حدثني احد الزملاء الصحفيين، وقد بلغ به الانزعاج مبلغا عظيما، انه على مدى سبع سنوات متواصلة، وهو يكتب ويكتب عن البطاقة التموينية، ويدعو في كل مرة الى زيادة مفرداتها وتحسين نوعيتها، لأنها وسيلة جياع العراق الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، غير ان الحكومة بدلا من الاستماع اليه عمدت الى تقليص مفرداتها شيئا فشيئا، حتى وصل التقليص إلى مادة الشاي الذي يعد فاكهة العراقيين الفقراء وعنوان ضيافتهم، ولم تكتف الحكومة بذلك، بل أدخلت الناس في معمعة مضحكة، وهي تنوي إجراء استفتاء شعبي، وتشكيل مفوضية مستقلة لانتخاب  البطاقة، ومعرفة من يريد بقاءها، او القبول برشوة قدرها (15) الف دينار مقابل السكوت، وقد ذكرني هذا ـ والكلام ما زال لزميلي الصحفي-، بمواطن عراقي ايام الحكم العثماني، قصد الوالي وشكا له من بيته الصغير ذي الغرفة الواحدة، ومن كثرة عياله وطلب منه تخصيص دار اكبر، فسأله الوالي (هل تربي حيوانات في باحة بيتك؟!)، رد عليه المواطن (نعم.. عندي عشرون دجاجة، وثلاث نعاج، وبقرة) قال له الوالي (أمرنا ان تسكن انت وافراد اسرتك وحيواناتك في الغرفة الوحيدة، وسأبعث من يراقبك، ويداهم منزلك في ليل أو نهار، لكي يتأكد من التزامك بأمري، وحذار حذار ان تخالف، هيا اخرج ولن تأتي الى هنا إلا بعد سبعة أيام)! 

مرعوبا غادر المواطن العراقي، والتزم بامر الوالي لانه يعرف قسوة العقوبة، ولم تكد الأيام السبعة تمضي بما فيها من قرف واذى ودمار الا بشق الأنفس، وذهب الى الوالي الذي قال له: (تذهب الان الى منزلك وتعيد الدجاجات فقط الى قنها، وتعال بعد سبعة ايام) ونفذ الرجل الامر، وشعر بشيء من الارتياح لم يخفه عن الوالي عند لقائهما الجديد، ولكن النعاج والبقرة ما زالت تنغص عليه وعلى أسرته حياتهما، وامره الوالي ان يعيد النعاج الى زريبتها ويعود بعد أسبوع، ونفذ المواطن العراقي الأمر وهو سعيد للغاية، ولم يخف سعادته عن الوالي في لقائهما الجديد، ولكن وجود البقرة معهم في غرفة واحدة يسبب لهم شيئا من الانزعاج، وهنا امره الوالي  ان يعيد البقرة الى مكانها القديم، ثم يأتي بعد يومين !

لم يصدق الرجل عظمة السعادة التي غمرته، فقد تخلص من انزعاج حيواناته وقرفها، وتولى هو وافراد اسرته تنظيف الغرفة وفرشها وتعطيرها بماء الورد، وبعد يومين  ذهب الى الوالي، ونقل اليه دعاء زوجته ودعاء العائلة، ان يحفظ الله الوالي من كل سوء، بعد ان نعموا بغرفة نظيفة معطرة واسعة يطارد فيها الخيال، وكاد يبكي بين يديه من فرط فرحته، ومن كرم الوالي عليه، حتى اذا انتهى من تقديم آيات الشكر والثناء والامتنان، سأله الوالي (هل مازلت تريد منزلا اكبر ؟! انا حاضر!!)، فرد عليه المواطن (جزى الله الوالي الف خير، البيت يكفينا وزيادة) ثم انصرف الى حال سبيله مغمورا بالبهجة !

حين انتهى زميلي من كلامه قلت له مؤنبا (ليس هناك ربط بين الحكايتين، فالوالي لعب  بأعصاب المواطن، ثم أعاد اليه منزله كما هو، أما البطاقة فلم تعد كما كانت على الرغم من ان الحكومة لعبت بأعصاب المواطنين !) ويبدو ان تعقيبي على ما فيه من تأنيب ساخر قد أعجبه، لذلك انصرف هو الاخر الى حال سبيله مغمورا بالبهجة !!   

التعليقات معطلة