في كلّ ليلةٍ منذ حل الشهر الكريم وحيث ننتهي من صلاة العشاء يعتلي المنبر رجل دين يعظنا الموعظة الحسنة، ويحدثنا عن وجه مشرق من وجوه الدين الحنيف والشريعة السمحاء، وكان هؤلاء الوعاظ يتباينون في أعمارهم وثقافاتهم ولكنهم في المحصلة العامة يقدمون لجمهور المصلين حديثا ينفعهم مشفوعا بالآيات والأحاديث الشريفة وبقصص الصالحين وما يتوجب على المسلم ان يتحلى به من أمانة وصدق وتواضع وتسامح ومساعدة المحتاج واحترام الكبير ومراعاة الجار.. الخ، والحق فقد افدنا الكثير من تلك المحاضرات أو الدروس الدينية.
ذات ليلة مباركة كان المحاضر يرتدي لباس الأفندية -وهي ليست المرة الأولى التي يعتلي المنبر فيها رجل أفندي– ولم يكن يضع شيئا على رأسه، الا انه كان يزين اصابع يديه بخمسة خواتم او ستة، ويفوح منه عطر لا أطيب منه ولا أزكى وكان المصلون يدعونه (خطيب الخضراء) وقد علمت لاحقا، انه رجل دين حكومي يعمل في المنطقة الخضراء بصورة خاصة، ويلقي دروسه هنا وهناك بصورة عامة.
اشهد أنني ما سمعت ولا استمعت إلى متكلم قبله أو بعده يملك من فصاحة اللسان وطراوة اللغة ما يشدّ الانتباه ويطرب الأذن ويريح القلب مثل هذا الرجل زيادة على انه يمتلك من قوة الحجة وقدرة الإقناع، حتى وان كان يتحدث بخلاف الحقيقة، وضد منطق الأشياء!
تناول خطيب الخضراء او شيخ الخضراء –كما يسميه بعض المصلين – في خطبته تلك الليلة، فضائل رمضان كريم التي لا تحصى ولا تعد على العباد، فهو يعزز عندهم روح الطاعة والقدرة على الصبر واحتمال الشاق، وزجر النفس الامارة بالسوء، وتهذيب اللسان وغض الطرف والأذن عن الفواحش، وغير هذا وذاك فانه يقيم صلة غير متطورة بين طبقات الشعب حيث يشعر الغني الصائم في شهر رمضان بمعاناة الفقير وجوعه على مدى أيام السنة، وعلى مدار الأشهر الميلادية والهجرية، فيرق قلبه وتسترخي مشاعره وتلين يده، ولذلك –خاطبنا قائلا– «نلاحظ ان أكياس الأغنياء تنفتح بالبر والخير والإحسان في هذا الشهر الكريم، مع أن على المؤمن ان يكون عنوان البر والخير والإحسان في الأوقات كلها ولكن لا ضير ان يحفز شهر رمضان هذه النوازع الطيبة في ضمير المسلم ووجدانه»، وأفاض الرجل في الحديث عن فضائل الشهر المبارك وكنا مسحورين بكلامه وطراوة عبارته وجمال بلاغته وحسن استشهاداته حتى ان بعضننا لم يتمالك نفسه تأثرا وانفعالا فاغرورقت عيناه دمعا او أجهش بالبكاء، وعندما انتهى من درسه انهالت عليه عبارات الشتاء والاطراء والمديح والدعوات بالتوفيق وان يكثر الله من امثاله ثم بدأنا كما جرت العادة كل ليلة نناقش ونسأل ونستوضح وشيخ الخضراء يرد بلياقة ويقنع المقابل بما اوتي من فصاحة لسان وقدرة على ترتيب الجمل وتزويق الكلام مع ان ثلاثة ارباع ارائه لم تكن ولا دقيقة وفيها تحايل ذكي على اللغة يصعب الانتباه اليه، الا انني لم استطع اخفاء اعجابي به والثناء على محاضرته!
في تلك الليلة المباركة من ليالي رمضان انبرى احد المصلين الشباب وسأله «مولانا الشيخ هل الناس الموجودون في الخضراء يصومون رمضان»!؟ فرد عليه بلباقته المعهودة (الحمد الله جميعهم الا من كان منهم مريضا او على سفر) وأذهلتنا إجابته اللطيفة غير ان الشاب سأله من جديد (اذن لماذا لا يشعرون بجوع المتقاعدين وحاجة العاطلين عن العمل..) وقاطعه الشيخ غاضبا (كفى.. هذا ليس كلامك انت تتحدث بلسان غيرك، وتعبر عن أجندة مغرضة وسأعرف من يقف وراءك، ويكون حسابك معي) ثم غادر المكان منزعجا، ومن ليلتها توقف المصلون عن طرح اي سؤال او استفسار في حضرة الشيخ، فيما لم نعد نرى الشاب بين المصلين!!