هو ( آب ) العراقي يسخر من المراوح السقفية في مقهى ( عارف أغا)، وكان الزمن زمن أعمار شبابية يعود إلى عام 1970، ووسائل الاعلام لا تتوقف عن أحاديثها المستبشرة ببيان (11 آذار) وعودة السلام والحياة الطبيعية الى ربوع كردستان، وثلاثة كنا من بين أصدقاء الملتقى اليومي في المقهى تم التوافق بيننا قرابة الساعة الواحدة ظهرا على شد الرحال إلى ( شقلاوة ) في اليوم نفسه، هربا من صيف بغداد ، وتأثرا بما كنا نسمعه عن مضيف شقلاوة الذي تمر به عين الشمس على حياء، فلا أجساد تتعرق ولا حر يشوي الوجوه!
مساء ذلك اليوم الخالد في الذاكرة سافرنا بالقطار الى الموصل وأمضينا الليل كله في عربة المسافرين التي تسير بسرعة السلحفاة، وبعد ان تناولنا الفطور (والوقت ضحى) توجهنا الى اربيل ( المركز ) ومنها إلى مصيف (صلاح الدين) وفكرنا ان نستقر عند قمة هذا الجبل (بيرمام) الممتعة ولكن قائد حملتنا الاستكشافية الذي اخترناه ونحن في بغداد على ان يتولى الزعامة ويقرر ما هي وسيلة النقل، وفي أي مطعم ندخل وماذا ناكل واين ننام، رفض المكوث عند بيرمام، مثلما رفض قبلها أن نسافر مباشرة الى أربيل، واختار لنا طريقا متعبة طويلة تبدأ من بغداد الى الموصل ثم أربيل، والمشهد ان زعيما استثمر الصلاحيات التي منحناه اياها بأعلى صور الدكتاتورية، وهكذا انحدرنا من قمة صلاح الدين انحدارا سريعا باتجاه وادي (شقلاوة )، وكانت المركبة تقطع طرقا حلزونية مرة وملتوية مرة أخرى، ولكنها في المرات كلها تقدم لنا عرضا ساحرا لمفاتن الطبيعة الملونة المنوعة من جبال ونتوءات صخرية وبساتين ووديان ووديان وبلوط ومسارب مائية .
ها هي شقلاوة تفاجئنا بحلاوتها وعذوبة هوائها التي ينتمي الى الربيع ونحن في عز الصيف وآب، ولكن مفاجأتنا الاكبر كانت في ذلك الزحام الشديد وعشرات الالاف من المصطافين الذين قصدوا المدينة هربا من الحر ، غير ان شقلاوة التي خرجت من أتون حرب طاحنة ، ونعمت بأجواء سلام حديثة ، لم تكن قد هيأت نفسها لاستقبال تلك الاعداد الغفيرة، وهذا ما شعرنا به لحظة وصولنا، فقد دخلنا احد مطاعمها الكبيرة، وبصعوبة بالغة وبعد انتظار طويل، حصلنا على منضدة فارغة وكان التعب والجوع و (العطش) على وجه الخصوص فقد أنهكنا، مرت عشر دقائق وثلاثون وأربعون من غير أن يقرب عامل المطعم ويسألنا عن طلباتنا، وكانت حاجتنا الى الماء تفوق اية حاجة أخرى، وكان على زعيمنا الصديق (جمعة حسين) وهو شاب ممتلئ عافية وطولا وعرضا ، ان يتصرف ولعله كان اكثرنا انزعاجا، لذلك قال لنا (ساتحدث معهم باللغة الكردية ، ونطلب الماء على الاقل) ، واستغربنا لان الزعيم يجيد الكردية ونحن نجهل ذلك برغم علاقاتنا الوطيدة، وهكذا نهض بقامته الفارعة، ونادى على العامل بأعلى صوته (يابه عيني … الله يخليك شويه (او) تره متنه من العطش) وانتابتنا الدهشة من كون اللغة الكردية بسيطة الى هذا الحد!! ولكن الغريب حقا ان الماء او (الاو) حضر بعد اقل من دقيقة!!