رشا الخفاجي
تبدأ حياتنا بتحرك قطار الزمن ليس المهم في الحركة بطيئة كانت ام سريعة بل المهم ما نشهده ونعيشه في كل وقفه ، مآزق تأتي وتأخذ منا جهدا عقليا وبدنيا ، تثقل كاهلنا اكثر ما هو عليه في مشاق الحياة ، البعض منها يمر دون التعرض للمسائلة القانونية او فرض بعض الرسوم ، والبعض الاخر يعود علينا بأقسى وامر القرارات تؤدي بنا الى الهاوية كالنفي من مكان العيش او السجن او تكوين ناس عدائيين لنا ما يستدعي الى توخي الحيطة والحذر في نقل ما نشهده او نسمعة او لمسه ، لتفادي الكثير من مصاعب مهننا المتعبة ، عنيت في تحقيقي هذا على مهنة الصحفيين التي نالت في الاونة الاخيرة حيزا كبيرا على مستوى العالم ، و (الكلمة) في الاعلام احد من السيف ، هذا ما لفت نظري ودفع بي الى التقاء بعض الصحفيين والمهنيين للاطلاع على مآزقهم ومواقفهم الصعبة من اجل ان يتجنبها الباقين ، “المستقبل العراقي” التقت عدد من الاشخاص ممن عاشوا الحياة بعمقها وبأدق تفاصيلها فذاقوا مرارة اختبارها وحلاوة نجاحها .
الذاكرة تخون ولكن !
وقفتنا الاولى مع المخضرم الكبير عبد الستار البيضاني الذي تحدث ، عن احد مواقفه قائلا : “ في بداية عملي في مجلة (الف باء)، استحدثت بابا بعنوان (حوار الاجيال)، تقوم فكرته باستضافة أديبين من جيلين مختلفين ، حيث يقوم اديب شاب بمحاورة اديب من جيل سابق باشرافي “.
مضيفا، ان “ ذلك كان من اصعب الابواب بالنسبة لي في اقناع المتحاورين لحساسيته، وصعوبة جمع الاعداد واعتماد التسجيل الصوتي للحلقات ، وقد عانيت احراجات في اغلب حلقاته على قلتها “.
ويلفت النظر الى انه “ في احدى الحلقات استضاف الشاعر حميد سعيد من جيل الستينيات والشاعر عبد المطلب محمود من جيل السبعينيات ، وبعد اكثر من محاولة تم اجراء الحوار وتسجيله على مدى شريط ونصف ، وكنت فرحا بهذا المنجز خاصة واني عانيت صعوبة في اقناع حميد سعيد ، وعندما عدت الى البيت لأفرغ الشريطين وجدت انني لم اسجل سوى عشرة دقائق ، فشعرت بالاحراج خاصة وان رئيس التحرير اوصاني بايلاء الموضوع اهمية اسثنائية بسبب مكانة حميد سعيد وموقعه الرسمي! “.
ويشير ، البيضاني الى انه “ وجد صعوبة وخذلان في اخبار رئيس التحرير والشاعر حميد سعيد بالحقيقة “، مستدركا “ لم يكن امامي سوى ان اكتب الحوار الذي دار بينهم على مدى ساعة ونصف على الذاكرة الخاصة وانني لم ادون سوى المحاور، وهكذا كتبت حوارا طوله عشرة صفحات فولسكاب “.
ويوضح ، ان “ وصل الاحراج ذروته عندما طلب حميد سعيد الاطلاع على الموضوع قبل نشره ، فارسلت له ما كتبته وانا في غاية القلق طوال الايام التي بقي عنده الحوار ، وبعد نحو اسبوع اعاد لي الشاعر حميد سعيد الموضوع بعد اجراء تعديلات طفيفه على اجاباته ، مع شكره لي على دقتي ، وهكذا نشر الموضوع وحظي باهتمام الوسط الثقافي “.
بدايات صحفية قاسية
الدكتور محمد فلحي تحدث ، عن اكثر دروس الحياة قساوة مبتدأ : “ كنت في بداية حياتي الصحفية اعمل محررا في القسم الثقافي في مجلة طلابية في بداية الثمانينيات ، وقد كلفني رئيس القسم فجر جودة باجراء حوار مع عدد من الشعراء الشباب من الذين يدرسون معي في كلية الاداب “.
