بنتان وولدان، كنا أربعة أشقاء حين توفيت والدتي، أكبرنا شقيقتي (سعيدة) التي لم تتخط عامها الخامس عشر، وأنا اصغر الأربعة، لي من العمر ستة أشهر، لم أر أمي ولا اعرف هيأتها، ولم اشعر يوما بغيابها، فمنذ بدأت أعي الأشياء، كانت شقيقتي تقوم بدور الأم، وتعوضني عن حنانها، ربما بصورة مضاعفة.
في عام 1949 بلغت الخامسة من العمر، وكان العرف السائد في بغداد يومها، ان تذهب الأسر بأطفالها الى (الملا)، كي يتعلموا قراءة الكتاب الكريم قبل دخولهم المدرسة، وكان الملالي كثيرو العدد من الرجال والنساء، ويتوزعون على المحلات جميعها، وقد اصطحبتني شقيقتي، و(سجلتني) عند (الملية فضيلة)، ليس فقط لأنها جارتنا، بل كذلك لان النساء (المليات) اخف وطأة من الرجال (الملالي)، وارحم بالصغار، وكنا نسمع عن شدة الملالي وفلقاتهم وقسوتهم ما تقشعرّ له طفولتنا!!
في ذلك العام حل الشهر الكريم وأنا أتعلم قراءة القرآن عند الملا فضيلة، ولم يكن من اللائق ولا الجائز على ولد مثلي وإن كان في الخامسة من العمر ألاّ يصوم رمضان وهو يدرس كتاب الله ويحفظ ما يقدر على حفظه، وهكذا أعلنت نية الصيام مع أسرتي على الرغم من اعتراضهم، ورضخوا على مضض أمام عنادي!لم يعرف بيتنا الكرخي، حاله في ذلك حال البيوتات الكرخية، شيئا اسمه (المطبخ) على وفق مفاهيم العصر الحاضر، فهناك بصورة عامة غرفة صغيرة، أو بناء بسيط تحت السلم، يوضع فيه (البريمز) وهو الجد الشرعي لطباخات اليوم ـ مع بضعة قدور وأوان، وكانت شقيقتي التي بلغت العشرين من عمرها، هي ربة المنزل، وسيدة البيت المسؤولة عن كل صغيرة وكبيرة، تقوم على عادة الأمهات وربات المنازل بتهيئة الإفطار الرمضاني، وتركه في المطبخ إلى حين اقتراب موعد الإفطار، حيث تتولى تسخين الطعام، وأتولى مساعدتها في نقل الاطباق الى المائدة وانا مسكون بسعادة غامرة! في ذلك الرمضان الاول الذي اصوم فيه، حدث امر غريب في البيت، ففي كل يوم على المائدة تكتشف أمي وجود نقص في كمية الطعام الذي أعدته بنفسها فهناك ثلاث قطع أو أربع من الكباب او الكبة، او هبرة لحم كبيرة مفقودة من المطبخ، وكنا نناقش معها اسباب الفقدان، وتوصلنا بالإجماع إلى أن الفتحة الصغيرة الموجودة في أعلى المطبخ هي السبب، فقد كانت هناك قطة مبقعة بالأسود والأبيض لا تغادر منزلنا، هي التي تسرق الطعام، وقد تم الاستدلال على ذلك، لانها بعد ان ترفع الغطاء عن القدر وتسرق ثم تهرب على وجه السرعة، لا تعيد الغطاء إلى وضعه، وأحيانا نعثر على الغطاء في مكان بعيد، وهذا يؤكد ان عملية السرقة بعيدة عن العقل البشري!
ذات مرة نصبت شقيقتي كمينا للقط من دون ان تخبر أحدا منا، ورأته فعلا وهو يرتكب جريمته، ولكن الذي أدهشها أن ذلك القط البالغ من العمر خمس سنوات كان حافي القدمين ويرتدي دشداشة مقلمة، ويضع على رأسه (عرقجين) مما يصفه تلاميذ الملالي على رؤوسهم، ومع ان شقيقتي ألقت القبض عليه وهو يسرق ويحسب لكل شيء حسابه، ولكنها لم تفضحه أمام أسرته، ومنذ ذلك اليوم لم يعد مطبخنا يتعرض لغزوات البزازين، وسوف اكبر وتكبر شقيقتي، وهي تحدثني أن الذي استوقفها في حكاية السرقة هو كيف كان بمقدور ذلك القط أن يهشم نصف رغيف من الخبز، وما حاجته إليه وأمامه اللحم والهبر والشحم وكنا نضحك طويلا، وأنا أقول لها: كيف فاتتني حكاية الخبز ؟!