المستقبل العراقي/متابعة 
 أبت سمر عطية، خلال الفترة الماضية، الانصياع وراء الكثير من الإشاعات التي انطلقت وتزايدت بعد احتلال الموصل على يد جماعة “داعش”.
وتؤكد عطية أنها سمعت الكثير من الإشاعات المغرضة، قبيل إعلان احتلال الموصل وبعد ذلك، إلا أنها كانت حريصة على أن لا تنساق وراء تلك المقولات التي تصدر من قبل مجهولين، هدفهم التلاعب بأعصاب الناس، أو تحقيق غاية إعلامية.إلا أن عطية لا تنكر مدى التخوف الذي يُصيبها عند سماعها تلك الإشاعات في البداية، غير أنها لا تقوم بتداولها بين معارفها أو حتى على مستوى محيطها العائلي، إلا بعد التأكد من طبيعة تلك الأخبار من خلال وسائل إعلام موثوقة، لكي تتجنب الخوف الذي تشعر به بين الحين والآخر.في كل حادثةٍ تمر بها أي منطقة، وبخاصة فيما يتعلق بالحياة اليومية للمجتمع، يظهر هناك الكثير من الإشاعات التي يتخذ أغلبها طابعاً “سلبياً”، أو قد تحمل نوعا من التهويل والتضخيم، ما يؤدي إلى نشر أفكار وتخوفات وثقافة جديدة في المجتمعات.
وفي ذلك، ترى اختصاصية علم النفس والإرشاد الأسري الدكتورة خولة السعدي، أن الخوف شعور طبيعي عند الإنسان والخوف من المجهول يعد أكثرها، وبالتالي فإن الحروب من الأمور والأحداث التي تحمل المجهول في طياتها، والأشد من ذلك أنها تعني “التهديد للحياة”.وتضيف السعدي أن الإنسان بطبيعته البشرية دائماً لديه غريزة حب البقاء والتمسك بالحياة، حتى في أشد الظروف المعيشية الصعبة يبقى تمسكه بالحياة من سماته، وكون الحروب تشكل تهديداً للحياة، فإنه يبقى دائماً في حالة ترقيب وخوف من تداعيات الحروب حتى وإن كانت في مناطق خارج “وطنه”.
“رسائل تحذير وتخويف”، وصلت إلى ربة المنزل أم سيف، التي شعرت بخوف وقلق كبيرين لحظة قراءتها، تدعو إلى عدم الخروج من المنزل، تحسباً لأي أعمال قد تؤذي العائلات، عقب سلسلة انفجارات لعملية ارهابية .
تلك الرسائل جعلت أم سيف تشعر بالفعل بالخوف على عائلتها وأهلها، وعلى الوطن، على حد تعبيرها، وتقول “نحن عاطفيون جداً ونخاف على وطننا بشكل كبير من أي سوء”، لذلك تطالب بعدم بث الإشاعات وتداولها عبر الرسائل النصية و”الواتس أب”، ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. 
وتعتقد أم سيف أن مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت بشكل كبير في انتشار الإشاعات المغرضة، والتي لا أساس لها من الصحة، إلا أن الناس يتسارعون لنشرها وتبادلها، والطلب من نشرها تحقيق مصلحة عامة، إلا أن نشرها له ردة فعل عكسية وتؤثر على نفسية الناس والعائلات، بشكل عام، ما ينعكس على المجتمع كله بعد ذلك، كون تلك الإشاعات باتت حديث الناس في معظم مجالسهم.ولكون غريزة الأمومة هنا تظهر لدى الأمهات والخوف “المبالغ فيه أحياناً”، كما في حالة أم سيف، فإن السعدي تجد مبرراً لهؤلاء الأمهات من باب الغريزة والخوف على الأبناء من أي تبعات قد تحدث، لذلك يتداولن رسائل التحذير فيما بينهن بدون وعي ودراية منهن، بدافع الخوف فقط، إلا أن ذلك له تأثير سلبي على نفسيتهن ونفسية الأطفال كذلك.وتُعرف الإشاعة بأنها “من أشاع الخبر”، إذا ذاع وانتشر، وفي معناها الانتشار والتكاثر، وقد تعددت الأقوال في بيان حقيقتها وبيان مفهومها وتحديدها، فهي أحياناً نبأ مجهول المصدر، سريع الانتشار، ذو طابع استفزازي في الغالب، وقد تثير البلبلة في المجتمعات، وتنتقل بين الأفراد بسرعة كبيرة، بدون الاكتراث بمصدر تلك المعلومة ودقتها.
