عطيل الجفال
يشكل القصف اليومي العشوائي لقلب مدينة دمشق وأحيائها من قبل قوات المعارضة السورية تطورا خطيرا في النزاع المستمر منذ نحو أربعة أعوام. نقل المعركة الى قلب العاصمة يستهدف شلها اقتصاديا وهو ما نجحت فيه المعارضة الى حد ما حيث تراجع سعر صرف الليرة السورية الى مستويات خطيرة وللمرة الاولى منذ بداية النزاع في 2011، لكنه في وجهه الآخر يشبه الاعلان عن إفلاس هذه المعارضة التي تدعوها واشنطن وحلفائها بـ”المعتدلة”، حيث أجج هذا التصعيد غضب الشارع السوري ضد المعارضة وساعد على تزايد التفاف ذات الشارع حول نظام الرئيس بشار الاسد، كما انه عجل في خوض معركة القوات النظامية ضد معاقل المعارضة المسلحة بهدف إبعاد مصادر النيران عن العاصمة التي بقيت بعيدة الى حد ما عن نيران المعارك طيلة تلك السنوات، إضافة الى تكثيف القصف الجوي على مدينة دوما بريف دمشق.
تصاعد المعارك الداخلية لم يجر بمعزل عن تحركات دولية تتعلق بالازمة السورية، فالرئيس الاميركي باراك أوباما حين يطلب تفويضا من الكونغرس لمحاربة قوات “داعش” أمده ثلاث سنوات، فانه يعني بأن زمن الفوضى الخلاقة سيستمر في المنطقة خلال هذه الفترة، ومن الطبيعي أن تكون سوريا المكان الانسب لمخاض هذه الفوضى.
ومــــن الطــبيعــي أيــضـــا ان يتحقق توازن مدروس لقوة الاطراف المتصــارعة في المـــيدان السوري.
نيكولاس راسموسن مدير المركز القومي لمحاربة الإرهاب، يقول أمام أمام مجلس النواب الاميركي، ان عدد الذين دخلوا إلى سوريا للقتال بلغوا 20 ألفا وهم من 90 بلدا، وإن وتيرة الواصلين “غير مسبوقة” مقارنة مع أماكن أخرى من النزاع مثل أفغانستان وباكستان والعراق واليمن أو الصومال.
ويضيف “نعتقد أن ما لا يقل عن 3400 من هؤلاء المقاتلين الأجانب أتوا من دول غربية بينهم 150 أميركيا”.
دقة الارقام توضح أن ثمة مهمة مزدوجة لواشنطن وبعض العواصم الغربية المتحالفة معها في سوريا، فهي من جانب تقصف مواقع لتنظيم “داعش” ومن جانب آخر تغض الطرف عن تزويده بالمقاتلين العرب والاجانب، مثلما تغض الطرف عن حلفائها الاقليميين الذين يقدمون للتنظيم دعما ماليا وتسليحيا ولوجستيا أيضا.
على الجانب الآخــر، لـم تخلو ملفــات لقــاء الرئيـسين الروسي والمصري من الورقة السورية، إن لم تكن هذه الورقة هي أحد المحاور الرئيسة في زيارة فلاديمير بوتين الى القاهرة.
واذا كانت العاصمتان قد شهدتا ما يشبه التكامل حول احتضان المفاوضات بين نظام الرئيس الاسد والمعارضة السورية، حيث شهدت القاهرة الاجتماع التشاوري بين فصائل المعارضة السورية، والذي نتجت عنه وثيقة التفاهم بين تلك الفصائل، فيما احتضنت العاصمة الروسية مؤتمر موسكو بين المعارضة والنظام بالاستناد الى مقررات مؤتمر جنيف 1 الذي جرى بينهما في العاصمة السويسرية نهاية حزيران 2012، وتمخض عن بيان اعتمد في بعض مفاصله على خطة البنود الستة التي كان قد قدمها المبعوث الخاص المشترك كوفي عنان (استقال في تموز2012)، وتضمنت تلك البنود المتبناة في البيان الرئاسي لمجلس الأمن يوم21 آذار2012) مجموعة نقاط أبرزها، وقف جميع عمليات القتال والالتزام بالعمل من أجل عملية سياسية شاملة، وهدنة لإدخال المساعدات الإنسانية، والإفراج عن كل المعتقلين تعسفياً.
لكن مؤتمر موسكو الذي شهد لغطا بين الاطراف السورية من جانب وبعض الاطراف الدولية من جانب آخر، شهد أيضا تباينا كبيرا بين أطراف المعارضة حول آليات انعقاده وبعض مقرراته العشرة التي تضمنتها وثيقة موسكو، ولاسيما بين الائتلاف الوطني السوري وهيئة التنسيق، وكذلك بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج.
إذن لم تكن الاحداث السورية الاخيرة في الميدان، بمعزل عن تحركات الطرفين، الطرف الاميركي وحلفائه الغربيين أو الطرف الروسي وحلفائه المتمثلين بايران والصين وأخيرا مصر، فالقصف على أحياء مدينة دمشق يستهدف اسقاط هيبة النظام والمساس بسيادة الدولة السورية، فيما يهدف الهجوم الذي شنته قوات النظام في الجبهة الجنوبية على المثلث الذي يربط محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق وإحكامه السيطرة على بلدات دير ماكر وتلة العروس وتلة السرجة إضافة الى قرى أبرزها تل مرعي والدناجي ودير العدس الى تعزيز المواقع الدفاعية للجيش السوري لقلب المعادلة وانتقال الجيش من الانتشار الدفاعي إلى الهجومي وفرض واقع جديد قبيل زيارة موفد الامم المتحدة ستافان دي ميستورا الذي خلف الاخضر الابراهيمي والتي جرت فعلا يوم الجمعة الماضية والتي أكد فيها المبعوث الاممي ان الرئيس بشار الاسد يشكل جزءا من الحل في سوريا، مؤكدا بأن الحل الوحيد هو حل سياسي، معتبرا ان الجهة الوحيدة التي تستفيد من الوضع في غياب اتفاق هي تنظيم “داعش” الذي يشبه وحشا ينتظر ان يستمر النزاع ليستغل الوضع.
قد يكون التصعيد الاخير على الساحة السورية مدخلا لحلحلة الأزمة التي بدأت شرارتها تنتشر في محيط سوريا حيث تمدد تنظيم “داعش” في العراق ولبنان وأعدم الطيران الاردني الكساسبة حرقا، ولا أحد يدري الى أين ستصل ما لم ينتبه المجتمع الدولي بجميع أطرافه الى ان النار المستعرة في بضعة أشجار قد تؤدي الى إحراق الغابة بأكملها.