندي قريب من اكثر العباد لؤما، وبيني وبين نفسي، ادعوه (ابن الكلب)، لا ينفك عن مناكدتي والسخرية من افكاري، وعندما اخبرته ان خصومي الطبقيين اعضاء البرلمان سيفقدون كل شيء بعد سبعة ايام، وشرحت له اتفاقي مع الساحر، واجهني بنظرة تقطر سماً، وقال لي (لا تفرح، وحسدك سيقتلك، لان اعضاء البرلمان، ومن هم بدرجتهم او اعلى منهم، سيجلسون على وفق الدستور في بيوتهم من دون عمل ولا دوخة راس ولا مناكدات برلمانية، ولكنهم سيبقون متمتعين بالرواتب والامتيازات والحراسة والجوازات الدبلوماسية، ولن يصبحوا مواطنين مثلنا لو تموت!) وهكذا اجهض فرحة عمري، وسارعت الى الساحر لاسترداد المئة مليون، ثمن داري، الا انه اختفى كما اختفى العشرات من كبار المسؤولين الذين سرقوا اموال المواطنين تحت سمع الحكومة وعلمها، وغض نظرها  احيانا، واظن انني تلقيت الجزاء العادل، وهذا جزاء كل من يحسد اولياء الامر، لانهم على ما يبدو، لا يتمتعون بالحصانة السياسية فقط، بل كذلك بالحصانة ضد عيون الحساد، ولذلك لا يبالون، ولا يلتفتون الى عيون الناس، حتى لو كانت تتأوه وينبعث منها الشرر والغضب والحسد!!     

التعليقات معطلة