رستم محمود
لم تمضِ ساعات قليلة على إعلان قوات حماية الشعب الكردية تحرير كامل مدينة كوباني من قبضة تنظيم «داعش» الإرهابي، حتى سارعت السلطات التركية إلى رفع علم تركي ضخم للغاية، على التلة التركية المقابلة للمدينة. وبدأ الكثير من رجال الدولة التركية التعبير عن رفضهم لتأسيس أية منطقة سياسية كردية في تلك البلدة الصغيرة!!.
يبدو ذلك مثيراً وكوميدياً في آن. فما الذي يخيف تركيا، هذه الدولة الاستراتيجية بموقعها ودورها في عموم منطقة الشرق الأوسط، بجيشها الضخم القوي في حلف الناتو، واقتصادها المتنوع الذي يحتل مرتبة متقدمة على مستوى العالم، بحداثة مؤسساتها الدولتية وبعشرات الملايين من سكانها، بجغرافيتها الاستثنائية وتاريخيها الإمبراطوري الممتد لعشرات القرون، ما الذي يُرعب هذا الكيان الضخم بكل شيء من هذه البلدة الصغيرة والمحطمة على أطراف حدودها القصية!!.
صحيح أن قادة القرار الاستراتيجي التركي أكثر من يدركون بأن بلدة كوباني هذه، بنموذجها الذي قدمته، وبما استحوذته من تعاطف عالمي، قد تشكل أكبر «سرطنة» قومية يمكن أن تطاول أكرادها الذين في الداخل. فما أن تحررت كوباني من قبضة تنظيم «داعش»، حتى ملأت الاحتفالات شوارع المدن والبلدات الكردية في تركيا، ورفعت بلدية ديار بكر لافتتين ضخمتين للتهنئة بتحرر البلدة الكردية السورية، على أعلى البناية المركزية التابعة لها. لكن يجدر السؤال هنا، أوليست الخشية من ظهور نوازع القومية الكردية، واعتبار أية مشاعر قومية لأكراد الداخل التركي تجاه نظرائهم من أكراد بلدان أخرى خطراً على الأمن القومي للدولة التركية، أوليس ذلك بالضبط هو جوهر العقيدة الأتاتوركية القومية التركية، حيث يريد النظام السياسي الحاكم الجديد التخلص منها، وبناء عقيدة دولتية حديثة، قائمة على قيم المواطنة المتساوية، حيث اعتبار تقسيم البلاد والسلام الاجتماعي الخطين الأحمرين الوحيدين على الأمن الوطني!!. وحيث على هذا الأساس بنى الحزب الحاكم عقيدته السياسية الداخلية، وبها باشر البدء بعملية السلام مع حزب العمال الكردستاني.
لكن يبدو جلياً ان مؤثرات أخرى، غير تلك التي يظهرها ويبثها الحزب الحاكم، ما زالت شديدة التأثير والفاعلية في الواقع التركي، مؤثرات وآليات لا يستطيع أي حزب أو مؤسسة تجاوزها بسهولة وإرادة ذاتية .
تأتي مؤثرات «التربية» القومية الأتاتوركية في صدارة ذلك، تلك التي ما زالت كثيفة الحضور والفاعلية في المؤسسات التربوية والإعلامية والعسكرية والدستورية والبيروقراطية، منذ قرابة قرن وحتى الوقت الراهن، هذه المؤسسات شديدة المركزية والتوجيه من قبل النخبة التي توارثت على مدى أجيال قيم ومفاهيم هذه الثقافة الأتاتوركية القومية، حتى أنها باتت فاعلاً ومؤسساً عقائدياً ورمزياً في الذات الجمعية لأجيال كثيرة من الأتراك، وباتت مفاهيمها ومنطقها بمثابة بداهات عقلية ومنطقية في الذهن العام.
جزء غير يسير من سيمياء تلك «التربية» القومية يبتغي تثبيت الصفاء القومي لتركيا، كياناً ومواطنين، وبذا يغدو مناهضاً لأية مشاعر أو تعابير أو ممارسات ذات صبغة قومية كردية، ويعتبرها مجتمعة، أيا كان مستواها وهويتها، مضادة لذلك الصفاء القومي المبتغى. فكل الكيانات المركبة والملونة تخدش الشخصية القومية في الذات التركية، فكيف بتلك التي يمكن أن تؤسس على حدودها، وفي كيانات بها تراكيب اجتماعية مطابقة لما في الداخل التركي.