ويردف قائلا “ حضر اربعة من الشعراء واجريت معهم حوار صحفي لمدة ساعة سجلته على شريط الكاسيت ، وعندما حاولت في ما بعد تفريغ الحديث على الورق وتحريره وجدت الصوت مشوشا بسبب ضعف البطاريات ، ولم استطع ان افهم من الكلام المسجل شيئا فاعتمدت على ذاكرتي وكتبت الحديث وحررته ، وسلمته للمجلة فنشر في اربع صفحات وكان ثقافيا مهما يتحدث عن طموحات جيل الثمانينيات من الشعراء “.
ويشير فلحي وهو معاون عميد كلية الاعلام حاليا ، الى انه “ فوجئ بعد نشر الحوار بمقاطعته من قبل اصدقائه الشعراء وعدم القاء التحية عليه، فضلا عن معاتبة البعض الاخر على تغيير نص كلامه وتشويهه “، موضحا “ قد عذرتهم لكونهم على حق، فالكلام المنشور كان كلامي وليس كلامهم وقمت بتأليف الحوار على لسانهم لكون التسجيل لم يكن صالحا ، وما زال البعض زعلان مني حتى الان رغم مرور اكثر من ثلاثين عاما، ولكنني اعتبرت هذه التجربة درسا قاسيا في بداية حياتي الصحفية “.
توخي الحذر في النشر
ليعود بنا الزمن الى ماقبل سقوط النظام السابق، مع الدكتور محسن الكناني حين ذكر احد اهم المواقف التي واجهته عام 1997 ، انه “ عندما اجرى لقاء مع الفنانة عواطف نعيم في منزلها، مبينا ان “ فحوى الحوار استند على رأي الفنانة في اتجاه اذواق الناس نحو المسرح الشعبي دون المسرح الجاد وخاصة انتشار نوعية هذه المسارح في التسعينات ، بسبب ظروف البلد والضغوطات التي يعانيها المواطن من فقدان الحريات وتدهور الوضع الاجتماعي الذي دفع بالذائقة الى الاتجاه نحو التسلية والترفيه (المسرح الشعبي ) للتنفيه عن نفسه “.
ويلفت ، محسن النظر في حديثه بذكر موقف الفنانة من هذا النوع من المسارح ذات الاسفاف الكوميدي اذ اتبعت كلامها بالحديث عن “ الحكومة واخطائها بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب وانجراف حديثها بكلام تابو محرم وخط احمر قد يؤدي الى ما لا يحمل عقباه “.
ويؤكد ، ان “ لولا حذفه لهذا الكلام وعدم تحريره ونشره في (مجله اللقاء) لتعرضت الفنانه لمسائلة قانونيه ولعقوبة حتمية “، مستدركا “ لولا مداراة بعضنا لبعض في ضل النظام السابق لما كنا على قيد الحياة الى الان ، وبعد علم الفنانة بفعلتي شكرتني ومنذ ذلك اليوم اصبحنا اصدقاء ولنا لقاءات متكررة تحت ساعه القشله في شارع المتنبي “.
الدكتور سعد السعيدي في كليه العلوم السياسية يروي احد مأزقه قائلا “ حدث لي قبل اربع سنوات موقف يحمل نوع من سمة الازمة تجاه التزامات وظيفية يتلخص باستحالة اداء امتحانات نصف السنة للطلبة في الكلية “، مبينا ان “ السبب الاساس في ذلك هو انه كان قد سافر في مهمة شخصية الى الهند قبل عطلة نصف السنة بخمسة ايام وكان من المقرر ان تستمر المهمة 20 يوم اي قبل بداية الفصل الثاني بيوم واحد بعدها اقوم باجراء امتحان نصف السنة لطلبتي في الصف الاول “.
ويوضح ان “ موقف طارئ دخل في اجندتي وهنا اضطرني الى المكوث فترة اكثر في دلهي حينها بدأت عمادة الكلية بالاتصال بي وتلح بشكل لا يصدق وربما لم يكن يتناسب مع حجم الضرر او الحرج الذي كان سيحدث حينها لكن هناك بدائل دائما لتلافي الاخطاء التي كان الطلبة جزءا اصيلا منها “.
