في اللغة العربية ـ كما هو الحال في اللغات الأخرى ـ هناك ألفاظ تتطابق في رسمها الإملائي وتتباين في معناها، وقد تتباين في حرف قريب النطق من حرف آخر، مثل ( الضاد والظاء)، بحيث يبدو تلفظهما واحدا، ولكن لكل لفظ معنى خاصا به، على غرار ما ورد في الاية الكريمة .. (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)، ومعلوم عند اصحاب الاختصاص، ان موضوعات الرسم الاملائي والتلفظ والمعنى، قد دخلت عالم الشعر وفنون البلاغة، وأخذت نصيبها من عناية الباحثين، ويروي بهذا الصدد ان العلامة الراحل الدكتور مصطفى جواد، سُئل مرة (هل زوجك على قيد الحياة؟) فأجاب على الفور بطريقة ظريفة .. نعم .. هي (حية) تسعى!! حيث وظف مفردة حية بالمعنى الطريف الذي أراد إيصاله، لان هذه المفردة تحمل أكثر من دلالة، إذ يمكن أن يراد بها (الحياة)، مثلما يمكن ان يراد بها (الافعى)، بحكم ما تتضمنه العبارة من إشارة قرآنية إلى عصا موسى عليه السلام.
حميد العلوان، صديق قديم وقريب إلى روحي، تمتد علاقتي به الى عام 1966 ايام الدراسة الجامعية ، كان مغرما بلعبة الألفاظ المتشابهة، ويحسن توظيفها لأغراض الدعابة والمرح، وكنا نحن زملاءه الطلبة من الجنسين، نستمتع بتلك الدعابات البريئة، ولا نغضب منه، ولكننا نتجنب التحرش به، لأنه يحرجنا و(ينصب) علينا ، لا لشيء، الا من اجل ان يثير جوا من المرح، اذكر مرة ـوكنا في المرحلة الأخيرة- ان العلوان عقد قرانه على إحدى زميلاتنا، بعد قصة حب عنيفة وطويلة، وقد اقمنا لهما حفلا في نادي الكلية، وحين انتهى الحفل وجهت الزميلة كلامها إلينا (بمناسبة عقد قراني، سأحضر لكم غدا حلويات ، فما هي الحلوى التي تفضلونها؟) أربكنا سؤالها وعم الهرج والمرج وتداخلت التعليقات، هذا يقول (شعرية بالفستق) وهذا يقول (من السما) وهذا يطالب بدعوة عشاء، وهذا يريد سفره وقدر (دولمه) وثمة من كان يقول (ماكو داعي .. ليش هالخساير)، في وسط تلك الجلبة، ارتفع صوت العلوان فوق الاصوات جميعها قائلا (آني اريد بسبوسه الخاطر الله) ونطق كلمة (بسبوسه) منفصلة (بس بوسه)، وتفجر المكان بالضحك، واحمر وجه زميلتنا، ولكونها تعرف طبيعته، سرعان ما تجاوزت الموقف وردت عليه (لو تموت)، وضحكنا هذه المرة أقوى، وتندرنا من العلوان و(نصبنا) عليه!!
يا للزمن الجميل، لا احد يغضب، الزعل ممنوع، والبراءة سيدة المواقف، ولم تتغير شخصية العلوان منذ تعرفت عليه قبل 46 سنة، وها هو في جلسة أصدقاء من أبناء جيلنا، قاربوا السعبين واشرفوا على الانقراض، وقد تخطينا جميعا حدود الانفعال في هذا العمر، على الرغم من تفاوت مشاربنا وآرائنا السياسية، فبيننا الماركسي والليبرالي والمتدين والحزبي والمستقل، ومن هو من أنصار المعارضة أو الحكومة او عبد الكريم قاسم، أو النظام الملكي (أنا محسوب على الجماعة الأخيرة)، وكانت المناكدات على اشدها ، خاصة بين جماعة الحكومة وبين جماعة المعارضة، الا انها مناكدات لا تخرج عن اطار المزاح والمرح، وفيما كان صديقنا (ابو عدي) ـ وهو من المتحمسين جدا للحكومة يدافع بصوت مرتفع عن سياسة الحكومة ويعتبر موقفها بدون استثناء صابئة حتى تلك التي أقرت الحكومة نفسها بخطئها وتراجعت عنها… في تلك اللحظة اردت تغيير الأجواء التي سادتها روح الجدية أكثر مما تحتمل، فالتفت إلى العلوان وسألته (ما رأيك بكلام أبو عدي حول الحكومة ؟! ) وعلى الفور أجابني: انه على حق، فالحكومة (مصيبة) دائما!! وفهمنا ماذا يريد بمفردة (مصيبة)، فلم نتمالك أنفسنا من الضحك، وكان أكثرنا ضحكا هو صديقنا أبو عدي!!