بيد أن عمر عواد يرى أن خطورة تلك الإشاعات التي تم تداولها بشكل كبير خلال الأيام القليلة الماضية سواء بعد أو قبل سيطرة الارهابيين على بعض مناطق البلاد ، والحالة الاجتماعية التي مرّ بها المواطنون، تكمن في أن تداولها والنقاش فيها يتم بين الأطفال أنفسهم، ما يؤدي إلى حدوث حالة نفسية “مضطربة لديهم”، كونها إشاعات فيها مؤشرات خطورة وحروب، وما إلى ذلك.ويقول عواد إنه يستغرب من مدى تفاعل الأطفال مع مثل هذه الإشاعات الكثيرة، ويعتقد بأن تكرار الحديث عنها أمام الأطفال هو السبب في ذلك، ما يجعلهم يعاودون تبادلها فيما بينهم، ويؤكدون خلال لعبهم بالحديث قائلين “بابا حكى، سمعت ماما حكت”، أي أنهم يكررون كلام الكبار، الذين يجب أن يكونوا حريصين على كلامهم وردود أفعالهم أمام الأطفال.وذكرت بعض التحليلات والدراسات الاجتماعية والنفسية أن انتشار الإشاعة بين أفراد المجتمع له دوافع كثيرة، قد تكون نفسية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وتتعرض الإشاعة أثناء التداول إلى التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقص.
كما حددت تحليلات علم الاجتماع والنفس أن الدوافع وراء نشر الإشاعات في المجتمعات لها أسباب عدة منها “الجهل، الفراغ، الرغبة في حب الظهور، الشعور بالكراهية للآخرين، واتباع الهوى، والنفاق”.وتعتقد رجاء محمد أن الرغبة في حب الظهور هي من أسباب انتشار الإشاعات؛ إذ إن بعض وسائل الإعلام تسارع في نشر الأخبار غير الدقيقة، والكاذبة أحياناً بناءً على توقعات أو تحليلات غير سليمة، بهدف تحقيق “سبق صحفي”.وتضيف “وهنا، يصدق الكثير من الناس تلك الإشاعات التي تنتشر بسرعة، والخطورة تكمن في أن بعض وسائل التواصل أصبحت ميداناً كبيراً وواسعاً في نشر الإشاعات ونقلها بطريقة مكتوبة ويسهل نسخها وإرسالها، كما يحدث في نقل الأخبار هذه الأيام عبر التواصل من خلال “الواتس أب”.وتروي محمد أنها تلقت رسالة من إحدى صديقاتها على “الجروب” الذي يضم مجموعة من الصديقات، يتحدث بشأن نشر معلومات غير دقيقة ونسبها إلى جهات حكومية ورسمية، ما يزيد من خطورة تلك الرسائل، والإشاعات، التي يصدقها الناس بسرعة، ويتم تداولها بشكل سريع.وتؤكد السعدي أن حجم الخوف يزداد عند التهويل من قبل الإعلام، داعية إلى عدم الإكثار من متابعة وسائل الإعلام التي قد “يتعمد بعضها إثارة الناس بشكل غير مبرر لتأجيج مشاعر الخوف والقلق”؛ حيث يظهر هناك ما يسمى “الحرب النفسية”، وهذا دليل على أهمية الحالة النفسية التي تعد من “مخرجات الحروب وتداعياتها”.

التعليقات معطلة