ثمة حكاية لم تغادر ذاكرتي منذ زمن بعيد، لا ادري إن كنتُ سمعتها أو قرأتها، ويبدو أن ما تضمنته من دلالة موجعة، هي التي جعلتها ترسخ في الذاكرة ولا تبرحها، وملخص الحكاية يفيد بأن القنصل البريطاني (أو من كان يمثل بريطانيا العظمى في إحدى المحافظات العراقية، ربما في عشرينات أو ثلاثينات القرن الماضي)، استيقظ مبكرا على عادته اليومية، لكي يمارس رياضته الصباحية في حديقة منزله.. وقد لاحظ من نافذة غرفته، أن أعدادا كبيرة من سكان المدينة تتوجه إلى مكان لم يستطع أن يتبيّن موقعه، وهو أمر غير مسبوق لفت انتباه الرجل وأثار استغرابه وفضوله.. وقبل ذلك أثار اهتمامه بحكم المسؤولية الوظيفية والمهمة السياسية اللتين يضطلع بهما ولذلك استغنى عن رياضته الصباحية.. وسارع إلى تغيير ملابسه، وغادر منزله إلى مقر عمله، وهناك استفسر عن حارس القنصلية -وهو من ابناء المدينة- عن أسباب تلك الحركة الجماهيرية التي لم يعهدها من قبل، وما إذا كانت الناس تبيّت أمراً قد لا تحمد عقباه!
ابتسم الحارس في سره ثم أوضح له أن الناس ستجتمع في مكان واسع مفتوح لتؤدي الصلاة، ودهش الرجل الأجنبي، وهو الذي مضى على وجوده أكثر من ثلاث سنوات، وليس بين معلوماته صلاة تجتمع الناس إليها، إلا في الأعياد وأيام الجمع، وأوضح له الحارس من جديد، أن هذه الصلاة تقام لغرض معين هو الاستسقاء، اشد غرابة على معلومات القنصل، وقد تولى الحارس شرحها بالتفصيل، وكيف يؤدي المسلمون نوعا خاصا من الصلاة في حالة تعرض بلدانهم إلى الجدب، حيث ينحبس المطر ولا تجد الناس ماء لها، وعاشيتها وزرعها!!
استرخى البريطاني على مقعده، وقد اطمأن إلى نوايا الناس السليمة، وتأمل الفكرة جيدا، وحيث لم يجد أحدا يحاوره في ذلك الوقت المبكر، فقد توجه بالحديث إلى الحارس، وهو رجل أمي بسيط، لا يعرف شيئا عن أمور الدين والدنيا الا على قدر حاله، وقال له : أنا اعتقد ان فكرة الاستسقاء جميلة، ولكن الإسلام بحكمته العظيمة شرعها لسكان، الصحراء والبادية، لان السماء إذا توقفت عن المطر، أمحلت الارض فلا زرع ولا عشب، وبالتالي يهلك الإنسان والحيوان جوعا وعطشا، ولكن لماذا يتوسل العراقيون إلى الخالق سبحانه وتعالى كي ينزل المطر عليهم، وقد تكرم عليهم بنهرين عظيمين، فماذا يريدون أكثر من هذا؟! وفيما كان الحارس يهز رأسه وهو لا يفقه شيئا، واصل القنصل كلامه، وهو منفعل: أتمنى أن لا يستجيب الرب لدعائهم، لان الحكومة العراقية لو كانت تفهم مسؤوليتها، وتدرك أهمية دجلة والفرات، لأقامت مئات السدود والمشاريع الإروائية، وأصبحت من أفضل دول العالم في ميدان الزراعة وتربية المواشي، ولما ذهبت تستسقي وكان أرضها من غير انهار، أنا خائف على مستقبل البلاد إذا ظلت الحكومة عاطلة عن العمل، ولا تحرك ساكنا، وتريد من الخالق ان يسقيها ويطعمها ويكسوها!! وامسك بكتف الحارس وهزها هزا عنيفا، وخاطبة بلهجة منفعلة (اسمع يا رجل.. ان الله يساعد من يساعد نفسه) ثم غادر البناية غاضبا، والحارس مثل الأطرش في الزفة، لم يفهم حرفا واحدا مما قاله القنصل، ولكن المشكلة أننا لم نستوعب الدرس، ولم نفهم كذلك ما قاله هذا البريطاني، حتى بعد مرور ثمانين سنة… وما زلنا نستسقي ونشحذ الماء من تركيا وإيران وسوريا!!