العامل الأخر شديد الأهمية في الذات التركية، يتعلق بمركزية مؤسسة الجيش في الدولة والحياة العامة، بغض النظر عن الصلاحيات والحضور في المتن العام، حيث شذب الحزب الحاكم الحالي الكثير من ذلك، فالجيش في الدولة التركية – وكذلك في الوعي العام للأغلبية المطلقة من المواطنين- هو الوكيل الحصري والوحيد لحفظ الدولة والمجتمع، وما تاريخ دولة تركيا الحديثة سوى سيرة الجيش الذي أسس الكيان وحافظ على المؤسسات وقيم الجمهورية والديمقراطية والعلمنة، وكان على الدوام الجهة التي تحافظ على الدستور، والأهم أن الجيش كان الجهة الوحيدة التي ضبطت وقمعت جميع الحركات التي ناهضت مركزية الكيان التركي، سواء كانت حركات تمرد قومية كردية أو سياسية إسلامية أو شعبية يسارية أو حربية خارجية.
بناء على ذلك، فإن نموذج كوباني يكسر من هيبة تلك المؤسسة بشكل غير مباشر، فيثبت أمكان تنظيم محلي سياسي على تشكيل قوة عسكرية صغيرة الحجم، تسعى هذه القوة العسكرية لتحقيق مكاسب عسكرية واضحة المعالم ضد قوة عسكرية أكبر منها حجماً وقدرة. يقدم ذلك تخيلاً حول إمكان أن يقوم حزب العمال الكردستاني، الحزب الأم الذي حارب في بلدة كوباني، بعمل شبيه بتجربة كوباني في الداخل التركي، وأن لا يستطيع الجيش التركي مناهضته، مثلما فشلت قوة أكبر حجماً من القوة العسكرية الكردية في كوباني من السيطرة على المدينة.
العامل الأخير يتعلق بما تستبطنه تركيا من وعي «أبوي» تجاه أكرادها وأكراد الإقليم عموماً. فما زالت تركيا تقرأ نفسها كقوة مركزية امبراطورية، يشكل الكرد أحد مكوناتها الهامشيين، الذين يمكن الدولة التركية أن تقدم لهم بعض «العطايا الأبوية» فيما لو انضبطوا بسلة من القيم والمعايير والمتطلبات التي يجب ان تفرض عليهم من قبل الدولة التركية.
هذا الوعي شكّل مصدر الدعاية والخطاب التركي تجاه الكرد العراقيين منذ عام 1992، وموجهاً للطريقة التي كان يتم بها استدعاء رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري صالح مسلم وتوجيه تعليمات سياسية وإدارية وعسكرية له، وحتى عملية السلام التي يريد أن يخوضها مع حزب العمال الكردستاني في الراهن، التي يسمّيها عملية «السلام والأخوة»، حيث عادة ما يشير السياسيون الأتراك إلى أن صدر الدولة يجب أن يتسع للمتمردين ويسمح لهم بالعودة إلى ممارسة الحياة الطبيعية، بمسحة شديدة الفوقية والمركزية.
ضمن هذا السياق يبدو مفزعاً لنفس تلك النُخب الحاكمة أن يتمكن الكرد من إحراز عتبة عسكرية واضحة المعالم، يستطيعون عبرها تقديم نموذج للتفاوض والمساواة وتبادل الإغراء والتهديد، من موقع الندية والتساوي في التداول حول الشأن المطروح، سواء مع دولهم أو مع الدولة التركية.
في رائعته «سلطان الفيلة» يسرد الروائي التركي- الكردي يشار كمال حكاية الفيلة الذين يغزون بلاد النمل، ويدمرون بفوقية، وبفارق قوة ضخم للغاية، مملكة النمل كلها، لكنهم لا يستطيعون، لذلك السبب بالذات، من دخول جحور النمل متناهية الصغر والعمق، حيث يبدأ هؤلاء بحفر أنفاق تحت أقدام الفيلة بإصرار وتفان لا يوصف، حتى تبدأ الفيلة بالسقوط في حُفر لا يستطيعون الفكاك منها أبدا، غير مصدقين بأن هذه الكائنات الصغيرة تستطيع أن تبادلهم فعل القوة، حيث أن القوة في وعي الفيلة هي مجرد ضخامة حجم الأجساد فحسب، فتسقط جراء استهانتها بالقوة المستبطنة للنمل.