ويلفت ، السعدي النظر الى انه “ كان امامي خياران ، الاول ان اترك قريبي المريض في المستشفى دون رعاية وربما يموت واعود على الفور ، والثاني هو ان اعتذر عن العودة وحينها ساواجه عقوبة انظباط موظفي الدولة ومن بينها الفصل من الكلية وكان هذا الموقف محرج وحساس جدا ويؤثر بشكل كبير على مستقبلي العلمي والوظيفي “.
ويبين ، “ انني حينها اتخذت قرار يوصف بالوسطي والمنقذ عبر الطلب من احد اقربائي وهو ان يحل مكاني على وجه السرعة على متن طائرات خاصة على الرغم من انه لايتقن اي مهارة من مهارات السفر وقمت بترتيب كل متطلبات وصوله ومكوثه مع اصدقاء هنود وفلسطينيين ودفعت لهم مبلغ كبير ثم قمت بدفع غرامة عاجلة لشركة الطيران لتغيير موعد العودة وفي جناح رجال الاعمال ودفع فاتورة كبيرة وبنفس الوقت اتصلت برئاسة القسم وانا في مطار دبي لتقديم اجازة بأسمي كنت قد كتبتها ووقعتها قبل رحلتي في حالة حدوث طارئ “.
ويشير الى انه “ بعد عودته الى الكلية ادخل في لجنة انظباط انتهت بعتب شخصي من العميد ، مع عدم ترتيب اي عقوبة عليه بعد توضيح الاسباب “، مستدركا ان “ هنا انفرجت الازمة وتلاشت بسرعة فائقة واجري الامتحان للطلبة وهذا موقف من بين مواقف كثيرة تعد محرجة وازموية “.
معلومات ينكرها القائل وغياب الدليل يأزم الموقف
اما في محطتنا الاخرى تجلت وقفتنا عند الصحفي احمد الصادق محرر في قناة الاتجاه الفضائية ، الذي قال ما قال عن مواقف ومأزق تركت في نفسه الاثر ، ذاكر ، احد مواقفه مع برلمانية في مجلس النواب حيث يقول “ في احدى المرات ومن خلال اشتغالي على تحقيق صحفي احتجت الى رأي برلمانية في المجلس ، فما كان علي الا ان اتصل بها لاخذ تصريحها بخصوص الموضوع وكانت متعاونه معي اعطتني رأيها في الموضوع بصراحه ووضوح “.
ويضيف ، الصادق ان “ البرلمانية اشارت من خلال تصريحها الى احد النواب واتهمته بالتعاون مع دول اجنبية للاطاحة باقتصاد العراق ..وبعد نشر التحقيق في الوكاله التي كنت اعمل بها فوجئت بأتهامي بالتلفيق من قبل الامانه العامه لمجلس النواب وذلك لانكار البرلمانية باعطائي هذا التصريح بعد تهديد النائب لها بالمقاضاه القانونيه لعدم صحة كلامها “.
ويردف ، في سرد مأزقه بان “ المشكله الكبرى تكمن في عدم تسجيله لتصريح تلك البرلمانية ما وضعه في موقف خطر ، فقامت برفع دعوة قضائيه بحقي فامسيت بقضيه واصبحت بأثنين “.
ويتابع ، الصادق حديثه “ قام فريق الدفاع الخاص بالوكالة التي اعمل بها على حملي لتوقيع على تعهد باني المسؤول عن كل ما جاء في التصريح وانني اتحمل كافه التبعات القانونية والمالية “، مبينا ان “ بعد مرور ثلاثة اشهر من عدم الراحة وتهديد البعض لي بالقتل ومطالبة رئيس مجلس النواب بـ 500 مليون كتعويض، اصدر القاضي امرا بالاطلاع على التسجيل الموجود في ارشيف شركه اسياسيل وبعد جلسة استماع أثبتت برائتي وحولت القضيه لتقع على رقبة البرلمانية (ن.د) “.