…. ثم طالب أهالي تلعفر وآمرلي وغير بلدة من بلدات ديالى وبابل و…. و… حكوماتهم المحلية، وحكومتهم المركزية، بأن ينظروا بعين العطف إلى ما حل بهم، وإدراج مدنهم على قائمة المدن المنكوبة، وفي ميسان وكربلاء والفلوجة والبصرة وسامراء والديوانية والموصل والمشخاب والبطحاء والكاظمية والكرخ والرصافة، تظاهرت الناس ونظمت المسيرات السلمية، ورفعت اللافتات، وهي تشكو مرة من شحة الكهرباء وانقطاع الماء يوما ويومين وثلاثا في صيف لا يحتمل الحمار حرارته، ومطالبة مرة أخرى بحقها في فرص عمل لملايين العاطلين، وبطاقة تموينية تسد الرمق، ومساكن تليق بكرامة المواطنين، ومدارس بديلة عن أبنية الطين والحصران، وحياة كريمة لشعب أنجب أعظم الحضارات الإنسانية, واودع الله في ارضه النفط والغاز والفوسفات وانفس المعادن، واجرى الماء في عروقه، واعطى اهله فضيلة العلم وقريحة الشعر وموهبة الابداع!
الناس لم تتوقف عن مسيراتها منذ تسع سنوات، بعد ان ضمنت لها الديمقراطية حرية التظاهر والتعبير عن الرأي ورفع مظالمها إلى من يعنيهم الأمر، ولكن مشكلة الديمقراطية في العراق الجديد أنها ترى المتظاهرين والمتظلمين وتراقبهم، وتوفر لهم سبل الأمن والحماية من لحظة تجمعهم إلى لحظة انفضاضهم والعودة إلى بيوتهم سالمين من دون ان تفتح عينيها , او يرمش لها جفن او يهتز شارب، وهي تسمع كذلك أصواتهم وطلباتهم وتوسلاتهم وتهديداتهم وبكاءهم وعياطهم، مت غير ان تغضب او تنفعل او ترد عليهم لان ما تسمعه باليمنى يعبر من اليسرى، فلا يستقر من وجع الناس شيء في الأذن او الرأس او الذاكرة او الضمير!
مشكلة الديمقراطية في العراق إنها ترى كل شيء، وقوة نظرها (ستة على ستة) ولكنها مصابة بالعمى، وتسمع كل شيء حتى دبيب النمل، ولكنها مصابة بالطرش.. وتعرف الصغيرة والكبيرة ومعها من شهادات الماجستير والدكتوراه ما يجعلها عبقرية دهرها وفيلسوفة زمانها.. ومع ذلك تعاني من الجهل والأمية وبالكاد تكتب اسمها.. محنة الناس مع الديمقراطية مريرة لأنها لا تدري كيف تتعامل مع ( أعمى او أطرش وجاهل) في وقت واحد، ولكن ما هو اصعب ان هذا الكائن لا يعاني من مرض او علة او عيب، الا ان (يدعي) العمى والطرش والجهل حيث تعلق الامر بالرعية، بدليل انه يرى ويسمع نداء المسؤولين ولا يتردد عن الاستجابة والتنفيذ قبل ان يرتد اليه الطرف، وبدليل انه يشمتهم، قبل عطاسهم، ويؤيدهم قبل ان يعرف ماذا سيقولون ويمنحهم الاراضي السكنية وهم يسكنون القصور، ويوزع عليهم الاسلحة وهم يسيرون بموكب من الحمايات له بداية وليست له نهاية، ويقطع من رواتب الارامل والايتام، او الفقراء والمتقاعدين، ليضيف الى (لزوجتهم) النقدية لزوجة جديدة، والى مركباتهم الحديثة مركبات مصفحة.. هذا الكائن الديمقراطي عجيب غريب، الناس تتظاهر والامتيازات للمسؤولين، انه يسمع ما يريد ان يسمعه، ويرى ما يريد رؤيته ويعرف ما يريد معرفته، وما زالت الناس منذ تسع سنوات تتجمع في الفردوس وتحت جدارية التحرير في الصيف والشتاء والحر والمطر، وهم يهتفون ويطالبون، وعندما يحين وقت اقتسام الغنائم، تكون النواة حصتهم والتمرة من حصة الآخرين، على الرغم من انهم منذ تسع سنوات وعشرين سنة وتسعين سنة وألف سنة يحملون الذهب ويأكلون العاقول وكأن الزمن حكم عليهم بالشقاء الأبدي !!