يوم سقط رمز النظام السابق بطريقة مذلة في ساحة الفردوس، ارتفع راتب العم (هكذا كنا ندعوه) عباس إلى 30 ضعفاً عما كان يتقاضاه في عام 1998 وهو العام الذي أحيل فيه على التقاعد، ومع مرور السنوات التي أعقبت (التحرير) تصاعد راتبه التقاعدي حتى بلغ (412) ألف دينار شهريا، ومثل هذا الرقم بالنسبة للعم عباس، اقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، وكادت فرحة المفاجأة تقضي عليه لولا اللطف الرباني، حيث أصيب الرجل بحالة طارئة يسميها الأطباء (إغماء السعادة) عادة ما يتعرض لها الناس عندما يلتقون حبيبا طال غيابه، أو يسمعون تصريحا حكوميا يسبق الانتخابات!! 

حين استعاد العم عباس وعيه، ومضت بضعة أشهر على فرحة الراتب الجديد والزيادة التي طرأت عليه، وبدأ يتعامل مع تفاصيل الحياة المعيشية، أدرك انه يعاني من ضائقة مالية شبيهة بضائقة الايام السود التي مر بها في عهد الدكتاتورية المقيتة فقد تراجعت مفردات البطاقة التموينية، ومن جانب آخر قام المؤجر برفع بدل إيجار البيت الذي يسكنه العم عباس إلى أربعة أضعاف، كما تنبه الى ان سعر قنينة الغاز أصبح 6 آلاف دينار في الوقت الذي كان سعرها 250 دينار أي تضاعف سعرها 24 مرة، بينما ارتفع سعر كيلو اللحم الاحمر من 7 الاف دينار الى 15 الف دينار اي اكثر من مئة بالمئة، ولم تكن الزيادات التي شملت أسعار الدجاج والسمك وبيض المائدة والفواكه والخضار، أفضل حالا حيث ارتفعت في المعدل ما بين 80% الى 100% في حين قفزت الزيادات الجديدة في أجور الطبيب والحلاق وعمال البناء والتاكسي والكيا وعموم وسائط النقل إلى أرقام فلكية، واستغرب الرجل وهو يراقب اشتعال الأسعار من حوله الى الحد الذي وصلت حرائقها الى الفصولات العشائرية. 

كان من غير الطبيعي، ومن غير الممكن في الوقت نفسه ان يقف خارج حركة التطور وبمعزل عن سمة المرحلة الاقتصادية ومتطلباتها بعد 2003 ومن هنا وجد نفسه ملزما بدفع 45 ألف دينار شهريا أجور لمولدة الكهرباء الأهلية وهي من الأجور الحديثة التي لم تكن معروفة قبل التحرير وان يدفع من بين الأجور الحديثة كذلك مبلغ 25 ألف دينار في الحد الأدنى ثمنا لكارتات الموبايل وبعد أن قام بعمليات حسابية مطولة وأجرى مقارنة دقيقة بين راتبه التقاعدي 412 الف دينار وبين مجمل المصروفات والايجار ومدارس الأولاد والقرطاسية والملابس اكتشف لماذا امتنع وأسرته عن تناول اللحوم والفواكه بأنواعها كما كانوا قبل 2003، ولماذا لا يكفيه الراتب مع انه ضخم مقارنة بما كان عليه، ولماذا عليه الاقتراض باستمرار ولماذا يجب عليه العودة إلى بسطة سجائره القديمة؟ ولكن اكتشافه المذهل تمثل في إدراكه المتأخر، ان الدكتاتورية المقيتة والديمقراطية الرائعة تختلفان في سياسة الحرية والتعبير عن الرأي وتلتقيان في سياسة الفقر والتجويع!! 

التعليقات معطلة